لم يفعل العقيد معمّر القذافي سوى تكرار ما سبقه إليه كثيرون من إحكام السيطرة على مقدّرات بلاده، مستخدماً كلّ الوسائل غير المشروعة في معظمها. يعنينا من أمر نهايته المأساوية انتسابه إلى فريق من الحكام جاء إلى السلطة من مواقع الثورة والتغيير، وبشعارات محاربة الاستعمار، واستعادة الحقوق والأرض والثروات، والحرية والتحديث والتطوير. لا يمكن القول إنّ تلك الشعارات لم تكن صادقة من منظور قومي أو وطني.


وتشير المراحل الأولى إلى محاولات جادة وبعض النجاحات، على طريق استحثاث مواجهة أو مقاومة ضدّ المشاريع الأجنبية. كذلك جرى تنفيذ عدد من التحوّلات لمصلحة فئات شعبية عريضة. كذلك كُسرت معادلات أساسية في مجال العلاقات والاستقطابات، إلى حدود نشوء محاور دولية ذات بعد استقلالي وتحرّري. لكنّ الصعوبات والتعثر كانا أيضاً بالمرصاد، وسرعان ما برزت نزعة التسلّطية والتفرّد. كانت التجارب الاشتراكية في المنظومة السوفياتية سبّاقة في تكريس استخدام الإكراه لفرض السياسات ولإدامة الأنظمة والأشخاص. وبلغ ذلك النهج حدوده القصوى في تجارب عربية استلهمت الكثير من تجربة البلدان الاشتراكية السابقة. ويجدر بنا الالتفات، في التجارب «الأصلية» والمنقولة، إلى مفهوم يقول بأنّ المحافظة على السلطة يفوق من حيث الأهمية مسألة الاستيلاء عليها. كان في أساس ذلك استنتاج توصّل إليه قائد الثورة البولشفية «لينين»، بضرورة إنضاج الظروف والشروط التي ينبغي توفيرها، من أجل أن تنتصر الثورة وأن تستمر، لا أن تكون مجرّد مغامرة غير مدروسة سيؤدّي فشلها إلى إطاحة فرص التغيير وزيادة كلفته البشرية والسياسية والتاريخية، على حدّ سواء.
أصبحت السلطة هدفاً بذاته. وارتاح «الثوار» إلى مقولة أنّهم الأحرص على مصالح شعوبهم وبلدانهم. هكذا نظروا إلى كلّ معارضة أو انتقاد بوصفه خيانة وطنية، يستحقّ صاحبها العزل أو النفي أو القتل. ثروة بلاد القذافي وشخصيته أضفتا على تجربته مزيداً من المبالغة والادّعاء والغرابة. تباعاً، راوده شعور واثق بقدرات لديه تقارب حدود النبوّة. لم يفعل الكثير من المستفيدين في الداخل، ومن طالبي الدعم والمساعدة، من الخارج، سوى تعزيز ذلك الشعور لديه. في مجرى حكمه المديد حصلت تحوّلات صنّفها في مصلحة صحة خياراته وتقديراته. عبّر عن ذلك في مجرى الانتفاضة عليه، بأنّه «قائد»، وليس مجرّد حاكم. لم تأته لحظة «الحقيقة» حتى في أحلك الظروف، لأنّه كان قد قطع كلّ صلاته بالواقع. ومع ذلك لم يكن «العقيد» كتلة من المساوئ والشرور والادّعاءات، فهو التفت إلى هموم كثيرة داخل ليبيا وعلى الصعيد القومي. قدّم مساعدات سخية لمن كان يستحق أو لا يستحق. جاءه الثوار وأصحاب القضايا من شتّى أصقاع العالم طلباً للدعم. أسوأ ما فيه مراحله الأخيرة، حين بالغ في المساومات والرشوة وغاص في الأوهام والفراغ والخوف. بعد غزو العراق في 2003، قدّم الكثير من التنازلات، مواصلاً بهلوانيات لم تجد نفعاً في إنقاذ سلطته ونظامه ورأسه. أسوأ التنازلات كانت في الحقل الاقتصادي، إذ شرّع ليبيا أمام النهب، وشعبها أمام الاستغلال.
وكان من أسوأ ثوابت «العقيد» منع بناء أيّ شيء ثابت في «الجماهيرية»، إلا ما يتصل بـ«القائد». لم يكن في ليبيا جيش ومؤسسات ووزارات ومسؤولون وإدارات. لم يكن فيها إلا شخص واحد، يتعاظم لديه الشعور بالقوة والفرادة والعظمة والريبة والتوحّد!
لقد كان العقيد القذافي ابن مرحلة مضطربة من النزوع التحرّري، وضحية لأمراضها وتعقيدات وعقد بيئية وشخصية، في الوقت عينه. يحاول كثيرون اليوم، وقد «وقعت البقرة» أن يسارعوا إلى «سلخها». ذلك شأن معظم أولئك الذين لم يتورّعوا، حتى عن تقبيل يديه وتقديم الاعتذارات له، وهم الآن الأشرس في مشروع السيطرة على ثروات بلده عبر الغزو.
«قصة» القذافي مع لبنان طويلة. الحرب الأهلية والصراع في لبنان، وخصوصاً في شقه الفلسطيني، جذبا العقيد مبكراً، بمقدار أيضاً، ما كان أطراف لبنانيون وفلسطينيون يسعون إلى رفع مستوى اهتمام القذافي بالوضع اللبناني، وإلى كسب دعمه وودّه. يعترف رفيقه (وخصمه أخيراً) اللواء عبد السلام جلود، بأنّ العقيد قدّم أموالاً في لبنان لإسقاط اتفاق 17 أيار 1983. وبعض علاقات العقيد ومواقفه، حملت الكثير من الأضرار لحلفائه. ولعلّ خطأه الأكبر «إخفاء» السيّد موسى الصدر ورفيقيه. كذلك يحفل ملف العلاقات الليبية مع عدد من الشخصيات اللبنانية آنذاك، بالكثير من أشكال الارتزاق والتشبيح وإغداق الأموال.
تقتضي الموضوعية تناول تجربة القذافي وفق معايير لا تنحصر في مبالغاته وجموحه وسلوكه. إنّه جزء من حراك بدأ تحرّرياً، ثم انحرف نحو التسلّط والاستئثار. لكن تبقى من أسوأ أخطاء العقيد مساهمته في تمكين خصومه الذين اتخذ من محاربتهم شعاراً لحكمه المديد، من أن يصبحوا محرّرين أو شركاء معركة شعبه من أجل التغيير والحرية!
* كاتب وسياسي لبناني