العنف الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني حالياً ضدّ المؤسسات الأمنية التركية له ما يبرّره من الناحية السياسية، فهو لا يستقي «شرعيته» من المظلومية التاريخية فحسب، بل أيضاً من فشل التعويل على التسوية التي قادها حزب العدالة والتنمية، والتي كان الحزب الكردي يعوّل عليها بالفعل، قبل أن يتبيّن له أنها لا تختلف كثيراً عن النهج التقليدي الذي تتبعه الحكومات التركية المتعاقبة في مواجهتها لحزب العمّال.


الغاية من «السياسة الجديدة» كما تبيّن أخيراً كان الاحتواء فحسب وعدم السماح لحزب العمّال بالتحوّل إلى قوة سياسية يُحسَب لها حساب في الداخل التركي، بدليل إفشال كلّ التجارب الحزبية التي استلهمت مبادئ الحزب (المجتمع الديمقراطي، السلام والديمقراطية... الخ) ومنعها من الوصول إلى البرلمان بحجّة عدم عبورها حاجز العشرة في المئة. وهي النسبة التي وضعتها السلطة خصّيصاً لمنع التعددية الحزبية الفعلية وإبقاء الأحزاب التي تمتلك قاعدة شعبية فعلية خارج نطاق التمثيل السياسي داخل المؤسّسات. وحين تَحقَّقَ الخرق ووصل حزب الشعوب الديمقراطي إلى البرلمان بعد اجتيازه للحاجز المذكور بدأت السلطة التي يقودها العدالة والتنمية بالتراجع عن تعهّداتها، متذرّعة بالخطر الذي أصبح يشكّله نشاط حزب العمال الأخير على «أمنها القومي». هنا عادت السلطة إلى المدار الفعلي لسياستها تجاه القضية الكردية وبدأت تزاود حتى على الأحزاب القومية التي قادت في الثمانينيات من القرن الماضي حرب الدولة ومؤسّساتها ضدّ الأكراد و»أحزابهم» وحواضنهم الاجتماعية العريضة. والحال أنّ الحسابات الانتخابية للعدالة والتنمية ليست السبب الوحيد في هذه «الانعطافة»، فبالإضافة إليها توجد أسباب أخرى كثيرة، وهذه الأسباب تتعلّق أساساً بعدم قدرة الطبقة السياسية الحاكمة في تركيا (بأجنحتها الموالية والمعارضة) على حلّ المسألة الكردية سياسياً، وفي حال كانت راغبة في ذلك كما هي وضعية العدالة والتنمية قبل الأحداث الأخيرة فإن رغبتها ستصطدم في النهاية بالأفق الذي حدّدته الدولة التركية للأكراد وأحزابهم وتعبيراتهم الاجتماعية: ملفّ أمني تمكن مقاربته سياسياً وقت الحاجة، وهو بالضبط ما تعبّر عنه سياسة أردوغان المستجدّة تجاه الأكراد.

الانقلاب على سياسة المصالحة

في هذه الحالة فإنّ دورة العنف التي بدأت في الثمانينيات من القرن الماضي ردّاً على تجاهل الدولة لحقوق الأكراد وإمعانها في تحطيم بيئاتهم الاجتماعية ستعود من جديد، ولكن هذه المرّة في سياق مختلف وفي مواجهة سلطة أتت كتعبير عن الانسداد الذي واجهته الدولة التركية حين قرّرت تصفية القضية الكردية بالوسائل العسكرية. حينها كان حزب العدالة والتنمية يحاول توسيع إطار المشاركة السياسية لكي يكتسب مزيداً من الشرعية تجاه ناخبيه والداخل التركي عموماً، فإلى جانب اهتمامه بكفّ يد الجيش وباقي مؤسّسات «الدولة العميقة» (القضاء، الإعلام... الخ) عن التدخّل في العملية السياسية كان يولي أيضاً اهتماماً خاصاً بالقضية الكردية على اعتبار أنها القضية التي أعاقت تطوير المجال السياسي في تركيا وحرمت البلاد من حالة الاستقرار الأمني التي يحتاجها أيّ نظام سياسي لتجديد حيويته وتحقيق التراكم المطلوب منه على المستويات كافّة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في هذه المرحلة كانت حاجة أردوغان إلى «الناخب الكردي» تفوق أيّ حاجة أخرى، وكان تركيزه منصباً على كيفية توفير الظروف التي تتيح لهذا الناخب التعبير عن رأيه من دون الحاجة إلى المرور بمؤسّسات الدولة التي تعاديه وترفض الاعتراف بوجوده السياسي.


