لا بأس من أن تقع في كلّ أنواع التناقض وأن ترتكب كلّ أنواع المغالطات أو الأخطاء، إذا كنت «صاحب قضية»، هي، دائماً، معاداة طرف ما، خارجي أو داخلي، أو إذا كنت تسعى إلى استعادة موقع أو سلطة أو نفوذ، أو الاثنين معاً. ذلك ما ينطبق على استنتاجات وسياسات و«تنظيرات» الفريق المسيحي في تحالف 14 آذار، الذي يوجّه، أيضاً، نشاط ومعظم سياسات ومواقف «الأمانة العامة» للفريق الآذاري المذكور.

يرفع ذلك الفريق الآن، راية «الربيع العربي». تنطبق تلك التسمية حصرياً على انتفاضات ونشاط الشباب العربي، ما تقدّم منهما وما تأخّر، ضد الاستئثار والقمع والاستبداد والتبعية والاستغلال ومن أجل الحرية والعدالة... وهي انتفاضات شاملة، وإن كانت جزئية هنا وواسعة هناك. إنّها تبدأ من محمد بو عزيزي في تونس، لتصل إلى احتجاجات بعض فتيات وسيدات المملكة العربية السعودية، التي ووجهت بالقمع والمنع والسجن، من أجل الحق في قيادة سيارة، وصولاً إلى مصر وليبيا وسوريا والبحرين والأردن وعُمان والجزائر والمغرب ولبنان...
«الربيع العربي» بذلك المعنى، هو «حالة نوعية» في سياق تراكم نضالي كمي مستمر منذ عقود. وهو يتميّز بأنّ العامل الشعبي العفوي منه قد تخطّى، بسبب عمق واتساع المعاناة، وبسبب دور مؤسسات الإعلام الفضائية وأدوات التواصل الإلكترونية، قوى وصيغ النضال التقليدية الثورية والإصلاحية والقومية...
و«الربيع العربي» بتلك المواصفات الأصلية، لا يقع ضمنه حتماً، التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا، ولا «الاحتضان» الأميركي والخليجي للتغيير الذي حصل في مصر وفي تونس، ولا غارة قوات «درع الجزيرة» على احتجاجات ومطالب المعارضة البحرينية، ولا إطلاق حملة «البيعة» وتجديد الولاء للأسرة السعودية...
لا يدخل ضمن ذلك «الربيع» أيضاً، تمسك فريق 14 آذار، على نحو عام، والفريق المسيحي فيه تحديداً، بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين، أي التمسك بنظام الطائفية السياسية وبالديموقراطية الطوائفية. ولا يدخل فيه الإصرار على ذلك الفهم المشوّه والمغرض والمريض لـ«اتفاق الطائف» الذي يسقط جوهر الاتفاق، وهو البنود الإصلاحية فيه، التي كرّسها الدستور اللبناني في نصوص ملزمة، وذلك بموجب القانون الدستوري الرقم 18/1990 م.
وعلى الصعيد الخارجي، لا يمكن أن يدخل أبداً، ضمن الادّعاءات الريادية والإصلاحية للفريق المذكور، إعلان تحالفه الصريح وحتى المفاخر، مع دول «محور الاعتدال العربي»، كما جرى إقراره في وثيقة مؤتمر «البيال» في 2008 و2009. فمن المعروف أنّ بعض تلك الدول قد سقط نظامها تحت تأثير انتفاضات «الربيع العربي»، كما في مصر وتونس، والبعض الآخر، ما زال، برشوة وقوة المال الهائلة، وبشراسة القمع، وبحراسة الأساطيل الأميركية، مستمراً في إدارة أنظمة يعود تخلفها السياسي (وخصوصاً الاجتماعي) إلى ما قبل القرون الوسطى!
لقد جرت دائماً صياغة مواقف وسياسات وتحالفات الفريق المذكور تحت تأثير، بل بسبب عقدة الدور السوري في لبنان، في مرحلة الإدارة المباشرة السورية للبنان، وفي المراحل التي سبقتها أو لحقتها. والجديد اليوم هو الاستنفار الذي فرضه موقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي على ذلك الفريق، حين حاول التمايز النسبي عن سياسة سلفه الكاردينال نصر الله صفير. لقد قامت الدنيا ولم تقعد بعد، وخصوصاً إثر التصريح الذي أدلى به البطريرك الراعي وأعرب فيه عن هواجس ومخاوف من تداعيات الوضع في سوريا. وكذلك تصريح الراعي بشأن مطالبة الولايات المتحدة والغرب، بالضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان، وتسليح الجيش اللبناني. لقد عُقد لقاء «سيدة الجبل» لإعلان ردّ إجمالي على «خروج» البطريرك عن «ثوابت الكنيسة» العامة حيال الوضع في لبنان، ولتأكيد الموقف «المسيحي» «التقليدي» حيال العلاقة مع سوريا ومع حزب الله. في المسألة الأولى، تُدفع مقولة «الريادة» اللبنانية إلى مداها الأقصى في اعتبار اتفاق الطائف «نموذجاً يقدّمه لبنان لإرساء ديموقراطية عربية تقوم على الجمع بين المواطنة والتعددية». وليس المقصود هنا «اتفاق الطائف» بنصه وروحه، بل المقصود كما أسلفنا، التطبيق المشوّه والمغرض والمريض له، على غرار ما يعانيه لبنان واللبنانيون. وفي ظل ذلك المفهوم الطائفي ـــــ المذهبي جرى اتخاذ موقف سلبي من تحرّكات فريق من الشباب اللبنانيين ضد النظام الطائفي. وكذلك ينظر ذلك الفريق إلى كلّ دعوة لإلغاء الطائفية السياسية احتراماً وتطبيقاً لنصوصه الملزمة، بوصفها دعوة طائفية للنيل من «المناصفة» والمحاصصة...
