يستدعي الجدل الحاد اليوم في مفهوم الخيانة والتخوين، وضع الاتهامات المتبادلة بين الأطراف في غير موضع الربط بين السلوك والعقيدة، بما يعني الخروج من لعبة مذهبة النزاعات، وتحويلها عن مسارها الذي لا يصبّ إلا في إطار المنافع والمصالح.

مناسبة تلك العجالة النقدية مقال نُشر في «الأخبار» في 6 أيلول 2011 (العدد 1504) للباحث محمد فضل الله، بعنوان «شيعة العراق وثوار ليبيا بين الخيانة والشرف»، وتضمن مقارنة تاريخية سلوكية بين أهل السنة وأهل الشيعة، وعلاقة الشيعة بالماضي. ويصل المطاف بالكاتب إلى طرح مظلومية الشيعة في العراق بعد تخوينهم بسبب تعاملهم مع الاحتلال الأميركي، في مقارنة، قد تكون مُجحفة، مع المسألة الليبية وعلاقة الثوار بحلف شماليّ الأطلسي.
طبعاً، من حق الكاتب طرح مظلومية أي شعب لحق به ظلم أو اتهام باطل، لكن في موضوع العراق وليبيا لا يمكن وضع ممارسات سياسية أو سلوكيات غير أخلاقية في إطارها المذهبي، ولا هي تطبيق لمفاهيم أو عقائد حتى نعمم المحاسبة فتطاول كل أبناء الطائفة. فالغمز من قناة السنّة هنا أو الشيعة هناك، ليس بالطرح العقلاني المطلوب تداوله، بعدما خبرنا نتائج الشروخ العقائدية والمذهبية التي لعبت السياسة ورقتها بنجاح باهر في صناعة الفتنة وتحويلها الى فعل إجرامي دموي. صراعات منفعية بحتة، لا هي متعلقة بموضوع النزاع على الخلافة بعد الرسول محمد، ولا هي نابعة من إرادة تصحيح عقيدة أو إشكال فقهي.
لعله أصبح من واجب طبقة الإنتلجنسيا، إعلان الطلاق من الخطاب المذهبي الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق مكاسب سياسية ومصالح دنيوية، لطبقة الكهنة التي تعتاش على ظهور الفقراء من أبناء المذهبين، وتستخدمهم في حروبها غير المقدّسة.
وإذا عدنا إلى مسألة الذاكرة والنسيان، فالنسيان آفة عربية بامتياز، ولا علاقة لها بطائفة معيّنة أو أهل مذهب محدّد، بل هي صفة أولئك الذين نسوا حدود فلسطين من النهر إلى البحر، ونسوا كل الخيانات والتنازلات أمام الاعتداءات الصهيونية على العرب، منذ نيف وستين عاماً. آفة النسيان تلك يا سيّد فضل الله قد تكون أحياناً نعمة، لكن حين ندخل في بازار الاتهامات المتبادلة، لا بد من أن تكون نقمة. فهؤلاء الذين أقاموا الدنيا وأقعدوها بحجة أنّ شيعة لبنان أخذوا من الامتيازات خلال عهد الوصاية السورية ما لم يأخذه الموارنة في عزّ الاحتلال الفرنسي، تناسوا أنّ الوصاية العثمانية، ومن بعدها الفرنسية، كرّست امتيازات للموارنة والسنّة على حساب الشيعة. لكن ما لا يعرفه هؤلاء أنّ الواقع الطائفي حتّم ظهور بورجوازية سنية ومارونية مدنية، متحكمة بالعمل السياسي، متواطئة مع «بكاوات» الشيعة، على حساب سكان الأطراف، بهدف إنتاج شريحة واسعة من الفقراء ينتمون إلى كافة الطوائف اللبنانية. ظاهرة أسست لنشوء أحزمة بؤس عابرة للطوائف حول المدن لاحقاً. المسألة مسألة طبقية بامتياز، ولا فرق بين مذهب وآخر، أو طائفة وأخرى، إلا بمدى تحقيقها لمصالح الحاكم والكاهن والبورجوازي. نعم، آفة النسيان هي ظاهرة عربية بامتياز، تتعاطى مع الأمور بحسب خواتيمها من دون تحليل تاريخي أو توظيف لأدوات منهجية عصرية لفهم الظاهرة بحدودها الإنسانية والتاريخية والإبستمولوجية (معرفياً)، فيما يفترض ابتعادها تماماً عن اعتبارات الآيديولوجيا وتهويمات العقائد لدى المذاهب. بيد أنّ منطق الشمولية والكلشيهات الكبيرة في استحضار التعاطف وإثارة المظلومية لم يعد مُستساغاً. فإذا كان ثمة حديث عن مظلومية للشيعة عبر التاريخ، فهي جزء من مظلومية لحقت بالعديد من الملل، بما فيها مجموعات سنيّة كانت تقف ضد الخلفاء والولاة على مر التاريخ الإسلامي، بمن فيهم أصحاب المذاهب الأربعة.