من المرجّح أن تحمل
الأيام والأسابيع المقبلة
معها كثيراً من الدماء

ومن هنا أتى «التصويت الكردي» المتكرّر لحزب العدالة والتنمية على مدى ثلاث دورات انتخابية، فهذا الحزب كان يخوض حينها صراعا مستميتاً مع مؤسّسات الدولة للاعتراف بحقوق الأكراد السياسية بغية الاستفادة (وهذه حال كلّ السياسات الذرائعية) من قاعدتهم الشعبية في توسيع تمثيله السياسي الذي كان لا يزال وقتها مقتصراً على الإسلاميين وبعض الليبراليين المؤيدين لتوجهات العدالة والتنمية الاقتصادية. وفي الأثناء كانت الأحزاب الجديدة التي تتشكّل تباعاً للتعبير عن «الهويّة الكردية» تواجه صعوبات كبيرة في أخذ التراخيص اللازمة لمزاولة عملها، وما أن يحصل ذلك وتبدأ عملية تأطير الحزب شعبياً وسياسياً حتى يصدر قرار عن المحكمة الدستورية العليا بحلّ الحزب أو حظر نشاطه. حدث ذلك أكثر من مرّة في السنوات التي شهدت صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، ورغم انه لا يتحمل كحزب حاكم مسؤولية هذه القرارات بحكم طبيعة النظام السياسي التركي الذي ينصّ دستوره على الفصل بين السلطات وعدم إمكان تدخّل سلطة في عمل سلطة أخرى إلا انه كان مستفيداً من الأمر، على اعتبار أن الأصوات التي كانت ستذهب إلى الحزب الكردي الجديد ستؤول بطبيعة الحال إليه، كونه الحزب «الأقرب إلى الحالة الكردية» والأكثر استماتةً في الدفاع عن حقوقها لأسبابه الخاصة طبعاً. قيادته لعملية المصالحة مع حزب العمال وغضّه الطرف عن النشاطات التنظيمية للأحزاب الكردية الجديدة المرتبطة بالحزب الكردي الأم كانا تأكيداً على استمراره في الانفتاح على البيئة التي همّشتها السلطات التركية المتعاقبة قبله، وهو ما كان يسمح له بتوسيع هامش حركته في مواجهة الاعتراضات التي كانت تواجهه من الأحزاب الرافضة لعملية المصالحة مع الأكراد وإدماجهم في العملية السياسية. كلّ ذلك قاده إلى الاعتراف من موقعه كسلطة سياسية بأول حزب سياسي يمثّل الحالة الشعبية الكردية عام 2010 وهو حزب الشعوب الديمقراطي بقيادة صلاح الدين ديميرتاش وفيجين يوكسك داغ. لم يكن سهلاً على أيّ سلطة قبله أن تفعل ذلك، وهو حين فعلها كان يعرف أنه سيواجه اعتراضات من داخل الطبقة السياسية ومن خارجها، ولكنه بدا مصمماً على تشريع النشاط السياسي للأكراد بغرض إحداث نقلة نوعية في العملية السياسية. هذه النقلة تزامنت «لسوء حظّه» مع التطورات الإقليمية التي شارك بقوة في صياغتها عبر دعم التنظيمات «الوهابية» التي تحارب الجيش السوري، وكانت أوّل انعكاساتها تغيير الواقع السياسي والجغرافي القريب من حدود تركيا بحيث أصبحت اليد العليا هناك لحزب الاتحاد الديمقراطي السوري القريب تنظيمياً وفكرياً وسياسياً من حزبي العمال الكردستاني والشعوب الديمقراطي. هنا حدث التحوّل الحقيقي في سياسات العدالة والتنمية، حيث بدأت تتراجع قدرته على التوفيق بين السياستين الداخلية والخارجية، ولم يعد قادراً بفعل هذا التراجع على فصل المسارات المختلفة وتجييرها لصالح توسيع نطاق حكمه وسيطرته على المشهد السياسي التركي. المعركة في سوريا تحديداً أثّرت بشكل كبير على شرعيته السياسية في الداخل، وقادته إلى افتعال خصومات مع أطراف كان يمكن لها أن توفّر له مزيداً من الشرعية السياسية التي يحتاجها في المرحلة المقبلة. سياسته الحمقاء الداعمة لداعش في معركة كوباني - عين العرب أثارت غضب الأكراد وذكّرتهم بأن المرجعية التي تحتكم إليها الدولة التركية في التعامل معهم هي دائماً مرجعة أمنية، فحين تجد هذه الأخيرة نفسها مهدّدة أو على شفا انفجار أمني أو سياسي تلقي باللوم دائماً على الأكراد ولا تحاول تبيّن الطبيعة الفعلية للمشكلة، والتي هي باستمرار نتاج السياسات الخاطئة والرعناء للحكومات التركية المتعاقبة منذ تورغوت اوزال مروراً بمسعود يلماظ وتانسو تشيلر ووصولاً إلى رجب طيب أردوغان وأحمد داوود أوغلو.

