لم تختر مصر أن تصبح لاعباً إقليمياً، وأحياناً دولياً، هكذا خُلقت. لكنّها، مع النظام المخلوع، تحوّلت إلى «مومياء سياسية»، فالكل لعب، بتفاوت، في مضخة دمها. إخوة (قطر، السعودية)، وأصدقاء (الصين والهند)، ومنافسون (تركيا، ايران)، وعدو (إسرائيل)، والغرب مدعوماً بمنظومة «السفاري» الممولة سعودياً لصالح واشنطن.

بداية أيار الماضي، وقبل أن تكتمل ثلاثة أشهر على ثورة «25 يناير»، كانت منظومة الري المصرية «تبدأ تنفيذ» سلسلة مشروعات «خدمية» للأوغنديين. بناء عدّة سدود صغيرة، لتخزين المياه وتوفير الطاقة، وحفر آبار جوفية لمياه شرب مئة قرية. كل ذلك بـ4،5 ملايين دولار. ثمن زهيد جداً لـ«ترسيخ» تأييد كمبالا للقاهرة في صراع حوض النيل، وفي الأفق القريب مشروعات مشتركة تمتد من البحث العلمي لخط سكة حديد يربط القاهرة بكمبالا عبر جوبا/ جنوب السودان. وفي الشهر نفسه، «زُرعت فعلاً» 10 آلاف فدان بالقمح، ضمن مليون وربع مليون فدان سيزرعها سودانيون لحساب شركات مصرية، وفي الأفق مشروع مماثل في كينيا. ومنتصف الشهر الجاري، وفي زيارة تاريخية للقاهرة، نسي رئيس وزراء إثيوبيا ملس زيناوي حديث التحدّي، ولو بالحرب، ومخاوفه المُعلنة رسمياً من تدريبات مُستحدثة لفرق النخبة المصرية على حرب الغابات، متعهداً أنّ سد الألفية لن يقتطع قطرة ماء من حصة مصر، ومشدداً على أنّ «الفلاح المصري والإثيوبي في مركب واحد».
تدريبات حرب الغابات، جزء من تاريخ الجيش المصري، والمنطقي أنّ القاهرة لم تستحدث دراسات مسحت فيها، مثلاً، قرى ومدن أوغندا، خلال شباط وآذار الماضيين، فالرؤى والدراسات جاهزة دائماً، تنتظر القرار السياسي لرأس الدولة، «مهندس الري الأول»، كما اللقب الرسمي للفرعون.
حذرنا المفكر جمال حمدان: «لا وجود لها بدونه، مصر هي النيل». وفي لمحات من مذكراته الخاصة الصادرة عن «عالم الكتب» في نيسان 2010، يشدد صائغ «أفريقيا الجديدة» و«شخصية مصر... دراسة في عبقرية المكان» على أنّ الجغرافيا السياسية لأقدم دول العالم، كما تجلّت في الستينيات «ليست ناصرية بقدر ما هي مصرية، حتى لو انفصلنا عن عبد الناصر، أو رفضناه كشخص أو كإنجاز». فهي سابقة ولاحقة له، لأنّها، وفق تعبيره، «من خلق الجغرافيا الطبيعية»، والتخلي عن ثوابتها يحوّلها إلى «مومياء سياسية»، محذراً من أنّها ستصبح «مقبرة بحجم الدولة» إذا ما فقدت نيلها. استشرف حمدان نتيجة تفكك الدولة الأعرق، فهو دائماً يرى معياراً رئيسياً لـ«حال الدولة»: مستوى منظومة الري، بقاءً وتقدماً وحماية. لم يكن أمام الفراعنة، مع إيمانهم بأنّ نيلهم المقدس ينبع من السماء، خرائط ليقرأوا منها المحيط الحيوي لبقاء ورخاء كيانهم القومي، لكنّها جينات الدولة التي تشربتها أرض أم الدنيا، مع جريان مياه شريان حياتها. وحين يجمع المؤرخون على أنّها وحدها التي ظلت سبعة آلاف عام بحدود جسد واحد ثابت، فالاستثناء هو أن تمد حدودها جنوباً، لتحتضن أراضي من الطين ذاته ضمن دولتها كمصوع، المنفذ البحري الذي كان الأهم لإثيوبيا، أو تضفي عليها بعضاً من اسمها، مثل «مصر العليا»، التي ضمت اليمن والصومال. الثانية هي الآن، بدويلاتها، منفذ كل واردات وصادرات أديس أبابا.
قاعدة مقدسة، هي درع قطرات مياه تروي الحياة، امتدت جيناتها من الفراعنة إلى البطالسة إلى العرب إلى العثمانيين، إلى محمد علي، وتطوّرت في الستينيات لتعم أفريقيا.
