يتساءل الجميع إلى أين تمضي مسيرة الإصلاح في السعودية، التي بدأت بعد 2001، إثر انطلاق حرب عالمية لم تنته بعد على الإرهاب. حرب استثمرت في الداخل السعودي لتصفية المعارضة السلمية، وصولاً  «للدور القذر» الذي باتت تلعبه في ثورات مضادة للربيع العربي. آخر تجليات تلك الحرب «مشروع النظام الجزائي لجرائم الإرهاب»، الذي رأته منظمة العفو الدولية انتهاكاً صارخاً لحقوق الانسان، ودعت إلى عدم تمريره في البرلمان غير المنتخب. يمنع القانون التعرض للملك ونائبه، ويمنح صلاحيات واسعة لوزارة الداخلية لاعتقال أي شخص والتحقيق معه وحبسه لمدد غير محدودة تصل إلى سنتين بدون محاكمة.


«مملكة الإنسانية» كما يروج لها في «السوق الإعلامية»، تتحوّل إلى دولة بوليسية، يقودها جهاز سري بقيادة وزير الداخلية الأمير نايف آل سعود (المرشح ليصبح ولياً جديداً للعهد)، المتهم الأول بتلك الانتهاكات. انتهاكات أدّت إلى اعتقالات لحقوقيين ومثقفين وأساتذة جامعيين ومحامين. كذلك منع هؤلاء من السفر بلا احكام قضائية. في بلد يدّعي تطبيق الشريعة الإسلامية، وصل عدد معتقلي الرأي إلى خمسين ألفاً يخضعون للتعذيب والعزل والمحاكمات السرية، وسط صمت الحكومة التي لا تخضع سجونها لرقابة القضاء «غير المستقل».
الدولة التي ترتكز على كفتي معادلة  «القوة والدين»، باتت في حرب غير علنية وتعتيم إعلامي وحقوقي لقمع حركة المجتمع المدني السلمية، جعلها في مقدمة ديكتاتوريات المنطقة، إضافة إلى منع تشكيل الجمعيات والأحزاب. ففي 16 شباط/فبراير 2011 اعتقل ستة من مؤسسي أول حزب سياسي «حزب الأمة الإسلامي»، الذي دعا إلى انتخابات برلمانية وحكومية مباشرة، كما طالب باستقلال القضاء وفصل السلطات، وتعزيز حقوق المرأة والمجتمع المدني. في مقابل ذلك، قام النظام بإطلاق يد رجال الحسبة، والجهاز الأمني الديني المتمثل في «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». بني ذلك الجهاز للأمساك بعصب المجتمع ومنع أي تغيير، وهو تغوّل وأصبح يمتد إلى بلدان أخرى في موسم الربيع العربي، في محاولة إيقاف ذلك المد كي لا يصل لممالك الخليج العجوزة. هكذا، استضافت المملكة زين العابدين بن علي، الهارب من تونس، وضغطت لمنع محاكمة حسني مبارك ورموز نظامه، وهددت بمنع المساعدات المالية، واطلاق ايدي السلفيين في حوادث متفرقة في مصر. الجبهة انفتحت جنوباً في محاولة لإيقاف تدهور نظام عبد الله صالح الذي حكم اليمن ثلاثين عاماً، عندما تدخلت السعودية بمبادرة لتأمين خطة انتقالية هدفها عدم ذهاب السلطة لمن لا تراه مناسباً لسياساتها في اليمن. في الوقت نفسه، لم تمنع المملكة نفسها من لعب دور الشقيقة الكبرى، والتدخل عسكرياً في البحرين لحماية العائلة المالكة، لقمع ثورة الشعب السلمية المطالبة بحكومة منتخبة تحترم كل أطياف المجتمع البحريني المذهبية.
الرعب من مجرد تصور حصول انتفاضة تقع على بعد ساعة من حقول النفط، عصب الاقتصاد السعودي والعالمي، جعل ممالك الخليج تبدأ بتفعيل اتفاقية «درع الجزيرة»، التي أبرمت بهدف صد أي عدوان خارجي على دول الخليج فقط. لكن تغيّرت الاتفاقية الدفاعية بجرة قلم سعودي، لشرعنة التدخل في الشأن الداخلي لأصغر دولة خليجية، وسط صمت أميركي وتجاهل غربي مخز. يرجعنا ذلك إلى الداخل السعودي، ومحاولة النظام وأد كلّ تحرك اصلاحي ومطالبات حقوقية، وشعبية بملكية دستورية ومحاربة الفساد الذي تتزعمه مافيا أميرية. إذ طالبت «جمعية الحقوق المدنية والسياسية» في 4 كانون الثاني/ يناير 2011، من خلال عريضة رفعتها إلى الملك عبد الله، بإقالة وزير الداخلية وجميع المتورطين بقضايا التعذيب وانتهاكات حقوق الانسان. اتت تلك المناشدات في ظل غياب أغلب الوجوه الإصلاحية خلف القضبان، مثل مخلف الشمري الذي انتقد الطائفية وتشدد رجال الدين، والأخوين العامر بتهمة التشجيع على حق التظاهر. وفي 28 كانون الثاني/ يناير 2011 اعتقلت السلطات نحو 50 متظاهراً في مدينة جدة احتجوا على الفساد وغياب المحاسبة في كوارث الفيضانات التي حصلت للسنة الثالثة على التوالي. كذلك، اعتقل الشيخ يوسف الأحمد بعد نشره فيديو على موقع «يوتيوب»، دعا فيه إلى إغلاق ملف المعتقلين الأمنيين وأعلن تأييده لدولة الحقوق والمؤسسات. هكذا، أصبح كل من يتقدم للمطالبة بحقه الشرعي (غالباً ما يكون في طلبه ذاك تعرض للعائلة الحاكمة التي تهيمن على كل مفاصل الدولة) مغضوباً عليه، ويجب أن يعاقب.

