لقد كررنا كثيراً في السابق أننا ضد عسكرة أي انتفاضة، لأنّ حمل السلاح يعني إلغاء الآخر، أي قتله، إما مادياً أو معنوياً. القتل إزهاق لروح خلقها الله بفعل إنسان، وهو عمل وحشي، وبشع، وقبيح. والقتل جريمة. والقاتل، سمّه ما شئت، سيَّافاً كان أو جلاداً، مجرم. وقيل أيضاً: اسألوا الغرب «المتحضر» عن معنى «القتل»، فهو ضليع فيه. فقد مارسه طوال تاريخه في كل بقعة من بقاع العالم، حتى في عقر داره، وفي حربين في النصف الأول من القرن الماضي، أزهق خلالهما نحو مئة مليون روح بشرية، ولم يتوقف... بعد.

اللغة العربية، على عكس اللغات اللاتينية المنشأ، لا تعرف سوى مفردة واحدة للقتل. الأخيرة لديها مفردتان. فاللغة الإنكليزية، على سبيل المثال، تحوي المفردة (kill) و(murder). الأولى محايدة، تشير إلى عملية قتل. الثانية تشير إلى ما يعرف بالعربية بالغيلة، أي القتل من دون أساس تشريعي وضعي.
بعض الصحف العربية وظفت مفردة «إعدام»، لكن ذلك مصطلح قانوني استحدث أخيراً لوصف القتل الصادر عن محكمة، وتمت أصولاً. قتل معمر القذافي وابنه المعتصم لم يكن كذلك. هي محاولة غير موفقة للالتفاف على جريمة، والقتل جريمة.
القتل لا يمكن أن يكون عملاً يستحق الثناء عليه أو مدحه. وفي الإسلام، قتل الحيوان، بهدف الغذاء، لا يجري إلا بإذن من الخالق، وهو سبب اشتراط النطق بالبسملة قبل القتل. عملية قتل معمر القذافي التي جرى تصويرها، لحظة بلحظة، بدءً من لحظة إلقاء القبض عليه حياً، وضربه وإهانته جسدياً على نحو قبيح، كالفاعل، إلى جرجرة جثته واستعراضها في شوارع مصراتة، عمل خسيس يدل على مدى تخلف الجناة المجرمين، وانحطاط خلقي وافتقار إلى الحد الأدنى المتوقع توافره في إنسان عاقل.
الشامتون، أطلقوا لغرائزهم العنان، فامتدحوا، أو غضوا النظر، خجلاً، ربما. لا أقول أطلقوا العنان لغرائزهم الحيوانية، لأنّ الحيوان لا يقتل من أجل القتل، بل دفاعاً عن نفسه أو عن أطفاله أو مسكنه أو لأجل الغذاء. فقط الإنسان يقتل لإرضاء غريزة، لا أدري ماذا أسميها. حاول صديقي الراحل الأديب والشاعر ممدوح عدوان البحث عن صفة لتلك الهمجية في كتابه «حَيْوَنَة الإنسان»، فما أفلح، فاضطر إلى الاستسلام أمام حقيقة وحشية البشر عندما يفلت العقل وافتقار اللغة العربية إلى مفردة لوصف ذلك.
لم ندافع يوماً عن أي حاكم. نترك المديح لمن قبض من العقيد، صبحاً ومساءً، من كسوة الشتاء وكسوة الصيف وألف ألف درهم وغلام وجارية حسناء تجيد الغناء والنكاح، والذم لمن حجب عنه ذلك، بعدما تعب في السعي وراءه.
لم يترك معمر القذافي في السنين الأخيرة أصدقاء كثيرين له. لسنا ساكتين عن جرائمه بحق شعبه وبحق كثير من أصدقائه السابقين، فكتب التاريخ ستتكفل بذلك.
المسألة ليست فقط عملية قتل أسير لا حول له ولا قوة، وإهانته إنسانياً أمام عدسات التصوير، وضربه وغير ذلك من السلوكيات التي تعرف بأصحابها.
لم نتوهم يوماً باندلاع ثورة في ليبيا في شهر شباط الماضي. الأيام ستكشف المسكوت عنه الآن. سلوك الرعاع، منذ البداية، لم يكن تصرف ثوار يريدون استبدال دولة القانون بنظام اللاقانون. منذ اللحظة الأولى حين أظهرت عدسات التصوير عملية القبض على «مرتزق»، وكيف كان رعاع الناتو يضربون الإنسان الأسود والدماء تسيل منه، تبيّن جوهر مسار التحرك. ثم اتهم «المجلس الانتقالي لصاحبه حلف الناتو»، أو «مجلس العبد الذليل» أو «مجلس مصطفى عبد الناتو» (لا فرق فهم خُشارة الناس، وخلق شتيم وكلمتهم عوراء، وهم هِردَبَّة، وعفيك ولفيك، والجاهل منهم عُكل وعتل) القذافي باستخدام مرتزقة، فقط لأنّهم سود البشرة، وذلك يعكس تعالي زمرة «المشارقة» على البشر الداكني البشرة.
