لا شك في أنّ النظام الدولي يشهد، ومنذ سنوات عدّة، مجموعة تحوّلات دراماتيكية سواء في طبيعته، تحدياته، لاعبيه وأدواته، وهو ما يُنتج جملة من التساؤلات حول التداعيات العميقة لتلك التحوّلات على الأوضاع والأنظمة الاقتصادية، السياسية والعسكرية في العالم، غير أنّ واحداً من أبرز تلك التساؤلات يدور حول ما يمكن تسميته «محور الصراع الدولي» أي النقطة المركزية لصراع القوى الدولية التي تتيح السيطرة عليها لطرف ما إمكانيةً متقدمةً لتكريس زعامته وهيمنته الدولية. تاريخياً لطالما تغيّر ذلك المحور بحسب طبيعية النظام الدولي وهوية المتنافسين الدوليين، وقد تولى الجيوبوليتيكيون مهمة تحديد ذلك المحور وموقعه، حتى أنّهم اتُهموا بتشجيع وتبرير الحروب والتوسع من خلال حث حكوماتهم على ضرورة السيطرة على مناطق إستراتيجية محددة.

أما اليوم فيدور تساؤل حول ما إذا كان الشرق الأوسط سيبقى المحور الأبرز لصراع القوى الدولية وبالتحديد بالنسبة إلى الولايات المتحدة. إنّ من شأن الإجابة بالنفي أو الإيجاب عن ذلك التساؤل أن تنتج بدورها سلسلة فرضيات ونتائج غير قابلة للتجاهل. بالمجمل، يظهر أنّ هناك ميلاً متصاعداً للإقرار بأنّ الشرق الأوسط بدأ يخسر بريقه وأولويته بالنسبة إلى الولايات المتحدة لصالح صعود الاهتمام والقلق الأميركي في محور آخر: الباسيفيك أو منطقة المحيط الهادئ، وهو تحوّل تدعمه جملة حجج ووقائع من الصعب تجاهلها. إذ يتصاعد القلق الأميركي بنحو مثير من الصعود الصيني المذهل الذي يراه الأميركيون التحدي الأكثر جديةً وخطورةً لهيمنتهم الدولية والإقليمية. يحاجج أرفيند سوبرامانيان في مقالته في مجلة «فورين أفيرز» (القوة العظمى الحتمية: لماذا تفوّق الصين أمر مؤكد؟ عدد أيلول /تشرين أول 2011) بأنّ الصين ــ وبناءً على معدل نمو ناتجها القومي، حركتها التجارية، وقدرتها على العمل كمؤتمن لباقي العالم ــ ستسبق الولايات المتحدة في قيادة العالم اقتصادياً، وذلك بشكل كبير، وبوقت أبكر مما يتوقع كثير من المراقبين. من ناحيته، دعا ستيفن والت في مقالته الطويلة حول «نهاية العصر الأميركي» الى أن تحوّل واشنطن «اهتمامها الإستراتيجي الى آسيا بسبب أهميتها الاقتصادية وصعود الصين المنافس الوحيد المحتمل لنا». (موقع المصلحة القومية، 25 تشرين الأول 2011).
في السياق ذاته يعيش حلفاء واشنطن في شرق آسيا والباسيفيك قلقاً مماثلاً على خلفية تصاعد النفوذ الصيني، إلا أنّ قلقاً موازياً يسيطر عليهم مصدره الشك بمدى التزام الولايات المتحدة بمنع الصين من الهيمنة على المنطقة، وذلك ما يوجب على الأميركيين إبراز صدقيتهم تجاه حلفائهم هناك عبر تكريس مستوى متصاعد من الاهتمام والحضور والموارد.
تمثّل منطقة آسيا ــ الباسيفيك مركز الثقل العالمي ديموغرافياً، اقتصادياً، وسياسياً، إذ إنّها تحتضن أبرز القوى الصاعدة حالياً، أي كوريا الجنوبية، اليابان، الهند والصين. وهي تحوي أو تلامس قوى دولية تقلق الأميركيين مثل كوريا الشمالية، روسيا، وباكستان. يضاف الى ذلك كلّه تعدد الممرات البحرية الإستراتيجية أمنياً وتجارياً، وثروات بحر الصين الكامنة والمكتشفة. لذلك يعتقد جوزيف ناي أنّ «آسيا تعود لوضعها التاريخي باستحواذها على نصف سكان العالم ونصف القوة الاقتصادية العالمية، ولذلك يجب ان تكون أميركا موجودة هناك، ويجب رصد موارد كافية لهذه المهمة». (الأسلوب الصحيح لتقليص النفقات، نيويورك تايمز، 4 آب 2011).
تظهر الصين ميلاً واضحاً إلى تمتين وتحديث قدراتها العسكرية كما تكشف ارقام موازنتها العسكرية التي تتزايد تقريباً بمعدل 12% سنوياً، وهو ما يؤدي الى كسر توازن القوى في المنطقة لصالح الصين لا سيما متى تعلق الأمر بقضية تايوان.
