هنالك اليوم حراكان رئيسيان في العالم. الأول يبدو كأنّه يعمل على تقويض بنى أمنية راسخة عبر الاستعانة بخبرات إمبريالية غير تقليدية. والثاني يعمل باتجاه مفارق العمل الأول، أي باتجاه الاشتغال على تقويض البنى الرأسمالية الإمبريالية التي يطيب للفريق الأول استحضارها من دون تمحيص يذكر. تلك خلاصة أولية لما قد يخرج به المرء من متابعته لأحداث الانتفاضات في المركز الرأسمالي وأطرافه البعيدة. طبعاً يسجل للأطراف أنّها سبقت المركز في النهوض بالفعل الاحتجاجي، لكن نهوضها ذاك سرعان ما انتكس بمجرد دخول سلطات المركز على الخط واستحواذها الكامل على الاحتجاجات، وإلحاقها إياها باستراتيجية الخروج من النهب الاقتصادي بالمزيد منه. فمن المعروف اليوم أنّ بنية الاقتصادات الرأسمالية تزداد تآكلاً، رغم كلّ الدعاية التي حاولت إيهامنا بالعكس، بعد انفجار الفقاعة العقارية ومحاولة احتوائها صورياً. وعندما اتضح أنّ الأزمة بنيوية فعلاً هذه المرة، ولن تنفع معها الحلول الترقيعية من داخل النظام، جرى العمل مباشرة على إحياء «التراث التقليدي للرأسمالية». تراث يقضي باستعارة «حلول خلاقة» من خارج النظام، ما دامت الحلول من الداخل قد استنفدت تماماً. والحال أنّ «الخارج» هنا ليس تماماً كذلك. لنقل إنّه «خارج» يشتغل بميكانيزمات النظام ذاتها، ولكن من موقع طرفي منفصل عن المركز ومتصل به في الآن ذاته. وهذه هي حال معظم اقتصادات المافيا في المنطقة العربية. وهي اقتصادات تؤدي دوراً وظيفياً بالنسبة إلى الغرب الرأسمالي. ومن جملة وظائفها كاقتصادات تابعة، إبقاء نمط الإنتاج الذي يصدّر الثروة الخام (النفطية والغازية... الخ) إلى كارتيلات الغرب بمنأى عن التصويب الإيديولوجي الصلب. ويمكن القول هنا إنّ توجّس النيوليبرالية العربية من ذلك الأمر في غير مكانه تماماً. إذ لم تطرح أي من الانتفاضات العربية الجارية أي برنامج (أو حتى شعار) يتصل بتفكيك النموذج الاقتصادي المافياوي القائم من المحيط إلى الخليج. وكلّ ما طرحته حتى الآن من شعارات، يبدو قابلاً للاستيعاب من جانب «النخب» النفطية المافيوزية، وعملائها العرب. وإذا حصل وخرج صوت ينادي ببرامج بديلة، أو يطرح شعارات تحذّر من مصادرة الإمبريالية للحراك الشعبي، يجري إسكاته وتهميشه فوراً (كما حصل مع هيثم مناع عندما تحدث بصراحة عن التمويل الأميركي والرعاية النفطية للمعارضة الكولونيالية السورية المتمثلة بالمجلس «الوطني» الهزيل). وفي أجواء مماثلة، لا يعود التذمر من مآلات الحراك الشعبي أمراً مستغرباً. فالحراك اليوم يظهر كما لو أنّه فقد كثيراً من زخمه وتدفقه. وهنا يجب الوقوف على بعض الأسباب التي أدت لذلك، ومن أهمها عدم إيلاء القيّمين على الحراك أهمية تذكر للعامل الطبقي. وهو عامل مركزي في فهم آلية النهب التي تنتهجها المافيات الكومبرادورية الحاكمة وتجيّرها لاحقاً للسادة البيض القذرين في الغرب. وما حدث بالضبط هنا أنّ إغفال ذلك البعد قد جرّد الحراك من بعده الراديكالي، وألحقه على نحو فظّ ومبتذل للغاية، بعملية إعادة إنتاج السلطة المافياوية على النحو الذي تريده