لا يمكن القول إن ما تشهده مصر اليوم من صعود في الحركة العمالية، بعد مرور ستة أشهر على الثورة التي أطاحت مبارك، مجرد موجة جديدة من النضال العمالي. فعلى مدار شهر أيلول، وفي أعقاب انتهاء عيد الفطر، كان مجموع العمال الذين دخلوا في إضرابات يفوق النصف مليون عامل، في البريد والتعليم والصحة وشركات السكر وقطاعات النقل والموانئ والمطار، بالإضافة إلى العشرات من شركات القطاع الخاص. قد يكون ذلك أكبر عدد على الإطلاق من العمال، يدخل في إضراب في فترة قصيرة نسبياً، لا تتجاوز الثلاثة أسابيع. لكن الأمر لا يتعلق فقط بضخامة عدد الإضرابات والمضربين التي لا يمكن تجاهلها في كل الأحوال. فأي ملاحظ للحركة العمالية لا يمكن أن يتجاهل التطوّر الملحوظ في مستوى الوعي والتنظيم الذي وصلت إليه الحركة العمالية، وتجسد بوضوح في الإضرابات التي تنتشر في مصر اليوم. فالإضرابات التي نظمها العمال على مدار أيلول لم تكن تلك الإضرابات التقليدية التي يهبّ فيها العمال في رد فعل على الضغط. فأغلب الإضرابات حدد العمال موعدها مسبقاً قبل أسابيع، وأعلنوا المطالب وحددوا مجموعات التفاوض. إذاً، هي ليست مجرد ردود أفعال، بل تحركات على درجة من الوعي والتنظيم، ربما لم تشهدها مصر من قبل، سوى في أربعينيات القرن الماضي. لكن هناك ما هو أبعد من ذلك. فبعض الإضرابات كانت تشهد درجة راقية من التنسيق والربط بين المواقع العمالية، أقواها بالطبع كان إضراب المعلمين الذي شمل أنحاء الجمهورية، وشهد تنسيقاً بين المحافظات والمدن والقرى، واستخدمت فيه كل الوسائل الحديثة لحشد المعلمين وتعبئتهم في الإضراب والاعتصام أمام مجلس الوزراء وفي المحافظات. كذلك كانت درجة التنسيق بين شركات السكر المنتشرة في محافظات عدّة، ويزيد عدد عمالها على عشرة آلاف عامل وبناء لجنة موحدة لقيادة الإضراب. الأمر نفسه تكرر في النقل العام والبريد وقطاع الصحة، وغيرها من الإضرابات التي كان تطوّر التنظيم والتنسيق بين المواقع المختلفة أحد ملامحها الأساسية. ليس الإعداد المسبق والتنسيق بين المواقع فقط ما يدلان على درجة تنظيم الحركة العمالية ووعيها، بل المطالب نفسها التي رفعها العمال، التي تطوّرت بنحو ملحوظ. تطوّر المطالب تمثل في إضافة الجانب السياسي إليها، عبر تطهير المضربين في مواقع مختلفة المؤسسات من فلول النظام ومحاسبة الفاسدين وتطوير المؤسسات نفسها وتحسين أدائها. نعم، ذلك يعد بالفعل تطوّراً هاماً في الحركة العمالية بدأ قبل الثورة، وإن على نطاق ضيّق. لكن المطالب الاقتصادية نفسها تطوّرت بنحو ملحوظ، فلم تعد منصبّة على مطلب الدفعة الواحدة الذي كان سائداً في الحركة العمالية لفترة طويلة، أو تقديم مسكن مؤقت لأوضاع العمال. لقد أصبحت مطالب مثل رفع الحد الأدنى للأجور وخفض الحد الأقصى للأجور واسترداد الشركات المخصخصة وربط الأجور بالأسعار، مطالب رئيسية ومتكررة لأغلب الاحتجاجات العمالية. مطالب كتلك لا تعني في واقع الأمر سوى تغيير جذري في السياسات الاقتصادية للحكومة. وذلك هو التغيّر الأهم الذي يعني أنّ النضال العمالي لم يعد مؤثراً فقط على دخول العمال وظروف العمل، بل على النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تتمسك به الدولة بعد الثورة. ذلك الجانب بالضبط هو ما يعطي الحركة العمالية، حالياً، طابعها المستمر والممتد. فالحكومة، التي تؤكد طوال الوقت، تمسكها بسياسات السوق لن تتمكن أبداً من تحقيق مطالب العمال التي تتناقض بشدّة مع تلك السياسات. ومع ذلك، تجبر صلابة الإضرابات العمالية الحكومة ورجال الأعمال على الجلوس إلى مائدة التفاوض مع العمال وممثليهم وتقديم التنازلات، وهو ما يؤدي بالتالي إلى المزيد من اتساع الحركة.

