بعد انقلاب أبيض بوحي خارجي له مفاعيله الداخلية أو باتفاق اضطراري، تمتّ ازاحة رئيس الوزراء نوري المالكي (11 آب/ اغسطس 2014) وتكليف حيدر العبادي بالمهمة وتقاسم الحكومة بين المشاركين في الانقلاب (ايلول/ سبتمبر 2014) من التحالف الوطني اساساً والتعاون مع الكتل الاخرى. وإعلان مناصب شرفية لثلاثة نواب لرئيس جمهورية شرفي، لا مهمات تنفيذية له حسب الدستور، وبالتالي لهم ايضاً. وما يثير في هذا التكليف أنه أعطي لمن حُمّلوا مسؤولية ما حصل قبله، أو اشير لهم به، وهم نوري المالكي وأسامة النجيفي وأياد علاوي.

كشف الانقلاب رأس جبل الجليد للصراع الداخلي في التحالف اولاً، والعلاقات مع الكتل ثانياً، والسفارة الاميركية التي كانت تتحرك على مختلف الصعد، بما فيها صناعة النتائج ووضع الحلول التي تتناسب معها ثالثاً. وقد تكون على وعي لما بين هذه القوى من حسابات واختلافات، وأرادت لمصالحها صب الزيت على نيرانها، حتى ولو بهذه الوسيلة الهادئة. وهذا يعبّر بداهة عن مدى الاختلافات وعدم الانسجام الداخلي والحساسيات وروح تصفية الحسابات، وحدة التناقضات الداخلية، والتي تكشف انصياعها الاجباري لما تقوم به او تحاول الاعلان عنه والتستر خلفه عموماً. وما سرّب لبعض وسائل اعلام محسوبة على اطراف من التحالف أو من الكتل عن دور إيراني هو دليل على عمق تلك الصراعات والنزاعات البينية والمتبادلة، لمساواة بين الضغوط والعوامل الخارجية ومشابهة مطلوبة للبعض من داخل التحالف أو خارجه، وكذلك بين الادوار المخفية لكل قوة او شخصية فيها لما حل وحصل في ما بعد.
جاءت الازمة الاقتصادية بهبوط اسعار النفط، التي تعتمد الميزانية بشكل كامل عليها تقريباً، واستشراء الفساد المالي والإداري، واحتلال «داعش» لأغلب مدن شمال وغرب العراق، وتهديد العاصمة بغداد وأربيل لتضع هذه القوى امام هذه التحديات ومن ورائها أو من ساعد عليها وانتظم بسيرها.
أصبحت ضرورات التغيير والإصلاح حاسمة ومصيرية، لكن تفاقم الفشل في توفير الخدمات الضرورية والأساسية للمواطنين الذين اضطروا الى التظاهر ورفع شعارات صارخة تعرّي صورة المشهد ووقائعه القاسية. حيث لا يمكن تصديق ما يجري في بلد غني بثرواته وإمكاناته وطاقاته ولا يستطيع أن يقدم الحد الادنى من مستلزمات العيش بكرامة للشعب والبلاد. كل هذا ترك بصماته على قوى التحالف الوطني اساساً، وضاعفها عدم اتفاقها على تكليف رئيس لها بدلاً من رئيسها المكلف ابراهيم الجعفري الذي رضي بمنصب وزير للخارجية. وكلها اشتركت في العملية السياسية ومخرجاتها المتتالية. هذا فضلاً عن تربص قوى خارجية لاختلال هذا الوضع ومحاولة التدخل فيه لإشعاله بما يخدم مصالحها الجغراسياسية وتغيير خريطة المنطقة الجديدة، لا سيما ما رشح من غرف عمليات وتخطيط في الرياض وعمان والدوحة واسطنبول، ويضاف لها اربيل.
بدا رئيس مجلس الوزراء لملاقاة «انتفاضات الشوارع» والأزمات المتصاعدة بحُزم اصلاحات، شملت اقالة نواب رئيس الجمهورية ونوابه. وطولب باستمرار الاصلاح لما بعد الاقالات، وعلى صعد مختلفة تخفف من احتقان الشارع وتصارع القوى الفاعلة فيه ومواجهة التحديات المتواصلة. وأمام هذه المتغيرات السريعة اتهم رئيس مجلس الوزراء بالتفرد بالقرارات وتعميق الخلافات والاصطفافات داخل التحالف اولاً وخارجه ثانياً. ولمعالجة تأزم الوضع تسارعت قوى التحالف الى اجتماعات مكثفة لتقليل الخسائر ورأب الصدوع المفتوحة. فتم عقد اجتماعات لرؤساء احزاب التحالف... ومصالحة المالكي والعبادي ومحاولات تعميمها مع الباقين إلا ان ما كان بينهم شخصياً ظل كالجمر تحت الرماد ليخرج الآن بوضوح اكثر.
