قرأت منذ فترة مقالاً بالإنكليزية لغلوريا ستاينمان عن كتاب «أنتروبولوجيا العرق، الطبقة والجنس» (race,class and gender an anthology) للكاتبة مارغريت أندرسن، وأردت ترجمته، إذ رأيت فيه نظرة ساخرة، ولكن حقيقية، للحياة إذا ما قلبنا الموازين قليلاً. عندما بدأت بترجمته، وجدت أنّ النص سيكون بعيداً جداً عن القارئ (ة) بسبب تموضعه في سياق وأمثال أميركية. وجدت حلاً بأن أصوغ نصاً على شاكلته، للقرّاء العرب.

فلنبدأ إذاً بالفكرة الأساسية: ماذا لو كان الرجال هم من تأتيهم الدورة الشهرية؟ أيّ تغيّرات ستطرأ بعدها على يومياتنا وحياتنا وقوانيننا؟

بداية، ستكون فكرة الدورة الشهرية موضوعاً عادياً، لا يناقشه الرجال في العلن فحسب ـــــ دون وشوشة و«عيب» ــــ بل يتباهون بقوة دفق الطمث، ولونه وطول مدّته.
لكانت البقعة الحمراء على البنطلون، مثلاً، مبعثاً للفخر، ولكانت ملايين الدولارات خُصّصت لأبحاث وتجارب لوقف الأوجاع والمغص والسيطرة على تغيير المزاج الذي يرافق العادة الشهرية. ولكانت استعملت تكنولوجيا الفضاء لإنتاج الفوطة الصحية التي توزّع مجاناً على الطرقات، وفي الأماكن العامة.
لكان محمّد إسكندر أنتج أغنية بعنوان «ما بتنزفي، انضبي ببيتك ممنوع تشتغلي». لكانت منظّرات حقوق المرأة، بـ«شينيونهنّ» المستوي، أقمن ندوات وحلقات نقاش وتوعية تحت عنوان «...وإن لم تنزفي، برقّتك وجمالك تأسرين عقله». ولكانت البارات قدّمت مشروبات مجّانية مصمّمة خصوصاً «للرجل القوي النازف».
في حال كانت الدورة الشهرية للرجال، لكان الشيوخ أفتوا وشرحوا عن تخلّف المرأة وفقدانها للعقلانية «لأنّها لا تنزف مرّة في الشهر».
كان سيُعيّن نهار في السنة يعتبر عيد الطمث، ويكون فيه الشكر لله على الدورة التي جعلت الرجال «قوّامون على النساء» وأفضل منهن، في كل مكان وزمان، وفي كلّ شيء. كذلك تُقدّم الأضاحي للإله، وينشر الدم في المدينة، وتُمنع النساء من الخروج والاحتفال (نكاية) لأنّهنّ لا ينزفن.
لكان تقرّر تخصيص أسبوع في الشهر لكلّ عامل، يستطيع فيه أن يأخذ إجازة مدفوعة الأجر، ويعتبر أي عمل متطرّف/ مشكلة/ صراخ/ شتم علني / انهيار عصبي يقوم به في الأسبوع الذي سبقه، يعتبر هفوة بسبب تغيّرات هورمونية، ويسامح عليه.
ولكانت نظّمت في المدارس ــــ كجزء من البرنامج الدراسي ــــ دورات تثقيفية عن الدورة الشهرية، ولكانت وزارة التربية فرضت معالجة الموضوع من كلّ النواحي في حصص علوم الأحياء، والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات، والأدب، وعلوم الاجتماع والاقتصاد، والفلسفة وتاريخ العلوم عند العرب، والرياضة... ولكانت حجّة «جايتني» حجّة مقنعة ورسمية للتغيّب عن حصّة الرياضة... أو أيّ حصّة أخرى.
لكانت حلقات النقاش دارت حول معنى الدم النازف، وتأثيره على الفرد والمجتمع من حيث تطهير الذنوب، ولكانت الأسئلة توالت عن سر الطاقة التي يتمتّع بها ذلك الرجل الكامل النازف الذي، وإن أدركه الطمث، يتفرّد بطاقة غريبة قوية كانت تدفع حتى أقدم القبائل إلى عزله في كوخ، ليتمكّن خلال تلك الفترة من السيطرة على تلك الطاقة الفريدة.
ثم لو صعد رجل خمسينيّ، خلال شهر كانون الأوّل، في «فان» بيروت ــــ عكار، وطلب من السائق أن يقفل التدفئة حيناً، ثم يشغّلها حيناً آخر، وأن يفتح الشبّاك حيناً، فيدخل هواء السهل المثلج، فلن يتذمّر الركّاب وهم يرتجفون من الصقيع، لأنّ الحاج قال لهم: «أعتذر يا جماعة، بلّش معي سنّ اليأس». «سنّ» سيكون اسمه أصلاً «سنّ السعادة»، كي لا يجرح شعور «اليائسين». وستمتدّ يد صديقة، بين الفينة والأخرى، تربّت كتف الرجل الذي يتلقّى حينها كل الدعم المعنوي والنفسي في رحلة الباص القاسية.
ويصبح «سنّ السعادة» فترة جديدة للإحساس بالشباب وحجّة جديدة لمن يصبغون شعورهم ويخوضون أزمة منتصف العمر: يصاحبون الفتيات الصغيرات ويخرجون معهنّ في البورش الحمراء التي صرفوا عليها جنى العمر. وحينها سيبدو عادياً أن يحسّ الرجل بحاجة ماسّة، بل حاجة مؤلمة، إلى ممارسة الجنس ولا يبدو ذلك غريباً، ولا ينهره أحد كي يخفي تلك الحاجة... أعتذر، تلك هي الحال الآن.
وأخيراً، إذا ما كان الرجل هو صاحب الدورة الشهرية الشهيرة، لكانت فُسّرت كل المظاهر الطبيعية ودوراتها بعلاقة حتمية مع دورته الخاصة، ولكانت كلّ أعلام البلدان ضمّت ولو نقطة حمراء.
* كاتبة لبنانية