تكثر التكهنات لتفسير ما يحدث في المنطقة... هل بدأ عصر السلام؟ أم أنّه السراب في ظل التعتيم الإعلامي والتضليل الغربي لإخفاء الخطط السريّة الأميركية والغربية للهيمنة. الضبابية وازدواجية المعايير الغربية في مقاربة ملفات المنطقة في ظل الحراك الدبلوماسي والمبادرات من جهة، وتسخين الملفات من جهة أخرى، هي ما يميز هذه المرحلة من تاريخ العالم والمنطقة.


إلا أنه لا تخفى على كلّ ذي بصيرة، حدّة الصراع وتشابك الملفات والاستعدادات التي بدأ بها الغرب والولايات المتحدة للمرحلة المقبلة، فبعد الاتفاق المرحلي مع إيران «الذي يرّوج له إعلامياً بأنه نهائي»، بدأ الاستثمار الغربي في تنفيذ المرحلة التالية لتحقيق أهداف جيوسياسية.
تتسم هذه المرحلة بالحدة وبالخطورة، وتستخدم فيها كافة الوسائل والأدوات، وادعاء واشنطن بـ»مكافحة الإرهاب» ليس سوى ضرب من خيال، و»داعش» وغيرها من التنظيمات الإرهابية هي من الأدوات الأساسية التي تستخدمها الولايات المتحدة والغرب لتحقيق أهدافهما.
في الحرب على سوريا، تحرك الولايات المتحدة وكلاء الحرب، الأردن واسرائيل وتركيا والسعودية في آن واحد على كافة الجبهات، فمن عاصفة الجنوب الى التدخل الاسرائيلي في القنيطرة لحماية ارهابيي «جبهة النصرة» وصولاً الى الاتفاق الاميركي التركي الغامض باستخدام قاعدة انجرليك بحجة ضرب «داعش» وخصوم اردوغان من حزب العمال الكردي وصولا الى اليسار التركي.