رغم ذلك حاولت الهيئة السياسية للتحالف الوطني العراقي في اجتماع لها (30/8/2015) الدعوة الى ضرورة تركيز الاهتمام بجبهات الجهاد ودعم القوات العسكرية والإصلاحات. وذكر بيانها ان الاجتماع عقد بحضور مكونات التحالف كافة ورئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي في مكتب رئيس التحالف الوطني إبراهيم الجعفري. وحسب البيان أكد رئيس الوزراء «في ختام تقريره على أهمية استكمال التحالف الوطني استراتيجيته الوطنية الشاملة للمرحلة القادمة من خلال تضافر الجهود، والعمل على حل جميع المشكلات، ومواجهة التحديات على الأصعدة السياسية، والأمنية، والاقتصادية». وواضح ان هذا البيان برنامج عمل واتفاق عام يقتضي أن يقره مجلس الوزراء والكتل السياسية الاخرى.
إلا ان اجتماع كربلاء للتحالف (6/3/2016) كشف صورة او مظهراً من الازمة المستفحلة داخل التحالف نفسه. وقدم تبايناً واضحاً بين خطين داخله، خط يجمع بين الصدر والحكيم رغم كل ما بينهما، وآخر يضم الباقين، ما عدا العبادي، الذي صار قاسماً بينهما، او اقرب الى الاول ومتشبث بالثاني بحكم انتمائه السياسي لطرفه الرئيس، حزب الدعوة الاسلامية. هذا التباين انعكس في الشارع حيث خرج انصار تيار الصدر الى الساحات للتظاهر والاعتصام وصولاً الى اعتصام مقتدى الصدر نفسه داخل المنطقة الخضراء، المحصنة والحاوية لأغلب المؤسسات والسفارات. للضغط على العبادي اولاً ولإجراء اصلاحات تحت تسمية اعلان حكومة تكنوقراط ومعاقبة الفاسدين وتوفير الخدمات وغيرها ثانياً. وسبقتها بأسابيع اشاعات وتسريبات عن نزول قوات أميركية خاصة داخل المنطقة الخضراء لحراسة السفارات، وأولها الاميركية طبعاً اضافة الى حرسها الكبير، وأخبار عن امكانية قيامها بإجراءات امنية كاعتقال مسؤولين كبار يقيمون في المنطقة ويتهمون بالفساد او عرقلة الاصلاحات او مواجهة ما لخطوات رئيس الوزراء. والملفت ان بعض هذه القوى شاركت في مقاومة الاحتلال عسكرياً وفي العملية السياسية، ولكنها تباينت مؤخراً وتعاكست او تبدلت في مواقعها، حيث اعتمدت على لجان لها ارتباطات او رهان بالسياسات الاميركية ومن كانت مقابلها تحفظت على المعالجات او التشكيلات الاخيرة، المسربة او المرشحة للتطبيق، كما سميت حكومة تكنوقراط او ما يشبهها.
في هذه الاجواء داخل التحالف وتصعيد المفاجآت «اتهم قيادي في ائتلاف دولة القانون الصدر والحكيم بالعمل على تفكيك التحالف الوطني والانشقاق عنه وترشيح وزير من تياريهما». وقال لجريدة «الأخبار» إن «كتلتي الأحرار والمواطن يعقدان، منذ أيام، اجتماعات مع التحالف الكردستاني وتحالف القوى العراقية من أجل التوافق على ترشيح شخصية بديلة من العبادي لرئاسة الوزراء». وأشار القيادي الذي يحسب على جناح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، إلى أن الصدر والحكيم يسعيان إلى تشكيل تحالف جديد يكون موازياً لـ«التحالف الوطني» الحالي، ويكون داعماً للحكومة المقبلة. وفي المقابل توزع اتهامات وتهديدات مبطنة أحياناً بين قوى التحالف، وتُرفع شعارات يفهم منها دلالات مقصودة او موجهة لأطراف رئيسية من التحالف ذاته. وكالعادة يحاول كل طرف اخراج نفسه مما يعلنه، او يسعى لان يكون «بريئاً» وخالياً مما ينتقده او يسجله على/ عند غيره! معلناً صورة واضحة «للاعدقاء» داخل التحالف وفاسحاً المجال واسعاً لتدخلات لم تعد مخفية في المشهد السياسي والمستقبل العراقي.
مهما كانت هذه الاقوال والآراء، سواء الشخصية او العملية، والتحركات الواضحة لكل الاطراف، سواء في الشارع او في المكاتب الرسمية، فإنّ بيت التحالف الوطني لم يعد هادئاً ومستقراً، وهو مؤشر على صعود نبرات حادة داخله ويحتاج الى من يبصره بخطورة الهزات الداخلية في ظل الظروف المعقدة والملتبسة التي تحيط به وتتحداه اساساً. وقبل ذلك لا بد له من اعادة النظر بما يؤديه او ينفذه واقعياً، وتقديم رؤية برنامجية ومؤسساتية له جامعة وقادرة على الانقاذ والبناء الوطني الشامل، وضرورة المراجعة النقدية لكل الاسباب التي تحولت الى تحديات يومية للتحالف والحكومة والسلطة والدولة في العراق.
* كاتب عراقي