إن كانت التقارير تتكاثر، في الصحافة العالمية، عن تأثير انخفاض أسعار النفط على المالية السعودية، ودخول موازنتها في عجزٍ باهظ، مع توقعات بأن يستمرّ عهد النفط الرخيص لسنوات قادمة، فماذا بشأن روسيا وإيران؟ هما أيضاً دولتان مصدرتان للنفط، تعتمدان عليه بشكلٍ أساسي لتمويل إنفاقيهما الحكومي، وهما تمتلكان احتياطات مالية وأرصدة تقلّ بكثير عن حجم الفوائض المالية السعودية.


في روسيا، وهي ليست موضوعنا اليوم، يجري التفاوض على سبل التعامل مع الأزمة عبر الجدالات السياسية والاقتصادية التي تحيط برسم موازنات السنوات القادمة. والخطط تتراوح بين إجراء تخفيضاتٍ كبيرة على الموازنة في السنتين المقبلتين، مقابل الحفاظ على الاحتياطات المالية واستخدامها في ما بعد، وبين تجنّب الاقتطاع من الموازنة في السنة الأولى، واللجوء الى الفوائض المالية لتغطية العجز، وترك مهمة «الترشيق» للسنوات القادمة. وبين توزيع الاقتطاعات ــ وأرصدة الصندوق السيادي ــ بالتساوي على السنوات الثلاث القادمة.
أمّا في حالة إيران، فإن المقارنة مع السعودية لا تجوز لأسباب عدّة، منها أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يمثّل النفط 50 الى 60 في المئة من عائدات الحكومة (كما هي الحال في إيران) وبين أن تعتمد عليه الموازنة كمصدرٍ وحيد يشكّل أكثر من تسعين في المئة من عائداتها (كما في السعودية وفنزويلا والعراق). ولكن أكثر المراقبين الذين يتابعون الاقتصاد الإيراني عبر أدبيات صناعة الطاقة والتقارير الصحافية، ينطلقون من افتراضات خاطئة ــ أصلاً ــ عن العلاقة بين النفط والاقتصاد الإيراني، ودور الصادرات البترولية فيه.
في أكثر الكتب الجدية عن اقتصاد إيران، يبدأ الاقتصاديون حديثهم عن النفط، كما فعل جواد صالحي ــ أصفهاني في نصٍّ عن النفط والتنمية، بالتحذير من «خرافة النفط». «الخرافة» هذه تتلخّص بالمبالغة في تقدير الأهمية (القائمة والمحتملة) لمداخيل النفط في الاقتصاد الإيراني. حتى على المستوى الشعبي الداخلي، يقول صالحي ــ أصفهاني، يتوهم الكثير من المواطنين أنّ إيران، باعتبارها «دولة نفطية»، كالسعودية أو الامارات، فهي «ثرية» مثلهما، وأن من المفترض أن يؤمن تصدير النفط مستوى الرخاء والاستهلاك نفسه الذي يرونه في الخليج. وإذا ما وجد المواطن فقراً وحرماناً وانعداماً للمساواة في بلده، فهو يفترض أن ذلك سببه سوء استخدام الثروة، أو هدرها عبر الفساد وغيره.
في الحقيقة، يوضح صالحي ــ أصفهاني أن العائدات النفطية الإيرانية، في العقود التي تلت الثورة، لو جرى توزيعها على السكان، لما زادت حصة الواحد منهم على 500 دولار سنوياً (وفي الكثير من السنوات، أقل من 300 دولار، مقارنة بأكثر من 10 آلاف دولار للفرد السعودي) لا تكفي لتحقيق «الرخاء» والتنمية؛ بل إنّ هذه العائدات لو ذهبت كلها للاستثمار ولم يحوّل قرشٌ واحد منها للاستهلاك ودفع الرواتب، فهي لا تكفي حتى لتوليد كمّ الوظائف التي يحتاج إليها المجتمع الإيراني سنوياً.