مشروعية العنف المضاد

في مواجهة دولة كهذه يصبح العنف هو الملاذ الطبيعي، وإن لم يكن حلاً على المدى البعيد. وهو عنف لا يقتصر على الأكراد وحدهم فالدولة في هذه المرحلة استعادت كلّ خصوماتها السابقة مع الأجنحة الراديكالية الرافضة لسياستها الخارجية وهيمنتها على المجال العام، ومن أبرز هذه الأجنحة التنظيمات الشيوعية الثورية التي لم تدخل في مساومات مع السلطة كما فعل الأكراد وبقيت دائماً على مسافة من خططها لاحتواء المعارضة وإدماجها في العملية السياسية. ستبدو السلطة هنا عاجزة بكلّ معنى الكلمة، فهي لن تستطيع خوض الحرب ضدّ الأكراد والشيوعيين الثوريين إلى ما لا نهاية، وفي الوقت نفسه تفتقد القدرة على المساومة والتفاوض بعدما فرّطت بفاعليتها السياسية تجاه الأكراد وتحوّلت إلى طرف أساسي في مواجهتهم. لن يستطيع أردوغان هذه المرّة استعادة المبادرة وسيخسر المزيد من القواعد الشعبية حتى لو استطاع التعويض عن بعضها بأصوات القوميين المعادين للأكراد والحركات اليسارية. حساباته الانتخابية هنا تبدو هزيلة جداً قياساً إلى حجم الخسارة التي تلقّاها حين قرّر التخلي عن توسيع الهامش السياسي الخاصّ بسلطته، وهو بذلك لم يفقد فاعليته السياسية تجاه البيئات المهمّشة فحسب بل أيضاً قدرته على حلّ المعضلة الأساسية التي عطّلت ولا تزال العملية السياسية في تركيا محولةً إياها إلى حالة شبه صُوَرية. بهذا المعنى فإنّ نزع الشرعية عن التمثيل السياسي للحالة الشعبية الكردية يعني أنّ هنالك شكلاً آخر من التمثيل سيجد طريقه إلى الساحة، وهذا الشكل لن يكون قادراً في مرحلة بطش الدولة به على استعمال الأدوات التي يتيحها له التمثيل السياسي السلمي. اللجوء إلى الشارع هنا سيكون هو البديل، وسيأخذ أشكالاً مختلفة منها ما هو سلمي ومنها ما هو عنفي أيضاً. حالياً تشهد الساحة التركية الشكلين معاً، فمن ناحية تعمّ الاحتجاجات المناهضة لعنف الدولة ضدّ معارضيها السياسيين الكرد والشيوعيين «المناطق كافة»، ومن ناحية أخرى تتعرّض قوى الأمن التركية المولجة بقمع المعارضة السياسية واعتقالها إلى عمليات اغتيال عديدة، وهذا أمر له ما يبرّره من الناحية السياسية، ولا يمكن وضعه في خانة العنف ضدّ الشعب التركي ومؤسّساته كما تفعل السلطة عبر أبواقها الإعلامية. يجب تذكير هؤلاء بقاعدة أساسية في الصراع السياسي تقول بأن المبادر إلى العنف غالباً ما يكون المحتكر لأدواته، ولذلك يَسهُل عليه زجّ المجتمع في الصراع ونقل المشكلة التي تعاني منها سلطته إليه. وإذا تطوّر الصراع وأخذ المجتمع يدافع عن نفسه بالسبل المتاحة كافة فهذا لا يعني أنه المبادر إلى العنف، تماماً كما لا يعني أن السلطة هي التي تدافع عن نفسها. فما يحصل هو العكس تماماً، إذ إنّ السلطة هنا هي التي بادرت إلى العنف بعدما «أنهت التمثيل السياسي للأكراد» وأخذت بملاحقة ممثّليهم الشرعيين داخل البرلمان قضائياً (صلاح الدين ديميرتاش وفيغين يوكسك داغ)، وحين اعترضوا وبدأوا بالتظاهر ضدّ هذه الملاحقات على إثر تفجير سوروج صعّدت من خطواتها أكثر، وبدأت تداهم بيوتهم وأماكن عملهم وتعتقل العشرات من ناشطيهم المنتمين إلى أحزاب مختلفة، وليس فقط إلى حزبي العمال الكردستاني والشعوب الديمقراطي. وهي أيضاً من يتحمّل المسؤولية عن زجّ الجيش والقوى الأمنية في حربها ضدّ هذا الجزء من الشعب التركي، وبالتالي عندما تتعرّض هذه القوّات لرصاص ومتفجّرات حزب العمال الكردستاني تكون هي المسؤولة عن وقوع ضحايا من الطرفين. ومسؤوليتها هنا سياسية لا أمنية لأنها لم تستطع أن تحمي المجتمع من تبعات تفريطها بالحلّ السياسي، وفضّلت زجّه في المعمعة عبر استخدام أدوات العنف التي تحتكر الدولة استخدامها.

