بدأت الانتفاضة السورية بنحو فاجأ كثيراً من السياسيين والمثقفين والتيارات المعارضة، ولم تكن المفاجأة في توقيت الثورة فحسب، بل في امتدادها واشتعالها ومناداتها المباغتة بإسقاط النظام. حين خرجت أول تظاهرة في الخامس عشر من آذار، لم تكن غايتها سوى مطالب محددة، كالإفراج عن المعتقلين وإلغاء المادة الثامنة من الدستور ومعالجة الفساد، إلا أنّ الاحتجاجات ما لبثت أن اشتعلت، بنحو غير متوقع، مع ازدياد تعسف النظام وبطشه الشديد بالمتظاهرين، مما جعله المحرك الأول للانتفاضة. وهنا يلحّ علينا سؤال حول خصوصية الانتفاضة السوريّة التي لم تشعلها النخبة ولا الطبقة السياسية والمثقفة، بل أشعلتها الطبقة الفقيرة والمسحوقة في المجتمع، بدوافع كثيرة أهمها الفقر وفقدان الكرامة والثقة بوعود الإصلاح، واستفزازها من قبل الأمن بالاعتقال والقتل، مع حماستها وثقتها بإمكانية سقوط النظام، بعد نجاح تجربتي مصر وتونس.

في مصر، كانت العديد من وسائل الإعلام، كما المؤسسات، مفصولة عن النظام الأمني ولا تعمل تحت إمرته، وكانت أحزاب قد تشكلت بعد مراحل من المخاض حتى انبثق عنها نوع من الحياة السياسية. كل ذلك حدث قبل أن تتفجر الثورة، فوجد شباب «25 يناير» بيئة مناسبة لنجاحها. أما في تونس، فقد انفصل الجيش عن النظام، بعد أيام من الثورة، لتقف أجهزة الأمن مرتبكة أمام ما يحصل، ثم ما لبثت أن انحلت، وفر الرئيس إلى غير رجعة. لكن النموذجين التونسي والمصري لا يتوفران في سوريا، فالنظام يسيطر على جميع قطاعات الدولة، بما فيها الجيش، إضافة إلى أنّ الانتفاضة السورية ارتفع سقف مطالبها تدريجياً، ليس من قبل النخبة السياسية والثقافية، بل من قبل الشريحة المسحوقة، لتلتحق النخبة التي كانت ولا تزال متأخرة عن جماهيرها، بركب هذه الجماهير وتتبنى مطالبها، مع العلم أنّ أغلبها لا يلقى صدى في الشارع السوري. نضيف إلى ذلك أنّ تلك النخبة، كما الشعب، خارجة من أربعين عاماً من تفريغ الحياة السياسية والمؤسساتية، وتقسيم المجتمع إلى طوائف، وطبقتين: المُستغِلّة والمُستَغَلّة، مع اختفاء الطبقة الوسطى تدريجياً. أسهم كل ذلك في إطالة عمر الانتفاضة، قبل أن تحقق هدفها الأول وهو إسقاط النظام، وخلق خصوصية للانتفاضة الشعبية. خصوصية تسمح لكثير من الأنظمة والتيارات المتشددة باستغلال الانتفاضة لصالحها. لذلك، ومع استمرار الانتفاضة، وتتابع الشهور، بدأت تظهر العديد من التصرفات التي ليست من مصلحة الشارع، في بعض المناطق، مثل الشعارات الطائفية وتراشق الاتهامات بين التيارات السياسية، وتشتت التنسيقيات، وانقسام الشارع بين مؤيد للتدخل العسكري ورافض له.
لا شك في أنّ الشعب الذي عانى لعقود من الاضطهاد والفقر والتهميش وبث الفرقة بين أبنائه، لن يقدم انتفاضة مقدسة خالية من الأخطاء. فالانتفاضة ليست أجندة أو برنامج عمل ينفّذ، بل تتشابك فيها تيارات وجماعات وأديان وأعراق، لكل منها رأيه ومنهجه، إلا أنّها متفقة في الهدف. لذلك، فإنّ أخطاء الانتفاضة لا تلغيها، بل إنّ أية تحرك يحدث فيه تلك الأخطاء. وإذا كان الحراك المصري المؤهل للعمل السياسي أكثر من حراك الشارع السوري، قد شهد العديد من التصرفات غير الملائمة للسلمية، مثل حرق مقار الأمن ومهاجمة الشرطة بالحجارة والمولوتوف واستخدام الشتائم، مع أنّ ما قام به النظام في مصر لا يقارن بما يقوم به النظام في سوريا من بطش، فكيف بالشارع السوري؟
يقول البعض إنّ الآن ليس وقت معالجة الأخطاء التي تظهر في الشارع، بين الآونة والأخرى، لكي لا نشتت الانتفاضة عن هدفها الأول. لكن الخطأ الذي يظهر سيستفحل في المستقبل، وتظهر انعكاساته بعد سقوط النظام. ومن المعلوم أنّ مرحلة بناء الدولة المدنية أصعب بكثير من إسقاط نظام الاستبداد بسبب ما يخلفه ذلك لنظام من تبعات اجتماعية واقتصادية وسياسية، فكيف سيكون الأمر لو خرج الشارع منهكاً ومشتتاً، ويعاني من الاحتقان الطائفي والزعامات والعنتريات التي يحاول كل منها جره إلى صفه بالعنف؟ وبماذا سيختلف الوضع في حينه عن وضع سوريا في ظل نظام الاستبداد؟
بدءاً بأسماء بعض الجُمع التي أخذت طابعاً حركياً أو عاطفياً، وانتهاءّ بالعمل اللوجستي والإعلامي، تفتقر الانتفاضة السوريّة إلى الحنكة السياسية. لا يعني ذلك أنّه يجب إلغاؤها، لكن لا بد من أن تتشكل تحالفات بين جميع التنسيقيات والتيارات التقليدية، وهو ما ظهرت ملامحه في المجلس الوطني، وإعلان دمشق اللذين بدأا بتوحيد صفوف المعارضة. ويتحتم الاستمرار بذلك النهج حتى نصل إلى جبهة سياسية تضع نظام الاستبداد في خانة اليد، وتجبره على الاستغناء عن الحل الأمني والانتقال السلمي إلى الدولة المدنية المنشودة.

* كاتب سوري