طوال سنوات التسعينيات، كان دخل تصدير النفط في إيران لا يزيد على عشرين مليار دولار سنوياً، وحين ارتفعت الأسعار وبدأ البلد بالاستفادة من الطفرة، نزلت عليه العقوبات المالية والأوروبية، منذ عام 2011، لتخفض صادراته الى النصف. بمعنى آخر، فإن إيران لم «تعتد» عائدات النفط المرتفعة التي استفادت منها الدول المصدرة في السنوات الأخيرة (عام 2009، كان متوسط سعر البرميل 55 دولاراً، أي كاليوم، وعام 2010 ــ آخر سنة صدّرت إيران فيها إنتاجها بـ«حرية» ــ كان المتوسط 75 دولاراً، وكانت الحكومة تحقق فوائض في ميزانيتها). بل يمكن القول إن الثروة الغازية، التي لم تحقّق عوائد تصدير كبيرة ولكنها أمّنت طاقة رخيصة للبلد واستبدلت جزءاً مهماً من استهلاك الوقود فيه وحفّزت صناعات محلية وتصديرية رابحة كالبتروكيمياويات والصلب، كانت أكثر أهمية للاقتصاد الإيراني وحيويته من المورد النفطي خلال العشرية الأخيرة.
أنت، كدولة عالم ثالثية غير صناعية، تحتاج إلى العملة الصعبة التي يؤمنها النفط لسببين أساسيين: تغطية كلفة الاستيراد، وتمويل عمل الحكومة وخططها. في إيران، على الرغم من ارتفاع أسعار النفط، فإن مجمل استيراد البلد (بسبب مزيج من العقوبات والاكتفاء الذاتي) يتراوح بين ستين وسبعين مليار دولار منذ سنوات، فيما تضاعف في السعودية، وسكانها أقل من ثلث سكان إيران، الى أكثر من 180 مليار دولار. منذ عام 2013، حذّر باتريك كلاوسون، مدير مركز واشنطن ــ الصهيوني ــ لدراسات الشرق الأدنى، من أن العقوبات النفطية على إيران لن تحقق الأثر «المرتجى» منها، لأنّ الصادرات غير النفطية، وحدها، صارت قادرة على تغطية قسمٍ مهم من فاتورة الاستيراد، وهي في ارتفاع، لأن المجتمع الإيراني، ببساطة، ينتج جزءاً كبيراً من حاجياته.
حتى نفهم الفرق بين حالتي إيران والسعودية، يكفي أن ننظر الى أرقام الموازنة: قدّم روحاني، لعام 2014 ــ 2015، موازنة تشغيلية حجمها 88 مليار دولار، وأكثر بكثير للسنة القادمة (ثلث الموازنة، تقريباً، يأتي من عائدات النفط، وثلث من الضرائب، والباقي من عائدات بيع شركات وأسهم تملكها الحكومة). أما في السعودية، فالميزانية ــ التي تعتمد بشكل كلي على النفط ــ قد بلغت ثلاثة أضعاف هذا الرقم، مع عجزٍ متوقع يفوق 140 مليار دولار!
الكثير من المنشورات الاقتصادية ــ وخاصة في الغرب ــ عن دولٍ كإيران وروسيا يتأثر بالظروف السياسية، ويخلط بين التحليل والدعاية. كالكلام عن انهيار الانتاج النفطي الإيراني «قريباً» بسبب سوء الادارة وقلة الاستثمار (وهي تحليلات تتكرر، بالحرف، منذ أكثر من عشرين سنة)، وصولاً الى الجداول التي تنتشر في الصحافة الغربية ــ منذ عام 2008 ــ عن «حاجة» روسيا وإيران وغيرهما الى سعرٍ معيّن للنفط بغية موازنة نفقاتها ــ وهي طريقة تبسيطية، مخلّة، لفهم الاقتصاد والميزانية وكيفية عملهما. هذه النظرة التسطيحية هي التي تمنع بعض المراقبين من التفريق بين اقتصادات معقّدة، تملك الحكومة فيها وسائل لمداراة تغير الأسعار، وخفض الميزانية، والتحكم في الانفاق الاجتماعي، وبين دولٍ، كالسعودية، يتحكم فيها الريع ولا تتحكم فيه. المسألة ليست في سعر النفط، بل هي في طبيعة الاقتصاد، وبنية الانتاج، ونمط حياة المجتمع.