هذا الغموض في
التوجه الأميركي ما هو إلا
حيلة الإدارة الأميركية

هذا الغموض في التوجه الأميركي ما هو الا حيلة الإدارة الاميركية في تطبيق مفهوم الفوضى الخلاقة، لإضعاف جميع الأطراف.
فالاستثمار في «داعش» والمجموعات الإرهابية مستمر، ليس فقط في منطقتنا، وإنما في مختلف أنحاء العالم أيضا، والمؤشرات تدلّ على دور لداعش في أفغانستان والقوقاز، وإعلان وفاه الملاّ عمر ما هو إلا بداية تحول طالبان الى «داعش» تهدد دول اسيا الوسطى ودول معاهدة شنغاهي. والتسريبات والتصريحات الإعلامية حول نية الولايات المتحدة التدخل المباشر واستهداف الجيش العربي السوري لحماية من دربتهم في تركيا، تؤكد أن الولايات المتحدة ماضية في دعم التنظيمات الإرهابية والاستثمار فيها، وتصبّ ايضا في خانة الحرب الاعلامية والضغط السياسي، ورسائل لحكام السعودية والاردن وتركيا واسرائيل بأن الولايات المتحدة ماضية في حربها على سوريا. إلا أن الواقع والحسابات الدقيقة لا يسمحان بترجمة ذلك الى تورط مباشر قد يفجر المنطقة، وله مخاطره على حلفاء الولايات المتحدة ايضاً.
حسابات الولايات المتحدة لم تتغير، فرغم الإخفاقات الكبيرة في أكثر من منطقة، من اوكرانيا الى سوريا وصولاً الى شرق اسيا، واشنطن ماضية في سياسات التوّسع والاستثمار في الارهاب من اجل تحقيق مصالح واهداف جيوسياسية. وعلى الرغم من الايحاء بانها تسعى الى تسويات سياسية، وبالأخص بعد الاتفاق «المرحلي الذي يحتوي على كثير من الفخاخ والمراحل» مع إيران حول الملف النووي، إلا ان الاعتبارات الداخلية الاميركية ومحاولة كسب الوقت لاعادة رسم الاستراتجيات الجديدة هما الدافع الاساسي.
إلا ان للجيش والقيادة السورية الكلمة الفصل، فقد أحبطت سوريا خلال السنوات السابقة الخطط والمشاريع الغربية، وصولاً إلى المرحلة الحالية، حيث ثبّت الجيش والقيادة نقاط ارتكاز مبنية على الانجازات العسكرية على الارض، وصولا الى المكاسب السياسية. في المقابل، الفوضى وعدم الاستقرار السياسي بدآ ينتقلان الى تركيا، ومقولة أن تركيا أصبحت جغرافيا زائدة وعبئا على المنطقة والعالم قد تصبح واقعاً اذا ما تمادى اردوغان في سياساته الحمقاء. فالتدخل واللعب على العامل الديموغرافي لدول الجوار، والانسياق خلف مشاريع المحافظين الجدد في المنطقة، كفيلة كلها بتفجير تركيا نفسها.
انها المحاولة الاخيرة لتغيير الواقع وموازين القوى في المنطقة من خلال احياء الخطط االقديمة، اي الخطة السرية كما يروّج معهد «بروكينغز» brookings ، والعودة الى مشروع المنطقة العازلة لإطالة الصراع وحماية «داعش» من اجل محاولة تغيير الواقع على الارض تمهيداً لفرض تسويات بالمفهوم الاميركي على سوريا، بالتوازي مع المبادرات والحركة الدبلوماسية الكثيفة في اكثر من عاصمة.
إلا أن الصمود السوري الأسطوري أحبط هذا المخطط قبل أن يبدأ، ولا يمكن للولايات المتحدة وتركيا تجاوز الخطوط الحمر التي رسمها محور المقاومة وروسيا. فللقوة حدود وحسابات دقيقة تمنع تفجير المنطقة، ولا بد للولايات المتحدة والغرب من الاقرار بانتصار الدولة السورية. ولن تستطيع الولايات المتحدة والغرب أن يحققا في السياسة ما لم يستطيعا تحقيقه في الميدان.
الولايات المتحدة تلعب بالاوراق... تارة تدعم الأكراد وتارة أخرى تسلّط أردوغان لمحاربتهم... وداعش «حدّث بلا حرج»، إنها حصان طرواده المفضل لواشنطن، والاستثمار في هذا التنظيم الارهابي مستمر ودوره سيكون اكبر في المرحلة المقبلة، وسوف ينتقل التسخين والتصعيد الى اوكرانيا وجنوب شرق اسيا، فما زالت عين الولايات المتحدة على اسيا الوسطى والصين. الديناميّات السياسية التي يُراهن عليها من أجل تغيير موازين القوى على الأرض، من خلال العوامل التي أثرت في مسار الصراع من تدفق مستمر من المال، والأسلحة، والدعم السياسي والإعلامي للمجموعات الإرهابية، لن تؤدي الى نتيجية، أو إلى تغير في الموازين الاستراتيجية، فالجيش السوري والقوى الحليفة قد أتقنا رسم الخطوط الاستراتجية لإحباط مخططات الحرب، وثبّتا نقاط ارتكاز على كافة الجبهات، تمهيداً لإسقاط ما تبقى من قوى إرهابية. لقد استنزفت كل وسائل الحرب على سوريا، التي صمدت وغيرت معالم المنطقة. ولن تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض تسويات بالمفهوم الاميركي. صحيح ان عصر السلام الاقليمي والعالمي ما زال بعيد المنال، الا ان اطراف الحرب ايقنوا ان اسقاط الدولة السورية هو السراب بعينه، ولا بد من التراجع خطوات الى الوراء، وقبول الحلول السياسية التي فرضتها حقائق الصمود السوري... وتبقى مفاتيح المشرق راسخة في دمشق.
* باحث سوري