الملاحظة الجديرة بالاهتمام أنّ أقوى صعود للحركة العمالية جاء مباشرة عقب قرار تفعيل الطوارئ، وتفعيل قانون حظر الإضرابات الذي أعقب أحداث جمعة التاسع من أيلول. استطاعت الحركة العمالية بالفعل تعطيل الطوارئ وقانون حظر الإضراب. إنّ تطوّر الحركة العمالية على مستوى الوعي والتنظيم وصلابة الإضرابات وطبيعة المطالب تجعل السؤال عن الخطوات التالية للحركة العمالية أكثر من ملحّة. تنامي التنسيق بين المواقع العمالية المختلفة، وبداية انتقال التنسيق ليصبح بين قطاعات مختلفة مثل الموانئ والنقل البري والنقل الجوي، وبين المعلمين والأطباء وغير ذلك، يجعل السؤال عن احتمال وإمكانية تحوّل الإضرابات العمالية المنتشرة إلى إضراب عام. ليس ذلك بالسؤال السهل بالمرة، فعوامل انطلاق إضراب عام في مصر تبدو متوفرة للغاية. طبقة عاملة تخوض معارك يومية منذ أكثر من خمس سنوات بلا انقطاع، ومواقع أصبحت نشطة جداً على مستوى الحركة باستمرار، وظهور نقابات مستقلة في العديد من القطاعات العمالية، وتصديها لقيادة الإضرابات، ومطالب ملحة لدى القطاعات الأوسع من العمال، وحكومة تبدو بإصرارها على سياسات السوق عاجزة عن تلبية تلك المطالب، وأخيراً، ظهور نيّة للتنسيق بين المواقع والقطاعات العمالية المختلفة. كل تلك العوامل وغيرها، تجعل فكرة الإضراب العام مطروحة بقوة في هذه الفترة، خصوصاً إذا أضفنا إلى تلك العوامل أنّ القطاعات العمالية النشطة في الاحتجاجات هي نفسها قطاعات مركزية جداً في الحركة، ومؤثرة بقوة في الحياة اليومية مثل قطاعات النقل البري والجوي والبحري والتعليم والصحة والخدمات وصناعة السكر والنسيج والسياحة. قطاعات مؤثرة جداً في الاقتصاد والحياة اليومية وكثيفة في العمالة. ومع ذلك فإنّ تنظيم إضراب عام على نطاق واسع وبتأثير قوي أمر يحتاج إلى مستوى من التنظيم ربما لم يتوفر من قبل في أوساط الحركة العمالية المصرية.
لقد شهدت الحركة العمالية المصرية أشكالاً تنظيمية متنوعة في المواقع المختلفة، كان أكثرها تقدماً النقابات المستقلة، لكن وجود تنظيم عمالي على المستوى القومي متماسك وقوي، قد يحتاج للمزيد من الوقت والمعارك أيضاً. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أنّ الحركة العمالية قد استطاعت تجاوز تحقيق مفاجآت كثيرة من قبل، كان أهمها بناء النقابات المستقلة في 2008، عندما رأى الكثيرون، حتى من المتعاطفين معها، أنّ ذلك درب من المغامرة ستكون عواقبه وخيمة. وقد تكون المفاجأة التالية التحام المواقع والقطاعات العمالية المختلفة وترابطها، ووضع مطالب موحّدة وكليّة من قبيل التأميم ووقف سياسات السوق، أو مطالب أخرى شبيهة بها، تعبّر عن حلول جذرية لأوضاع العمال والكادحين، وتوقف صراع اقتسام غنائم الثورة التي يتسابق عليها الكثير من القوى السياسية ونخبها.
لا تطرح قضية الإضراب العام نفسها في مصر فقط كإمكانية وسط صعود الحركة العمالية وتطوّرها، بل أيضاً كضرورة أمام الاتجاه القوي لاختصار الثورة المصرية في مجموعة من الإصلاحات الديموقراطية التي يمكن أن تكون أصلاً مؤقتة. فكل ما يجري ويخطط له من تغيّر في مصر، لا يقترب بأي درجة من النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تم بناؤه وترسيخه في عهد مبارك. لقد تدخلت الحركة العمالية المصرية بحسم في الأسبوع الأخير قبل إطاحة مبارك، وحسمت الثورة عبر عاصفة إضرابات في كل أنحاء مصر. التدخل الذي كان مشابهاً، مع الفارق مع ما جرى في الثورة التونسية. وهو ما غاب عن المشهد الثوري في سوريا واليمن وليبيا والبحرين، وجعل مستقبل الثورات هناك أكثر غموضاً. وما تحتاج إليه الثورة المصرية اليوم هو المزيد من التدخل من جانب الطبقة العاملة. تدخّل يدفع الثورة إلى مسار أكثر جذرية. فالإضراب لن يعني حال حدوثه تحقيق مطالب للعمال، لكنّه سيكون بداية الثورة الاجتماعية التي تقودها الطبقة العاملة متحالفة مع الطبقات الكادحة والمهمشة في الريف والحضر.

* صحافي مصري