من نافل القول إنّ ثروات أي بلد هي زورق نجاته ووسيلته إلى حياة كريمة لشعبه ومستقبل أجياله، وخاصة في وضع دولي شديد الاضطراب كالذي نعيش فيه. ولكن من نافل القول أيضاً إنّ هذه القاعدة البسيطة قلّما تجد طريقها إلى التطبيق، خاصة في عالمنا العربي، وبالتأكيد ليس العراق استثناءً من ذلك.

لو تابعنا السياسة الاقتصادية النفطية للعراق، لوجدنا خللاً كبيراً. فالحكومة تبدو مثقلة، إضافة إلى صراعاتها الداخلية، بمصارعة الضغوط الهائلة في معركة مصيرية أمام تحالف الشركات الكبرى وحكومة كردستان التي تلقي بكل ثقلها لدعم الشركات من أجل تحطيم إرادة الحكومة وفرض العقود المجحفة التي تحاول الشركات العملاقة فرضها على العراق.
من جهة أخرى، لم تقدم الحكومة خطة اقتصادية استراتيجية مقنعة يلتف حولها الشعب. وبدلاً من ذلك، يفاخر المسؤولون بخطط لرفع «الإنتاج» إلى أرقام قياسية. وتشرح عناوين الصحف توجه الحكومة مثل: «بغداد تتطلع إلى منافسة الرياض في إنتاج النفط الخام». وعدا الحقائق التي تبيّن الفارق بين العراق والسعودية التي وصلت إلى تلك المرحلة بعد 70 عاماً من التطوير الذي شمل البنية التحتية وبناء المصافي وشراء الناقلات، فإننا نتساءل: ما الذي كسبته السعودية من هذا «الإنتاج» البالغ لكي يُقتدى بتلك السياسة؟ وأين ذهبت أموال تلك الثروات الهائلة التي جرى ضخّها؟ لقد ذهبت لدعم بنوك أميركا وإنكلترا في أزماتها، وشراء ترسانة هائلة من الأسلحة لهدف غير واضح، فلماذا يريد العراق السير في طريق هذه نتائجه؟
في الماضي كتبنا عن تعامل حكومة إقليم كردستان السيّئ مع ثرواتها النفطية، إذ لجأت إلى مختلف الحيل لحرمان شعبها من قيمة ثروته، ومنها تسجيل المناطق المستكشفة مناطق استكشافية، لتتمكن من تسليمها إلى الشركات بعقود زهيدة. ثم وقّعت عدداً كبيراً جداً من العقود في زمن قياسي، كأنّها لص يسارع إلى لملمة ما خفّ حمله وغلا ثمنه، قبل أن يطلع عليه النهار. واليوم يتكرر المشهد على مستوى العراق. فـ«الحكومة المركزية «تركض» لتوقيع العقود النفطية والغازية، إذ إنّ عدد العقود التي وقّعتها الحكومة المركزية قد بلغ 15 عقداً خلال أقل من عامين (في دورات التراخيص الثلاث)، ويُنتظر أن توقّع 12 عقداً آخر في الربع الأول من 2012، مقارنة بـ25 عقداً وُقّعت في إقليم كردستان خلال أربع سنوات. ولكن ما وُقّع من العقود في إقليم كردستان العراق كان لاحتياطيات محدودة، أما ما وُقّع في الوسط والجنوب فهو لاحتياطيات عالية قد تصل إلى 70% من الاحتياطي النفطي للعراق»(1).
تبدو الحكومة مشغولة في سباق مع السعودية وكردستان، أكثر ممّا هي مشغولة بتخطيط استراتيجي للاقتصاد. والسؤال الذي يجب التركيز عليه هو: ما هو مستوى «الإنتاج» المناسب للخطة الاقتصادية للبلد؟ كم سنة سيبقى النفط في العراق في هذه الحالة؟
إني أضع كلمة «إنتاج» بين علامات اقتباس، لأنّ «إنتاج النفط» الخام ليس إنتاجاً في رأيي، بل هو سحب من الرصيد النفطي. فإن كان يصحّ إطلاق عبارة «إنتاج نفط» على استخراج النفط من الأرض، يجب أن نسمّي سحب الجبن من الثلاجة «إنتاجاً للجبن»، في الوقت الذي هو استهلاك و«صرف» له، سواء أكلناه مباشرة أم بعناه واستهلكنا ثمنه. لذلك سأستعمل كلمة «استخراج»، وهي عبارة أكثر أمانة على المعنى لكي لا أسهم في التشويش الذي تثيره كلمة اختيرت لتقلب الحقيقة.
يعود التآمر على نفط العراق إلى ما قبل الاحتلال الأميركي بفترة طويلة، ثم نشط كثيراً قبيل الغزو بقيادة رايان كروكر الذي أصبح في ما بعد سفيراً للولايات المتحدة في العراق، وكان الهدف تسليم النفط العراقي إلى الاستثمارات الأجنبية وفق عقود المشاركة. وهي السياسة التي تبنّاها رئيس الوزراء الأول الذي اختارته الولايات المتحدة للعراق، الدكتور إياد علاوي، ونشرت في «ميدل إيست إيكونومكس سيرفي» و«الغد» البغدادية في أيلول 2004 بعنوان «علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة»، وأكد فيها عقود مشاركة الإنتاج التي تصدينا لها بمعية خبراء نفط عراقيين وأجانب، فأفلت العراق (وليس كردستان) من المرحلة الأولى من المؤامرة على نفطه...
