اعتاد العماد ميشال عون أن يخوض معاركه للوصول الى السلطة على قاعدة «أنا أو لا أحد». واذا ما وصل اليها، أو إلى جزء منها، يسقط حرف «ألف» من القاعدة لتصبح «أنا ولا أحد». هذا ما يجعل حلفاءه يخشون وصوله الى السلطة قبل خصومه، كونها قاعدة يعتمدها في العمل السياسي منذ ما قبل انتقاله من المؤسسة العسكرية الى الحياة السياسية في عام 1988.


ففي ذاك العام عرقل العماد عون، حين كان قائداً للجيش، الانتخابات الرئاسية (مع القوات اللبنانية التي تقاطعت مصالحها حينها مع مصالح الجنرال ولكن ليس للأسباب ذاتها) لأن اسمه لم يكن من ضمن المرشحين الخمسة في لائحة البطريرك الماروني. تابع الجنرال في اعتماد تلك القاعدة خلال سنتي حكمه (لنصف البلد) كرئيس لحكومة انتقالية مهمتها التحضير للانتخابات الرئاسية.

فخاض الحروب المدمّرة للمسيحيين، وأبرزها «حرب الإلغاء»، على قاعدة «أنا ولا أحد». لم يحصر اعتماد الجنرال قاعدته تلك على حروبه العسكرية، إنما انسحبت على معاركه السياسية أيضاً. فحلّ المجلس النيابي الذي اجتمع في الطائف لمناقشة اتفاق يضع حداً للحرب اللبنانية في عام 1989. ولم يعترف في ما بعد بانتخاب رئيسين للجمهورية بعد «الطائف». حتى كان ما كان من دخول للقوات السورية الى «المناطق الشرقية» وقصر بعبدا في تشرين الاول من عام 1990. وهكذا، وبنتيجة الـ «أنا او لا أحد» خسر الجنرال الرئاسة والمسيحيون صلاحيات الرئيس. كما خسر لبنان «الجمهورية الاولى». وتأسّست «الجمهورية الثانية» تحت الوصاية السورية التي اكملت تهميش الدور المسيحي الفاعل في الدولة. ليصبحوا، بعد مرور ربع قرن على نهاية الحرب، منهمكين بتحصيل جزء من الحقوق، واستعادة بعض من الدور. ولكن من دون نتيجة.
لماذا نذكّر بتلك الأحداث اليوم؟ ليس لأننا ما زلنا نعيش ونعاني من نتائجها فحسب، إنما لأن الجنرال لا يزال يعتمد القاعدة ذاتها. ونعتقد أن نتائجها ستكون اكثر كارثية على المسيحيين وعلى لبنان كون المعطيات الجيوسياسية في لبنان والمنطقة اكثر تعقيداً وتتطلّب حكمةً وهدوءاً في العمل السياسي. ولأن العماد يطبّق تلك القاعدة ليس على رئاسة الجمهورية فحسب، إنما اعتمدها أيضاً في معركة قيادة الجيش وها هو يعتمدها في انتخابات تياره التي ستجرى في ايلول المقبل.