دوائر نفطية (قطر والسعودية)، مرتبطة عضوياً بالمركز الرأسمالي. وليس من قبيل الصدفة أبداً أنّ تلك الدوائر هي التي ترعى اليوم أكثر «المعارضات العربية» رجعية ونيوليبرالية وتذلّلاً للغرب. معنى ذلك أنّ الحراك لم يعد جذرياً بما يكفي لتحجيم تلك الوصاية الرجعية عليه. أصلاً لم يطرح سؤال الرجعية والعمالة للغرب على أجندة الحراك، حتى يصار إلى مناقشته لاحقاً. وكلما أراد المرء أن يعيد طرح السؤال ذاك، وأن يدمجه بدينامية الانتفاضات الطرفية، كان يواجه بحجة تقول إنّ ذلك ليس بأولوية الآن. حسناً. تعالوا نناقش إذاً أولويات الحراك. أولاً «الحماية الدولية» من بطش أجهزة الأمن. حماية على النّسق الليبي طبعاً، أي حظر جوي بداية، يتبعه تدمير للدفاعات الجوية للنظام (هكذا، يراد لنا أن نغفل أنّ الدفاعات هي ملك للبلد لا للنظام الذي يستعملها اليوم كيفما اتفق). وفي الأثناء، تتخلل عملية التدمير بعض «الأخطاء الجانبية» على الطريقتين العراقية والأفغانية (أقرأ: قتل العشرات والمئات من المدنيين بذريعة ومن دونها)! ماذا نكون قد فعلنا حينها؟ ببساطة نكون قد سوّغنا تماماً فكرة التدخل الإمبريالي تحت ذرائع واهية، وأعدنا إنتاج فكرة الضحية على نحو تراتبي مدرسي: من هو ضد النظام يصبح تلقائياً «مع التدخل الإمبريالي» الذي سيحميه من النظام، ومن هو مع النظام سيصبح ميكانيكياً «ضد التدخل» الذي سيتركه عارياً ومن دون حماية تذكر. لكن، ماذا عن الطرف الثالث الذي يقف ضد النظام والتدخل الإمبريالي معاً، ويعتبر أنّ «اشتباكهما» أو «اتفاقهما» لاحقاً، لا يعنيانه في شيء ولا يتيحان له شرطاً موضوعياً لتفكيك الصراع الذي يدور حوله وعليه؟ الأرجح أنّ ذلك الطرف سيتشدد تجاه أي معادلة قسرية تحاول وضعه تحت الأمر الواقع. ذلك أنّ فكرة الاختزال وتنميط خيارات الأفراد والكتل الجماهيرية لم تعد كما كانت من قبل. فما كان «ترفاً» بالأمس، كفّ اليوم عن كونه كذلك لأسباب موضوعية، منها أنّ الخيار بين دوام الاستبداد المصحوب بالنهب المنظم واستدراج أنماط استعمارية لا يعنيه إلا تجذير آليات النهب قد انتفى تماماً. وبدلاً من التسليم بذاك الخيار المستحيل والعبثي، ارتأى البعض ألا يكون جزءاً من معادلة تبسيطية تزعم أنّها أخلاقية، لكنّها تناقض نفسها عندما تجرّد نضالها ضد الاستبداد من بعده الاقتصادي ـــــ الطبقي. فاختزال الصراع ضد الديكتاتوريات إلى بعد سياسوي فحسب، سيجعل منه صراعاً على السلطة المافياوية، لا على ما ورائها. وعندما تكون الدولة هي التي تقبع وراء السلطة، يفقد الصراع عملياً جوهره الحقيقي. والسبب في ذلك أنّ الصراع على سلطة بلا دولة هو صراع عبثي تماماً. وكلّ الدماء التي تسفك على طريق صراع مماثل لن يكون لها «رصيد» فعلي يمكن البناء عليه. ومن يصل إلى نتيجة مماثلة سيجد نفسه حتماً أمام حائط مسدود. حائط سيرفع الحرج عن بعض الراديكاليين المتشائمين، وسيسهّل عليهم قول ما لم يكن ممكناً قوله قبل استعصاء الحراك الشعبي: سيّان إن حكمتنا المافيات القائمة أو «المافيات القادمة»، ما دام الجذر الطبقي المنحاز للاثنتين هو ذاته.