لكن الدورة الثانية من العقود فاجأت الجميع باستهداف العراق لـ«استخراج» ما يتجاوز 12 مليون برميل يومياً، بدلاً من 6 ملايين برميل يومياً، وهي الكمية المعقولة المعتمدة على حاجة العراق وقدراته، والتي كانت مخططة سابقاً. وتعني تلك الزيادة، ضمن ما تعنيه، انخفاض عمر النفط العراقي من 163 عاماً الحالية، إلى ثلاثين عاماً فقط.
من ناحية أخرى، فإنّ دورات التراخيص تعني عملياً اقتراض العراق أكثر من 150 مليار دولار، وبفوائد تزيد 5% على الفائدة المصرفية (نظام فوائد لايبر)، أي ما يزيد على عشرة أضعاف الفائدة المصرفية الحالية. نصف هذه المبالغ مخصص للمشاريع الخاصة برفع الاستخراج إلى الحدود القصوى الجديدة التي يرى الخبير فؤاد الأمير «أن لا فائدة (..منها)، بل على العكس كلها ضرر»، وأنّها «ستكون كارثة على العراق سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية». وهو ما يذكّر بكتاب جون بيركنز الشهير: «اعترافات قاتل اقتصادي Confessions of Economic Hit Man» والذي يشرح فيه أساليب السيطرة على الدول من خلال إغراقها في الديون بأمور لا تحتاج إليها.
بقيت عقود التراخيص سريّة ولم يعرف محتواها بالكامل، لكن ما جرى كشفه يبيّن أنّ في نصوص العقود مواد تحدد طريقة تعامل الحكومة العراقية مع الشركات ومرجعية تحكيمها، وهو ما جعل صحيفة «ذا غارديان» البريطانية تنشر تقريراً في تموز الماضي قالت فيه إنّ شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم BP قد أحكمت قبضتها على الاقتصاد العراقي عقب موافقة الحكومة العراقية على دفع تعويضات للشركة حتى في حال توقّف إنتاج النفط في حقل الرميلة العراقي، وإنّ تعديلات جرت على العقود تجعلها تؤثر في القرارات السياسية التي تتخذها الحكومة العراقية في ما يتعلق بمنظمة أوبك.
وتحتوي العقود الجديدة على نصوص (الفقرة 12) تلزم العراق باستمرار استخراج أقصى طاقة ممكنة من حقوله، وإذا أراد خفضها، أو حتى فشل في توفير مستلزماتها، فعليه تعويض الفرق في أسرع وقت ممكن بزيادة لاحقة في استخراج النفط عن المقرر، وإلا فهو ملزم بدفع تعويضات عن كل ما «تخسره» الشركات من جرّاء ذلك الخفض.
ومن الجانب السياسي، يتوقع أن يكون لهذه الاستراتيجية أثر مدمّر على أوبك وتوزيع حصصها. لقد كانت حصة أوبك من النفط الخام، عام 2010، 29,3 مليون برميل في اليوم، ولديها فائض مقداره ما بين 6 و7 ملايين برميل في اليوم. وبسبب حساسية سوق النفط، فإنّ أيّ زيادة إضافية قد تسبّب انهياراً في الأسعار. ولفهم حساسية سوق النفط للعرض، نشير إلى دراسة للدكتور إياد القحطاني من جامعة كولورادو تبيّن أنّ زيادة استخراج النفط بنسبة 2.5% تسبّب انخفاضاً في أسعاره بنسبة 3.8%، أي إن كمية أكبر من النفط لها عائد أقل!
حتى 2020 ستزداد حصة أوبك بمقدار 3,9 ملايين برميل/يوم عن 2010. ولو أعطيت كلّها للعراق، (وهو أمر مستبعد) لأصبحت حصته حينها 6,2 ملايين برميل/يوم ، وهو رقم بعيد عن خطته للوصول إلى 13,5. وهكذا ستجد الحكومة العراقية نفسها أمام حلّين «أحلاهما مُر»: إما القبول بمخصصات أوبك، ودفع تعويضات مستمرة عن الفرق الكبير للشركات، أي التعويض عن نقص ما قد يزيد على 6 ملايين برميل/يوم من الاستخراج، إضافة إلى دفع كامل استحقاقات الكلف الاستثمارية والتشغيلية، أو تجاوز حصتها في أوبك، واستخراج ما تتطلبه منها العقود، وهو ما قد ينتج منه تسابق بين الأعضاء في زيادة الحصص وتجاوزها، وبالتالي تفكّك المنظمة أو حلّها بالكامل!
لقد كان تحطيم أوبك دائماً هدفاً سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه منذ زمن، وكان آخر ما كشف عنه ما نشره «كريك بالاست Greg Palast» في 323 صفحة من الوثائق السرية في 2005 بشأن مقترح للمحافظين الجدد للرئيس بوش الابن لدفع العراق إلى تجاوز حصته في أوبك كثيراً، بأمل الوصول إلى انهيار الأسعار وتفكيك أوبك.
لقد فشلت تلك الخطة في حينها، لكن أصحابها لم ييأسوا بعد على ما يبدو. نتمنى أن تعود بغداد عن سياستها المدمرة لثروتها، وألا تتحول من عضو مؤسّس أساسي في أوبك في 1960 إلى محطّم لها!
* كاتب عراقي

(1) اعتمدنا هنا على دراسة الأستاذ فؤاد الأمير «نظرة في دورات التراخيص النفطية والغازية»