أما استحضار مؤيد الدين العلقمي (الذي ذكره الكاتب في مقاله)، عند كلّ محطة من محطات تخوين الشيعة، فهو من إشكاليات الذاكرة التي تخدم مشروع إعادة صياغة التمذهب، وفق معطيات نادرة الحدوث في التاريخ. فإن كان العلقمي، ذاك الشيعي الذي اتّهم بمساعدة التتار على غزو بغداد، نموذجاً للخيانة الشيعية، فماذا نسمي عالم الاجتماع المغاربي عبد الرحمن بن خلدون الذي زوّد المغول بتفاصيل الدروب والمسالك إلى المغرب والأندلس، بعدما التقى تيمورلنك إثر غزوه بلاد الشام وقبّل يده مستسلماً؟ وهل نسي متشددو السنّة أنّ المجاهدين الأفغان كانوا يتعاونون مع الاستخبارات الأميركية، بهدف طرد الغزاة السوفيات من بلادهم؟ وماذا يسمي المعجبون بتركيا اليوم، موافقة حزب العدالة والتنمية الحاكم على نصب رادار لحلف الأطلسي على أراضي بلاده؟ ألا تمثل تركيا أردوغان لشريحة واسعة من السنّة العرب اليوم نسخة معدّلة عن السلطنة العثمانية؟
ليست المسألة مسألة شيعة خونة وسنّة أشراف، ولا هي مقارنة عادلة تلك التي تُسقط ما حدث في العراق على حرب ليبيا. ففي الواقع، أنّ من أدخل الاحتلال الأميركي إلى العراق بالدرجة الأولى هو صدام حسين بسياسته المُتعنتة (التي يمارسها زعماء آخرون اليوم في أكثر من قطر عربي)، وبالدرجة الثانية الظروف الموضوعية التي خلقتها حرب الخليج الثانية، وغزو الكويت. فالسعودية والكويت، ومعظم الدول العربية يتولى أمورها شخصيات سنيّة أسهمت في توفير قواعد عسكريّة للجيش الأميركي وفتحت مصالحها وخيراتها أمام كل القوى الكبرى من دون تحفّظ. أليس هؤلاء في مقام العلقمي، إذا ما صحت الرواية عن خيانته للخلافة في بغداد؟ المشكلة الأساس هي في الخطاب المذهبي الذي لا حل معه الا بتهفيته، والخطأ من الجانبين: جانب المُتّهِم الذي أصيب بالعمى المذهبي، فما عاد يرى سوى القشة في عين أخيه، متجاهلاً الجذع في عينه، والمتّهَم الذي حوّل مظلوميته إلى مظلومية مذهبية، مستبعداً واقع أنّ صدام حسين ظلم كل من وقف ضد حكمه، حتى أصهرته وأهل بيته. وإذا كان قد صحّ ما نُقل عن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، بعد حرب تموز قوله: «لقد غسلنا عار العراق»، فإنّ ذلك يندرج ضمن الذهنية العشائرية التي تعمم «العار» على كل أبناء العشيرة، مع العلم بأنّ القرآن يقول «ولا تزر وازرة وزر أخرى»(الأنعام 164).