لهذه الأسباب تحديداً لا يبدو أنّ انتفاضات الأطراف ستحقق ما أوهمتنا بأنّها ستفعله، عندما بدأت نضالها ضد الديكتاتوريات القائمة. لكن ما يسجل لها أنّها غذّت لدى آخرين يقبعون على الطرف الآخر من العالم فكرة جوهرية تقول إنّ العسف ضد الأفراد والجماعات والكتل الجماهيرية لم يعد قدراً يمكن التعايش معه. طبعاً يحلو لكثيرين في المنطقة العربية نسب صحوة الكتل الشعبية في المركز الرأسمالي إلى حراكهم في الأطراف. وهو أمر صحيح من حيث المبدأ، لكن صحته جزئية وناقصة بعض الشيء. فما وصلنا من أخبار عن بدايات الحراك في الغرب (إسبانيا ومن ثم أميركا) يشير فعلاً إلى تأثر واضح بالعزيمة الاستثنائية التي أبداها التونسيون والمصريون مبكراً ضد ديكتاتوريتي بن علي ومبارك. وفضلاً عن العزيمة وقوة الإرادة في البدايات الوردية، هنالك أيضاً الشكل الذي أبدعه المصريون في ميادين التحرير المتعددة، وكان له كبير الأثر على حراك الشارع الإسباني. نعلم اليوم أنّ الفضل في انطلاق حركة «الغاضبين» في إسبانيا على ذلك النحو الراديكالي، يعود إلى الحيز الذي انتزعوه في مدريد، وجعلوا منه صنواً لميدان التحرير في القاهرة. غير أنّ التشابه بين الحراكين يكاد يقف عند هذا الحد. ذلك أنّ الشعارات التي رفعها المصريون في 25 كانون الثاني الماضي (عيش (خبز)، حرية، كرامة إنسانية) لم يبق منها اليوم إلا بضع مطالبات سياسوية تتعلق بدعوة المجلس العسكري (لا إرغامه كما هو مطلوب) إلى الكفّ عن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وإكمال محاكمة مبارك وصحبه حتى النهاية، وتطهير المؤسسات من «فلول النظام» السابق، والقصاص لشهداء الانتفاضة (لا الثورة)... الخ. تلك المطالب تمثل على نحو جزئي شعارين اثنين فحسب من الشعارات الثلاثة التي رفعها المتظاهرون (حرية، كرامة إنسانية)، أما الشعار الثالث والأول في تراتبية طرحه من جانب المنتفضين (خبز) فلم يجد له حتى الآن حاملاً موضوعياً يخرجه من حيّز الرطانة المحضة. لن أدخل في تعداد أسباب هذا الانتفاء لأنّها كثيرة أولاً، ولأنّ «الشرط الموضوعي» الذي أعاق وجود الحامل ذاك في مصر ما بعد «الثورة» هو ذاته الذي سمح بوجوده في إسبانيا حركة الغاضبين. فإسبانيا بخلاف مصر دولة شبه صناعية تنتمي إلى المركز الرأسمالي، وفيها طبقتان من الممكن النفاذ عبرهما إلى شكل من أشكال الصراع الطبقي: الأولى بورجوازية مترفة ومعوّقة تقليدياً للتحوّل الديموقراطي الجذري (وهو يتعدى صراع الأحزاب السلطوية الممثلة للنخب الأوليغارشية في الدول الرأسمالية). والثانية وسطى عاملة ومصعّدة في سياق صراعها مع الأولى للصراع. كان ممكناًَ في تجربة إسبانيا المغايرة للتجربة المصرية، بلورة صيغة جنينية تؤجج «الصراع الطبقي» وتمضي به إلى خواتيمه، لولا فضّ الشرطة الإسبانية بقوة القمع لمخيم «الغاضبين» في أيار الماضي. فهذا الانفضاض المبكر أحدث ما يشبه القطيعة مع فعل الصيرورة الذي بدأ جنينياً في مصر وتونس، وما كان له أن يكتمل فيهما لأنّهما لا تنتميان إلى دول المركز الرأسمالي. ولحسن الحظ أنّ الشرارة التي ظننّا أنّها انطفأت في أيار الماضي عادت للاشتعال مجدداً، لكن على نحو مفاجئ جداً هذه المرة، وصادم حتى لأكثرنا تفاؤلاً. الشرارة الجديدة بدأت كما بات معلوماً من قلب القلب بالنسبة إلى النظام الرأسمالي (من وول ستريت طبعاً). وإذا كانت انطلاقتها من هناك مفاجأة حقيقية، فإنّ المفاجأة الأكبر كانت في أمرين اثنين: امتدادها العارم إلى عموم أميركا والعالم، وتجذّرها شعبياً وإيديولوجياً على نحو لم يسبق له مثيل في بلاد لم تعرف يوماً معنى حقيقياً للصراع بين الأغنياء والفقراء. وبمعزل عما إذا كان ذاك التمدّد (الأفقي والعمودي) سيحدث فرقاً أو لا في بنية السياسة الأميركية المنحازة تاريخياً لمصلحة النخب الرأسمالية، فإنّ التغيير هناك قد وقع فعلاً. وهو «تغيير تاريخي» بلا شك، وسيفتح في المستقبل المنظور أفقاً على تغييرات مماثلة في الأطراف التي لم يكتمل حراكها الشعبي التاريخي بعد. لقد كان ماركس مخطئاً عندما أناط قيادة عملية التحوّل التاريخي بطبقة تملك «قابلية للاضمحلال والزوال»، غير أنّه كان على حقّ تماماً عندما حصر إمكانية قيام هذا التحوّل في حيز جغرافي محدد، تسوده مجتمعات أنجزت ثوراتها الصناعية والما بعد الصناعية، وتتهيأ الآن «لثورتها» الأخيرة ربما. «ثورة» لا يقودها الفقراء هذه المرة، لكن من يقودها من كتل شعبية راديكالية لا يفعل ما يفعله إلا من أجل الفقراء. هم لا يدّعون ذلك، لكنّهم يعملون لأجله فحسب. هكذا تبدأ الثورات عادة، لكنها لا تنتهي دائماً كذلك.

* كاتب سوري