تاريخياً، ظلّت القوة على تخوم الملعب، تنزله في الدقيقة الأخيرة إذا تأخر حسم المباراة. فعلتها القاهرة مع الحبشة، وكادت أن تفعلها مع سودان الجنرال عبود، ليظل الاقتصاد هو صانع الألعاب ورأس الحربة معاً، وتصاحبه، كتفاً بكتف، القوة الناعمة بتنوعاتها.
هكذا بنت طيبة ثم الإسكندرية فالفسطاط، وصولاً إلى القاهرة، والموانئ، ونشرت قبساً من مدنيتها بطول البحر الأحمر، لنرى ضمن تراثنا، مثلاً، قصة الأميرة الحبشية «عايدة»، الأوبرا الأشهر عالمياً. وهكذا عرفنا مصر العليا، بلاد بونت الفرعونية. عدوليس البطلسية. زيلع الجبرتة (منها الجبرتي)، سواكن/ مصوع/ هرر/ زيلع.. محمد علي وأبناؤه. ومنذ منتصف الخمسينيات، حتى بداية السبعينيات، تصبح حاضنة/ قاطرة أخطبوطية للقارة، أبرز أدواتها «25» ذراعاً لشركة «النصر للاستيراد والتصدير». أذرع لم تنبت من فراغ. هي تطوير لشبكة اقتصادية هيمنت على شواطئ شرق أفريقيا لآلاف السنين مع توابعها الحضارية والسياسية، أياً كان حاكم وشعار القاهرة. فإضافة إلى الحماية التاريخية لتدفق النهر المقدس، جاءت قناة السويس التي يجب حماية مدخلها الجنوبي. ها هو الخديوي إسماعيل يمد الحدود حتى البحيرات العظمى، ويضم إلى لقبه: حاكم مصوع وسواكن وهرر وزيلع. كلّها موانئ. وتصبح إثيوبيا، منبع 85% من مياه النيل، وسط «حدوة حصان» تتبع مصر رسمياً، مع علاقات ودية، غالباً، مع حكام أديس أبابا بوسائل عدّة، في قلبها «كنيستنا» القبطية. مع التمرد/ الثورة المهدية، تآكلت الحدود الرسمية لتقتصر على مصر والسودان، الذي «صنعه» محمد علي قبلها بسنوات، ودفعنا ما بعده ثمناً للقضاء على المهدي.
بحثت جينات رجل الدولة عن حلول، فكان شريان الاقتصاد. الخديوي عباس حلمي يوجه البنك الأهلي في 1905 بإنشاء بنك الحبشة كنواة لبنكها المركزي، يصك العملة وينظم تداول السندات والمعادن فيها. وحتى بعد تسليمه لحكومتها في 1931، ظلّت الجمعية العمومية له تُعقد في مقر البنك المصري، حتى الستينيات. وطلعت باشا حرب، رجل الدولة، يؤسس فروعاً لبنك مصر في السودان ثم كينيا مع شركات تابعة له.
هي الجغرافيا السياسية تُجدد حلولها، ذروتها منظومة سياسة خارجية غطت القارة السمراء، منذ منتصف الخمسينيات، لتشع بدعوات التحرر الوطني والاقتصادي والثقافي. أسس عبد الناصر مكتباً للشؤون الأفريقية يتبع رئاسة الجمهورية، يقوده الوزير محمد فائق، وشركة النصر للاستيراد والتصدير، يقودها «جوكر» الاستخبارات محمد غانم، لتتغلغل بسلاسة داخل القارة، وتفتتح فروعاً لها في عواصم اختيرت بعناية. أنشأ صندوقاً للإعانات الأفريقية، وإدارة ضخمة لأعالي النيل...
قبل رحيل «المخلوع» بثمانية أشهر، أعلن «المؤتمر الإسلامي» تمويل «خط حديد أفريقيا» بدعم روسي صيني، يمر من أعالي النيل بعرض القارة، منطلقاً من ميناءي بورسودان وجيبوتي إلى إثيوبيا وأوغندا حتى دكار على شاطئ الأطلسي، ليربط اقتصادياً بين 14 دولة، تغيب عنها مصر، لكن حسابات الخط اختلفت بعد عودة القاهرة إلى دورها الإقليمي، لتذكرنا بشبكة اقتصادية كانت تغطي أفريقيا طولاً وعرضاً. فـ«النصر للاستيراد والتصدير، التي بدأت بـ50 ألف دولار و120 خبيراً، كانت ولا تزال تمتلك معارض ومخازن ضخمة في مدن أفريقيا الرئيسية، وفق خريطة مدروسة، تفتح أسواق القارة أمام إنتاجنا، مُخترقة الاحتكار الأوروبي. نواة «النصر» كانت شركتين في غانا في 1957، ثم أوغندا وكينيا. وبحلول 1967، أصبح لها 35 فرعاً خارجياً، 25 منهاً فى أفريقيا. عدد موظفيها وخبرائها أكثر من 3600، تستخدم 13 سفينة شحن، أكثر من نصفها تزيد حمولتها على ستة آلاف طن.