استمرار الجنرال في
سياسته جعله يخسر المعارك السياسية والاستحقاقات


في ما خصّ الاستحقاق الاول لا حاجة للتفصيل، فقد قيل الكثير وكتب الكثير عن تعطيل الاستحقاق الرئاسي وإدخال البلاد في شغور رئاسي في واحدة من ادق واصعب المراحل السياسية في تاريخ الشرق الاوسط. وسيُقال ويُكتب أيضاً الكثير كون الفراغ سيطول. والسبب الرئيسي مقاطعة الجنرال لجلسات الانتخابات لعدم توفّر الحظوظ لانتخابه. وتلطّي حزب الله خلفه لعدم انتخاب رئيس يكرّر تجربة الرئيس ميشال سليمان وينتقد حروبه في سوريا وتدخّلاته العسكرية والسياسية في العراق واليمن وغيرها من البلدان العربية.
خاض الجنرال معركة قيادة الجيش على قاعدة «أنا او لا أحد» أيضاً. منذ حوالى السنة راح يلمّح الى رغبته في تعيين العميد شامل روكز (صهره) قائداً للجيش. ومنذ بضعة اسابيع أعلنها صراحة. يمكن للجنرال تبرير «قاعدته» في الانتخابات الرئاسية بالاستناد الى مقولة «الرئيس القوي» التي، وللأسف، صدرت من الصرح البطريركي بعد سلسلة اجتماعات لـ «الاقطاب» الموارنة الأربعة. وهو بالفعل رئيس أكبر كتلة نيابية مسيحية. أما في موقع قيادة الجيش فحجّته لم تكن مقنعة. فقائد المغاوير هو احد قادة الوحدات الاساسية في الجيش اللبناني وبالتالي هو واحد من مجموعة ضباط موارنة أكفاء لشغل منصب القيادة الاولى في المؤسسة العسكرية. ربما يكون الأكفأ بينهم. لسنا نحن من نقيّم الضباط، إنها مسؤولية القيادة العليا حصرياً. ولكن يمكننا القول ان العميد روكز «اسطورة» في البطولات بالنسبة للمجتمع اللبناني. سطّر ملاحمها على مدى سنين طويلة من القتال على مختلف الجبهات. من سوق الغرب الى نهر البارد وصولاً حتى عرسال. حتى في «حرب الإلغاء» التي شنّها الجنرال عون ضد القوات اللبنانية، كان الرجل «اسطورة» في القيادة الناجحة لوحداته على ارض المعركة. إلا ان الجنرال، بطريقة ادارته لمعركة قيادة الجيش، كاد يكسر هذه «الاسطورة» ويسيء، ولو بطريقة غير مباشرة، الى باقي الضباط الأكفاء الذين يمكنهم شغل هذا المنصب. كما أساء الى المؤسّسة العسكرية التي ادخل موقع قيادتها علناً في «بازار السياسة». صحيح ان تعيين قائد الجيش كان دائماً موضوع بحث بين الرؤساء والمسؤولين، حتى في «الجمهورية الاولى» التي كان يتمتّع فيها الرئيس بصلاحيات واسعة تخوّله تعيين «القائد» من دون العودة الى أحد، ولكن تلك المحادثات كانت تجرى في الصالونات المغلقة. ولم تكن تخرج الى العلن حفاظاً على معنويات الضباط وخصوصية المؤسسة العسكرية وهيبتها. أما اليوم فقد جعل الجنرال الاستحقاق على كل لسان وموضوع حوار في كل برنامج سياسي. ولم يكن ينقص سوى طرح انتخاب «القائد» من الشعب! او إجراء استطلاع للرأي او استفتاء حول الضباط المرشّحين لشغل هذا المنصب! وفي كل ذلك، يكون القائد السابق للجيش اكثر من أساء الى المؤسسة العسكرية ولم يحترم خصوصيتها. واستمر في الاساءة بمخاطبته «القائد» بطريقة اقلّ ما يقال فيها انها لا تليق بمسؤولين في الشأن العام خاصة في هذا الظرف الدقيق والصعب الذي يواجه فيه الجيش مخاطر امنية غير مسبوقة في الداخل وعلى الحدود، ليس الجنوبية فحسب، إنما الشرقية والشمالية ايضاً!
أما الاستحقاق الثالث الذي يتصرّف فيه الجنرال على قاعدة «انا او لا أحد» هو انتخابات رئاسة التيار الوطني الحر. بالرغم من ان المنافسة تدور بين افراد من العائلة (الوزير جبران باسيل والنائب آلان عون) فإن مؤسّس التيار يريد «صهره». وتتوالى التسريبات الاعلامية حول دعم الجنرال لباسيل التي تؤكّد المؤكَّد (على غرار وثائق ويكيليس). فهو خاض المعارك لتوزيره في الحكومات كافة منذ عام 2008. وكان يصرّ على اسناد الوزارات المهمة إليه كما أوكلَ اليه أهم الملفات السياسية (مثل «التفاهم» مع حزب الله والحوار مع تيار المستقبل في موضوع الرئاسة). ربّما لأن لجبران الاسلوب السياسي نفسه. ولكن تنقصه «الكاريزما» التي يتمتع بها الجنرال اذ لدى العديد من قادة التيار «حساسية» تجاهه. ويعارضون وصوله الى رئاسة التيار. وإصرار الجنرال على انتخابه ربما سيدفع بعدد كبير من هؤلاء إما الى الخروج من التيار او الى الاعتكاف.
استمرار الجنرال في اعتماد قاعدة «انا او لا أحد» جعله يخسر المعارك السياسية والاستحقاقات الواحد تلوَ الآخر. وأحد اسباب خسارته عدم تنسيق خطواته ومعاركه لـ»استرجاع حقوق المسيحيين» مع باقي القيادات المسيحية الروحية والسياسية (حتى بعد «اعلان النيات»). وهو اليوم يعرّض المسيحيين لخسارة ما تبقى لهم من حقوق، والدولة اللبنانية الى الانهيار وهي على اعتاب الاحتفال بيوبيلها المئوي الاول.
كما يعرّض المؤسّسة العسكرية للاهتزاز في سنة احتفالها بعيدها الـ 70. بالطبع، لا نحمّل الجنرال وحده مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع في البلاد من فراغ في الرئاسة وضعف للسلطة المركزية وفقدان لِهَيبَة الدولة وتراكم للدين العام الذي يهدّد الاقتصاد الوطني... ولكن حذاري الاستمرار في نهج التعطيل والتدمير للدولة. ففي ذلك خطر على سقوط «الجمهورية الثانية» كما سقطت «الجمهورية الاولى» منذ ربع قرن. عندها لن يغفر «شعب لبنان العظيم» لا «سبع مرّات» ولا «سبعين مرّة سبع مرّات».
* أستاذ جامعي