أفعالهم تدل عليهم وعلى «ليبيا الجديدة» التي صنعتها لهم غارات حلف الناتو على إخوانهم وأشقائهم وشركائهم في الوطن.
الإمام علي، رضي الله عنه، قال: «الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لن يستضيئوا بنور العلم ولن يلجأوا إلى ركن وثيق. احذر يا قميل أن تكون منهم». أما أتباع كلّ ناعق، فهم الذين يتّبعون أصحاب الرايات المختلفة من دون علم وبصيرة، وهم يميلون مع كلّ ريح، فهم كالريح تهزّهم الدعوات المختلفة وتميلهم إلى جنبها، ومثلهم كمثل الذين قاتلوا تحت راية الرسول (صلى الله عليه وآله) في عصره، وقاتلوا بعد وفاته تحت راية معاوية، ولو كان الأجل يسمح لهم لقاتلوا تحت راية يزيد كذلك؛ وذلك كله لأجل أنّ الريح آنذاك كانت في ذلك الاتجاه. هم لم يستضيئوا بنور العلم، فهم المستضعفون المحرومون العلم.
ورَعاعُ الناس: سُقّاطُهم وسَفلَتُهم.
وفي حديث عمر، رضي الله عنه: «أَن المَوسم يَجمع رَعاع الناس أَي غَوْغاءهم وسُقّاطَهم وأَخلاطَهم، الواحد رَعاعة؛ ومنه حديث عثمان، رضي الله عنه، حين تَنَكَّرَ له الناس: إِنّ هؤلاء النفر رَعاع غَثَرةٌ. والرعاع الغثرة هم الهمج غير المتعلمين وغير المتحضرين. العوام من الناس الذين لا يملكون رأياً مستقلاً بل يسيَّرون كما يسيِّر الناس المواشي».
ثم بدأت الأخبار تتوالى تباعاً عن الفظائع التي ارتكبها المتمردون في مدينة بنغازي وغيرها، ليس على يد أجهزة التضليل العربية، الشامتة بالعقيد، لأنّه كان يحتقر معظم حكامهم وينظر إليهم بازدراء. فقط بعض الصحف الأجنبية، لا نشرات التلفزيون التي تصل إلى كل بيت، كتبت عن تلك الفظائع وعن الاعتقالات من دون إذن قضائي، ثم الخطف والاغتيال والتعذيب ونهب الأموال في بنغازي وبقية شرقي البلاد. كل ذلك كان يجري تحت عين «مجلس عبد الناتو» وبصره، بل وبموافقته، لأنّه لم يكلف نفسه نقد ذلك أو محاولة وقفه.
في مطلع التمرد تحدث خطيب صلاة الجمعة في بنغازي عن ذلك، وكانت إحدى القنوات العربية تذيع الخطبة مباشرة، وطالب بوقف أعمال القتل والخطف في المدينة، فما كان من المحطة إلا أن قطعت الإرسال.
واستمر توالي الأخبار عن حملات رعاع التمرد على الأفارقة من اعتقال بسبب لون البشرة، واضطهاد وقتل وتعذيب، العمال المساكين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم وأحبائهم سعياً وراء لقمة العيش، أوقعهم حظهم العاثر بين أيدي رعاع ليبيا «الحديثة الحرة».
فقط منظمات حقوق الإنسان الغربية (أين منظمات حقوق الإنسان العربية!) تحدثت عن الأمر، وأدانت تلك التصرفات الهمجية لهولاكيي القرن الواحد والعشرين، وطالبت بوقفها والتحقيق فيها ومحاكمة المسؤولين وإنزال العقوبات بحقهم، لكنّها كانت صرخة في واد، ولا مجيب.
إذا كان مجلس «عبد الناتو» لم يدن جرائم رعاع ليبيا وفظاعاتهم منذ اندلاع التمرد، بل حتى إنه أعلن رفضه التحقيق في ظروف قتله هو وابنه، فسبب ذلك موافقته عليه، بل يمكن القول أيضاً إنّه شجع عليه ودعمه، على الأقل عبر السكوت عن ذلك.
لكن أين الغرب «الحضاري» من كل ذلك! كيف نصدق أنّ الغرب حريص على معرفة قتلة الرئيس رفيق الحريري رحمه الله، وهو لا يفكر حتى بكشف أسماء قتلة جون كينيدي وروبرت كينيدي ولي هارفي أوزوالد، ومن وراء محاولة اغتيال رونالد ريغان، وصالح بن يوسف والمهدي بن بركة ومالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ وأولاف بالمه وألدو مورو... والقائمة لا نهاية لها.
الغرب، الذي قاد الحملة العسكرية على ليبيا، مسؤول أولاً وأخيراً عما حصل وسيحصل فيها، كما هو مسؤول عن الدمار الذي لحق بالعراق، البشر قبل الحجر، وبأفغانستان وبالصومال، وبلبنان، وأولاً، وأخيراً، بفلسطين. القائمة تطول وتطول وتطول، طول التاريخ.