عرفت أسواق أفريقيا منتجات القاهرة: أقمشة وأدوية وأغذية معلبة، أثاث خشبي ومعدني وثلاجات وأجهزة تكييف، دراجات وإطارات وبطاريات سيارات وجرارات زراعية... إلخ، بعضها من خطوط إنتاج تلائم تنوّع أذواق القارة. وكلما تحسن المستوى سعراً وجودة، ازداد إقبال الأفارقة عليها، ومعها عقود لتطهير موانئ ولإنشاء طرق وفنادق ومطارات لا تزال قائمة. ومع كل عشرة ملايين دولار، تُخلق ثلاثة آلاف فرصة عمل، وفرص موازية لآلاف المدرسين والمهندسين والأطباء ومبعوثي الأزهر الذين تطلبهم دول أفريقيا، بعقود مجزية.
ضمن القوى الناعمة، مُؤلفة القلوب، دارت آلة الإنتاج السينمائي في كينيا وأوغندا والسودان. واتحاد كرة القدم القاري تحتضنه القاهرة، وثلاث دول من مؤسِّساته الأربع على مجرى النيل. جامعات مصر تستقبل آلاف الأفارقة، بعضهم أتى من مدارس مصرية في السودان وأوغندا والحبشة، ومؤسسات ثقافية وملاعب ومنشآت في كل القارة، لا يزال بعضها يحمل اسم ناصر، كجامعة غينيا الرئيسية. مدينة البعوث الإسلامية تستقبل عشرات الآلاف، والأزهر يُرسل بعثات ودُعاة إلى دولها. و«كنيستنا» تمد ذراعها الرعوية من الإسكندرية إلى إثيوبيا وإريتريا، بفضل «تناغم» أبو خالد وأبونا كيرلس السادس، رحمهما الله، وتقدست روحيهما. فمن «بابا مصر»، كان إمبراطور أديس أبابا ينال البركة ليحكم.
منظومة متكاملة، يخدمها قرين إعلامي موازٍ، صحافة وتلفزيون «كانا» يهيمنان على المنطقة كلّها، و17 إذاعة موجهة إلى شعوب أفريقيا بـ13 لغة محلية، مع الإنكليزية والفرنسية والعربية، ومعهد للإعلام الأفريقي يربي وزراء وقادة رأي.
حين وصف أنور السادات «أكتوبر» بـ«آخر الحروب»، سأله صحفي غربي: ألن تحاربوا ثانية. رد بعفوية: سأقاتل إذا مُست حقوقنا في النيل. وقتها، كانت أفريقيا معنا ضد إسرائيل، ولم نكن نحتاج إلى تحويل مدافعنا جنوباً. في التوقيت ذاته تقريباً، في 1974، كان الأديب بهاء طاهر يقف أمام دكان بدائي في أحراش كينيا. سأل البائع عمن يعلق صورته، أجابه باستنكار: «ألا تعرفه... ذا فاذر أوف أفريقيا»، بالطبع يعرف بهاء عبد الناصر. كنّا الأب وحاضنة أحلام قارة، فتمر مياهها إلينا بسماحة وتقدير.
لكن سياسات انكماش مصر في واديها الضيق، لأشهر مضت، أوصلها تدريجياً إلى زاوية الحلبة، وظهرها للجفاف. فمع السادات أغلقنا مكتب الشؤون الأفريقية، وعادينا نظام منغستو الإثيوبي، فقط لأنّه «شيوعي». ومع مبارك استغنينا عن مؤسساتنا الثقافية، آخرها فرع جامعة القاهرة في الخرطوم، وصفينا معظم فروع شركة النصر، واختفى خبراء الري من دول الحوض، وقيدنا تأشيرات دخول الأفارقة. وحين تفجرت أزمة تقسيم مياه النيل، كان أعضاء الوفود يُختارون «بالدور من أجل بدل السفر».
تغييب لرؤى مترسخة عبر آلاف السنين. بالطبع، لا يزال لأجهزتنا وجود «مؤسساتي» موروث عن الستينيات، لكنّها كُبّلت. فكان «عار» صفر المونديال، حين تضافر غياب المراحيض عن البنية التحتية مع تغيّبنا عن القارة السوداء. هي أواني تفكك مُستطرقة، تراجع معها دورنا في أفريقيا، واختفت عوائد اقتصادية ومعنوية، تكلفتها أرخص من تكلفة الفوز «الضائع» باستضافة المونديال، أو بمقعد دائم عن أفريقيا في مجلس الأمن، أو لاستعادة هيبة أُهدرت، ومن أي حرب، ومن قطرة دم مصرية تُراق فيها.
شل السادات، ومن بعده مبارك، «أذرع» مصر، لكنّها تتعافى تدريجياً منذ كانون الثاني/ يناير الماضي. العنقاء تجدد جينات دولتها.

* مدير عام تحرير يومية «الحرية» المصرية (قيد الصدور)