شيعة السعودية: إلى أين؟

يواجه النظام تحديات كبيرة داخل المناطق الشيعية في ظل تمييز سياسي وديني تشكو منه الطائفة التي تشكل نحو 15% من سكان المملكة، سببه غياب الثقة بين الطرفين. إذ تشكك الدولة دائماً في ولاء شيعة السعودية، خاصة بعد انتصار الثورة الخمينية في إيران في 1979، وأدى ذلك إلى فصل مذهبي ومحاولة محاربة النفوذ الإيراني من خلال المواطنين الشيعة، بإبعادهم عن التمثيل في قيادات الدولة والمؤسسات التعليمية والمدنية. هؤلاء يشكون دوماً من معاملتهم كمواطنين درجة ثانية، واستهداف قياداتهم ومساجدهم، ومنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية، بالرغم من أنّ النفط الذي هو عصب الحياة الاقتصادية ينبع من مناطقهم وخاصة في القطيف و الأحساء بالمنطقة الشرقية. أدى ذلك إلى انتقاد منظمة «هيومن رايتس ووتش» للملك عبد الله «الإصلاحي»، الذي نادى للحوار بين الأديان من منبر الأمم المتحدة، في الوقت الذي يتغاضى فيه عن الانتهاكات الحاصلة تجاه طائفة من ابناء شعبه. الغضب بين الشيعة لا يبدو ظاهراً، لكنّه ينبئ ببركان قد ينفجر، خاصة مع مطالبة رجل دين شيعي بارز، هو نمر النمر، بالعدالة والمساواة في الحقوق الوطنية أو التلويح بالانفصال. وبيّن اعتقال الشيخ توفيق العامر، بعد دعوته إلى ملكية دستورية، مع نحو 160 شخصاً لمشاركتهم في تظاهرات خرجت في 3 آذار/ مارس2011، للمطالبة بسجناء منسيين وحقوق سياسية واجتماعية، مقدار العنف الذي تمارسه الدولة تجاه مطالب شعبية، رغم وعود الاصلاح التي أطلقها الملك عبد الله. وعود تشمل مكافحة الفساد ودفع مليارات الدولارات لرفع مستوى المعيشة وتوظيف العاطلين من العمل، وبناء مساكن للفقراء. لكنّها وعود لم تتطرق للحريات، بل زادت من مخصصات العسكر ورجال الدين المتشددين، وأصدر الملك قانوناً يمنع التعرض لهم، كان سكيناً في خاصرة المجتمع الذي بدأ يضج منهما. قانون يجعلنا نسأل في ظل انتهاكات حقوق الانسان والأقليات التي تمارسهما هاتان المؤسستان، العسكرية والدينية، هل سيطول استقرار المملكة الذي تفاخر به مع هبوب رياح التغيير على كل المنطقة العربية؟ نصل إلى موضوع حقوق النساء، إذ يلاحظ زائر المملكة أنّه لا تتواجد النساء في الفنادق ولا في الشركات ولا يسمح لهن بقيادة السيارات، مع نظام تعليم منفصل ومنع الاختلاط في العمل. ويستطيع الزائر ملاحظة اشارات في كل مكان يذهب إليه من نوع «للرجال فقط» أو «للنساء فقط». وفي حين انّ السعودية من الموقعين على اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة، يجري تغييب شبه كامل للنساء خلف عادات وتقاليد قديمة. لكنّ الكثيرات منهن يتحدين هذا الوضع الصعب، ومنهن حقوقيات، امهات، وإعلاميات، يخرقن الحظر المفروض عليهن باسم الدين والعادات، من منال الشريف التي تقود حملة لمنح النساء حق قيادة السيارة، إلى نساء المعتقلين الأمنيين في السجون اللواتي يتظاهرن كل يوم للمطالبة بحرية أزواجهن وأبنائهن وضمان محاكمات عادلة لهم، وحقوقيات يطالبن برفع وصاية الرجل في السفر والزواج والصحة وتشريع قانون يجرم زواج القاصرات. كذلك تحارب تلك النسوة فتاوى رجال الدين التي تهاجم كل خطوة اصلاحية في طريق نيل المرأة لمزيد من الحقوق المدنية وممارسة دور أكبر في مجتمع يبقى فيه تحرر المرأة رهناًً بتحرر الرجل.
* كاتبة سعودية