ويلحّ فريق «سيّدة الجبل» بالجملة أيضاً، على رفض سياسة التعامل مع المسيحيين كأقلية لأنّه «أمر مذل»، ولأنّ مبدأ تضامن الأقليات سيقود إلى «مساعدة أنظمة الاستبداد». ومرّة جديدة يقال الشيء ونقيضه، فأنظمة الاستبداد ممثلة، حصرياً، بنظام واحد هو النظام السوري. أما الأنظمة الحليفة، ما سقط منها وما بقي، فليست مستبدة بأيّ حال من الأحوال، وخصوصاً قيادة المملكة العربية السعودية التي تُرفع صور ضخمة لملكها في احتفالات ومناسبات فريق 14 آذار.
ولعلّ الأكثر ابتكاراً في سياق ذلك المنطق هو اعتبار فريق «سيّدة الجبل» أنّ «حمايتنا تأتي من عملنا لا من خلال وضعنا تارة في إطار حماية سورية أو إيرانية أو غربية». هذا ردّ صريح على كلام، لم يقله تماماً، البطريرك الراعي في زياراته ولقاءاته وتصريحاته. لكنّه مع ذلك، ردّ موغل في الذاتية حتى درجة نسيان «الشريك» الآخر في الوطن. ولا يجد المتابع صعوبة في أنّ سبب ذلك النسيان تعويل فريق «سيّدة الجبل» على سقوط النظام السوري، وبالتالي على تغيير المعادلات في لبنان، بما يفضي إلى استعادة سيطرة ونفوذ مفقودين...
بديهي أنّ الكلام الآخر الذي قرأناه سابقاً في وثائق قديمة ويتكرّر اليوم، عن ثقافة «العيش في ظل الدولة المدنية»، يصبح لغواً صافياً، طالما أنّ مجرّد الاهتمام بالشريك الآخر ليس وارداً إلا لنزع سلاحه وتعطيل تحالفاته العربية والإقليمية. في البرنامج الانتخابي لعام 2009 طرح تحالف 14 آذار ضرورة الجمع بين إنجاز التحرير وإنجاز الاستقلال. واليوم يجري التراجع حتى عن ذلك الشعار الذي أملته، كما يبدو، ظروف مؤقتة، علماً أنّه شعار صحيح بمقدار ما تتوحّد المفاهيم حول التحرير والاستقلال وترابطهما لبناء وحدة وطنية لبنانية حقيقية من نوع جديد.
لا يمكن الاستمرار في المراهنة على التدخل الخارجي أو على الحروب الأهلية وتسمية ذلك انحيازاً لـ«الربيع العربي» واستثماراً دائماً في مساره ونتائجه. ولا يمكن العبث بالمفاهيم والإمعان في الخطأ والمغالطة ودعوة الآخرين إلى الاقتداء بالنموذج اللبناني أي بالصيغة اللبنانية «الفريدة»!
إنّ شعب لبنان قد اجترح إنجازات حقيقية في حقول المقاومة والتحرير وفي مجالات التعلق بالديموقراطية وطلب الاستقلال. تلك الجوانب هي ما يجب عقد الرهانات الوطنية عليها. ويستدعي ذلك تصحيح المفاهيم والسياسات والتحالفات، كما يستدعي الاعتراف بالخلل القائم في أساس علاقاتنا الداخلية، والمتمثّل في نظام الطائفية السياسية والمحاصصة الفئوية. وحتى ذلك التاريخ ينبغي أن تتحرّك جملة عوامل إيجابية في الوضع اللبناني، ومن كلّ المواقع والجهات، فليست السلبيات مقتصرة على فريق واحد، وإن تفاوتت نسبها، وليست المعالجة من الصنف السهل، لكنّها ليست مستحيلة بالتأكيد.
* كاتب وسياسي لبناني