الغرب الذي يذرف دموع التماسيح عندما تكون الضحية سقطت على يد قوات نظام ليس صديقاً له أو تابع، أو اغتيال حليف له، صمت، ليس رحمة برعاع ليبيا الجدد، حلفائهم، بل تعبيراً عن طبيعته، لأنّ وسائل تضليله الرسمية تحدثت عن «موت القذافي متأثراً بجراحه»، وقادته تبادلوا التهاني بجريمتهم. هم «أبطال» أبو غريب والفلوجة وماي لاي وقتلة أعضاء منظمة «غرين بيس» في نيوزيلاندا، و«أبطال» دير ياسين وكفر قاسم وقانا الأولى وقانا الثانية وغزة... ملف مفتوح منذ الأبد، ليسوا في موقع يسمح لهم بنقد رفاقهم في الدرب، بل وأقول بنقد عملائهم الجدد، ذلك إن توافرت لديهم أي رغبة أصلاً.
بشاعة ما نشر ستدفع كتّاباً من أصحاب الأقلام إياها، مستَكتَبـي صحافة التكفيريين وقطاع الرؤوس والأطراف في الساحات العامة، إلى محاولة تبرئة الغرب وأداته الإجرامية «حلف الناتو» من فظاعات رعاع «ليبيا الحرة»، لكنّنا لا نصدقهم لأنّهم غيّروا جلودهم أكثر من مرة، وسيفعلون ذلك في المستقبل عندما تتغيّر الظروف والوجوه، بل إنّهم على استعداد لتغيير حتى دينهم كي يصلوا إلى أهدافهم الشخصية. لذلك، لا نصدقهم. همهم الوحيد الدفاع عن أسياد أسيادهم.
الغرب هو من أسقط معمر القذافي واحتل البلاد ليعلن قيام «ليبيا الحرة»، وهو من أصر على قطع رأس معمر القذافي، لأنّه يريد رأس لانوف، لا حرية الشعب الليبي. مسكينة ليبيا ومسكين شعبها. والغرب، الذي سلم معمر القذافي معارضي حكمه وما لديه من معلومات عنهم مقابل رضوخه لكثير من شروطهم، وتقبيل يديه وحتى حذائه، هو المسؤول الأول والأخير عن عمليات القتل والخطف والنهب إلى ما لا نهاية له، وكل الجرائم التي شهدتها ليبيا في «المناطق المحررة». ما جرى في ليبيا، وما سيجري فيها تحت حكم عبد الناتو، مثال وعبرة، لمن يريد أن يعتبر.
صورة «ليبيا الحرة» في هذه الأيام ليست جديدة. العلم المرفوع هو ذاته الذي رفع يوم 24 كانون الأول 1952، عندما أعلنت الأمم المتحدة استقلال البلاد. يوم ذلك «الاستقلال»، كانت قوات الغرب الاستعماري، الأميركية والبريطانية والفرنسية، الحاكم الفعلي للبلاد، تحتل ليبيا، وتقيّدها بمعاهدات واتفاقيات اقتصادية وسياسية وتعليمية وعسكرية. واليوم، قوات حلف الناتو تسيطر على ليبيا، مباشرة، كما في يوم الاستقلال قبل نحو ستين عاماً.
ما حدث في أيلول 1969 ولسنوات قليلة بعد ذلك، كان ثورة لأنّه غيَّر من طبيعة النظام واتجاهه، وطرد القواعد العسكرية الغربية من البلاد، أما ما جاء بعد ذلك، فكان مأساة حقيقية عاناها شعب ليبيا الصبور، المكتوم الصوت الآن، وهي التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه الآن.
«ليبيا الحرة» في 2011 لا تختلف عن «ليبيا الاستقلال» في 1952. المستعمر لم يغيّر جلده ولا حتى اسمه، فكما كانت يومها مستعمرة غربية، عادت كذلك.
و«ليبيا الحرة» اليوم، كما الأمس، بلاد بلا أي بنية تحتية، فما كان قائماً فيها من مؤسسات اقتصادية دمره الغرب، صديق «مجلس عبد الناتو» وسيّده الجديد.
و«ليبيا الحرة» اليوم التي ترفع «علم الاستقلال» لا تختلف كثيراً عن «ليبيا الاستقلال». أبناؤها يبكون الشهداء، الذين سقطوا على يد قوات الناتو الاستعمارية ورعاعهم، وعلى يد قوات العقيد، كما كانوا يبكون شهداءهم الذين سقطوا من أجل ليبيا حرة، ففرض الغرب عليهم «مولانا صاحب الجلالة الملك المعظم محمد إدريس السنوسي حفظه الله ورعى ولي عهده المحبوب»، كما يفرض اليوم عليهم «مجلس عبد الناتو» ورعاعه. «ليبيا الحرة» تبكي اليوم، على بقايا بلاد، عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف الجرحى والمهجرين والمفقودين، كما كانت «ليبيا الاستقلال» تبكى شهداء معارك الاستقلال المجيدة التي قادها شيخ الشهداء عمر المختار ورمضان السويحلي وسيف النصر عبد الجليل ورفاقهم الكثر.
لا جديد تحت الشمس في ليبيا، و«الربيع العربي» يستحيل في ليبيا سايكس ـــــ بيكو جديدة!
* كاتب فلسطيني