فمن الغبن إلقاء التهمة على طائفة كاملة بالتعامل مع الاحتلال (مع تخطئة الأشخاص والأحزاب الذين تعاملوا ومحاسبتهم من دون رحمة)، بينما نجعل القوى المتطرفة من طائفة أخرى، أبطالاً بتفجيرهم مواكب الناس والمساجد على رؤوس المصليّن، بل نحسبهم شهداء. مع أنّ هؤلاء يقومون بدور العملاء للأميركيين بامتياز، في تفكيك الأسرة العراقية الواحدة، وتحويل بلاد الرافدين إلى محميات مذهبية، تعمل لمصلحة دول أخرى. وماذا جنى العراقيون، بكافة مذاهبهم وأعراقهم، من ذلك «التحرير» سوى جعل العراق كعكة دسمة يتقاسمها زعماء العشائر والتيارات السياسية والدينية، ووكلاء الاحتلالات المتعددة المحيطة ببلاد الرافدين؟
وإذا عدنا إلى الذاكرة، يحق لنا أن نسأل أصحاب الاتهامات المذهبية عن الفئة الدينية التي ينتمي إليها معظم أكراد العراق الذين كانوا سبّاقين لاستقبال الغازي بالورود. أليس معظم هؤلاء من السنّة؟ ألم تُبحر الأحزاب الإسلامية السنيّة في سفينة الاحتلال تحت عنوان الانخراط بالعملية السياسية خشية أن «تخرج من المولد بلا حمّص»؟ وهل «جيش لحد العراقي» أو ما يُسمّى «الصحوات» في المناطق السنيّة، يعتقدون بولاية الفقيه؟ فكما كان هناك أطراف تنتمي إلى أحزاب شيعية تخدم الاحتلال، كان لها نظراؤها في كل الطوائف والأعراق، وكلا الجانبين خائن. أما العمل المقاوم، فقد شاركت فيه فصائل شيعية الى جانب فصائل سنيّة، وكلا الطرفين أبلى بلاءً حسناً في إفشال المشروع الأميركي في المنطقة.
أما مسألة مقارنة التدخل العسكري في العراق بما حدث في ليبيا، فهي مقارنة مُجحفة، إذ إنّ الاستعانة بقرار دولي حول ليبيا لمنع قتل المدنيين ـــــ رغم محاذيره الكثيرة والأخطاء الفادحة في تطبيقه ـــــ لا يشبه إدخال جحافل المعتدين إلى أرضنا، والتنكيل بأهلنا وأخذ حق التحكم بالعملية السياسية لإخراجها بشكلها الطائفي المقزّز. ليبيا ليست العراق، وتعميم الخيانة على الجميع بتلك الصورة أمر غير واقعي، ما دامت العملية السياسية في ليبيا لم تتم. نعم قد نقول إنّ طلب مساعدة الأطلسي في ليبيا جنحة، وفي العراق كان جناية، ولكن لنبقى على رأينا السابق بإعطاء الليبيين فرصة لتحقيق اكتفائهم الذاتي، والاستغناء عن خدمات الطامعين، قبل اتهامهم.
لعل جل ما تحتاج إليه طبقة المثقفين يا سيد فضل الله هو تهفيت الخطاب المذهبي، ووضع الأمور في سياقها المصلحي الدنيوي الذي لا علاقة له بتاتاً بما أتى به الدين من أخلاقيات وقيم. فالمفارقة أنّ التيارات الدينية التي تتهم الغرب بازدواجية المعايير تمارس تلك الازدواجية بأبشع صورها، حتى تجاه من يشاركونها وجهة الصلاة وصفحات الكتاب «المقدّس».

* من أسرة «الأخبار»