خاتمة

بهذه الطريقة تكون السلطة قد تسبّبت في انقسام عمودي داخل المجتمع مانعةً إياه من المضي قدماً في عملية المصالحة التي كانت ستحفظ حقوق جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية، بما في ذلك الحزب الحاكم نفسه. في الوقت الحالي يتسيّد العنف المشهد دافعاً بالحلّ السياسي الذي حاربت من أجله سلطة العدالة والتنمية بعيداً، وعليه يصبح من المستحيل توقّع انتهاء دورته في المدى المنظور. وعلى الأرجح أن تحمل الأيام والأسابيع المقبلة معها كثيراً من الدماء، حيث سينفرط العقد الاجتماعي في تركيا أكثر فأكثر، ولن تستطيع سلطة العدالة والتنمية مهما فعلت أن توقف هذا الانحدار نحو الهاوية. حتى الانتخابات المبكّرة التي أُعلن اللجوء إليها كوسيلة لتفادي الاستعصاء السياسي الراهن لن توقف نهر الدماء، لا بل ستزيد الانقسام داخل المجتمع أكثر، على اعتبار أنها أتت مسبوقة باستثناء التعبيرات السياسية الكردية واليسارية من حقّ التمثيل السياسي. هذا سيزيد من مأزق السلطة بدل أن يحلّه ولن يخرجها كذلك من هاجس انعدام الشرعية، وإذا أضفنا إلى هذا المأزق استشراء العنف السياسي داخل المجتمع واعتماده من جانب المعارضة الراديكالية كتكتيك لحماية نفسها من البطش الدولتي فسنصل إلى نتيجة مفادها أن تركيا مقبلة في أفضل الأحوال على عقد من عدم الاستقرار والاضطرابات السياسية المستمرّة.
أما في أسوئها فلن تكون الحال أقلّ من «حرب أهلية مصغّرة» تخوضها البيئات المهمَّشة مضطرةً لحماية نفسها من بطش أجهزة الدولة التي اتفقت مع الحزب السياسي الأكثر تمثيلاً حالياً على إخراج الأكراد وممثّليهم من المعادلة السياسية من خلال الاستعانة بتجربة الثمانينيات والتسعينيات السيئة الصيت والسمعة. هذا هو باختصار ملخّص ما يجري في تركيا حالياً. «الفاشية» تعود من جديد ولكن في سياق مختلف تماماً وعبر الاستعانة بتجربة حزب كان يزعم انه مناهض لفاشية الدولة القومية التركية وبطش أجهزتها. في وضع كهذا من يلوم الأكراد والشيوعيين على مجابهتهم «الفاشية» التي تقتلهم بسلاح المدفعية والطيران بالقتل المضاد الذي يعتمد على أدوات بدائية الصنع؟ يجب على أردوغان وعصبته أن يعيدوا قراءة التجربة السورية جيداً، علّهم يَنجون بأنفسهم وبشعبهم قبل فوات الأوان.
* كاتب سوري