لطالما استندت قيمة الشرق الأوسط إلى ركنين اثنين: النفط وإسرائيل، إلا أنّ الولايات المتحدة بدأت تتعاطى بمقاربة مختلفة تجاه هذين الملفين. يسعى الأميركيون والغرب عموماً الى تقليص الاعتماد على الموارد النفطية على أساس أنّ معظم تلك الموارد تشكل حجر الزاوية في قوة خصومهم كإيران وروسيا وفنزويلا، لذا تتصاعد الاستراتيجيات والسياسات الهادفة الى زيادة الاعتماد على الطاقة البديلة، تعزيز كفاءة الطاقة، تقليص الاستهلاك الطاقوي، والبحث عن مصادر بديلة للطاقة الاحفورية، لا سيما عبر التنقيب في النطاق الوطني. يضاف الى ذلك اعتقاد واشنطن أنّها استطاعت تأمين أغلب مصادر النفط في الشرق الأوسط من خلال تعزيز القدرات العسكرية التقليدية لدول الخليج بصفقات تسلح هي الأضخم في التاريخ. أما من ناحية إسرائيل، فيعتقد الأميركيون أنّها رغم فقدانها قدرتها على شن الحرب والتوسع فهي قادرة على ردع خصومها وإحباط أي محاولة هجومية مهما كانت.
حتى على مستوى الرأي العام الأميركي يبدو التحوّل واضحاً، ففي استطلاع حديث للرأي العام الأميركي حول العلاقات الأميركية ــ الأوروبية تبيّن أنّ 51% من الأميركيين يعتقدون أنّ المصلحة القومية الأميركية تكمن في العلاقات مع الدول الآسيوية كالصين واليابان وكوريا الجنوبية، في مقابل 38% صوتوا لصالح الاتحاد الأوروبي. (صندوق مارشال الألماني التابع للولايات المتحدة، برنامج تعزيز التعاون العابر للأطلسي، اتجاهات أطلسية ، استطلاع 2011).
يُظهر مسؤولو الإدارة الأميركية إشارات واضحة بشأن ذلك التحوّل، إذ حذرت كلينتون «من اي انسحاب اميركي من المحيط الهادئ نتيجة تقليص النفقات... لأنّنا نعلم انّنا نواجه تحديات على المدى الطويل حول كيف سنتأقلم مع ما يعني صعود الصين». لم تكتف كلينتون بذلك، بل كتبت مقالاً طويلاً في «فورين بوليسي» بعنوان « قرن أميركا الباسيفيكي»، أشارت فيه الى انّه في لحظات شح الموارد «يجب الاستثمار بحكمة، إذ يمكن أن تكون العوائد أكبر، ولذلك تشكل آسيا ــ الباسيفيك فرصة القرن الحادي والعشرين بالنسة إلينا». وكل ذلك مرتبط بحفظ قدرة أميركا على قيادة العالم. أما التعبير الأكثر دلالةً فكان من نصيب رئيس أركان الجيوش الأميركية في تشرين الثاني 2010 عندما قال إنّ هذا القرن هو « قرن الباسيفيك»، مشدداً على أنّ الولايات المتحدة لن تترك الإقليم الذي يمتاز بكونه «منطقة حاسمة اقتصادياً، والسلام والاستقرار في هذا الجزء من العالم مطلق الحيوية ولن نتخلى عنه لأي أحد».
إن التراجع الأميركي وما يرافقه من تقليص للإنفاق العسكري وللالتزامات الأميركية وتركيزها تجاه المصالح الحيوية للأمن القومي الأميركي، سيؤدي الى انتقال تدريجي لمحور الصراع الدولي من الشرق الأوسط باتجاه شرق آسيا ــ الباسيفيك حيث المنازع الأبرز لهيمنة الولايات المتحدة، أي الصين. ويعدّ ذلك الانتقال الثالث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعدما تركز الصراع في النطاق الأوروبي خلال الحرب الباردة، قبل ان ينتقل الى الشرق الأوسط حيث تلقت الولايات المتحدة ــ ومعها إسرائيل ــ هزائم كارثية رغم بعض النجاحات التكتيكية وهو أبرز أسباب تراجعها الحالي. وعليه، فالمواجهة الدولية القادمة ستتركز في نطاق منطقة الباسيفيك وهي مواجهة سترسم مستقبل القوتين الكبريين ودورهما في العالم.
سيكون هذا التحول تحديّاً للقوى الفاعلة في الشرق الأوسط لإيجاد صيغة جديدة للأمن والتعاون الإقليمي للحد من اللجوء لسياسات القوة والعنف، إلا أنّ التحدي الأبرز سيكون من نصيب حلفاء واشنطن لا سيما إسرائيل التي ستجد نفسها في بيئة إقليمية أكثر تعقيداً وبمستوى أقل من الرعاية والحماية الدولية. كما ستصبح المنافسة في الشرق الأوسط تابعة للمنافسة الأصيلة في الباسيفيك، لا سيما بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة ثانية. يبدو أنّ جراراً كثيرةً ستكسر في الشرق الأوسط خلف «الضيف الثقيل»، إذ لن يكون الانسحاب الأميركي من العراق إلا البداية.
* باحث لبناني