قبل سنوات قرأت الرواية التركيّة المُترجَمة «العاصفة المعدنيّة» (Metal Fırtına) للروائيّين أوركون أوشار وبراق تورنا، التي تروي في خيال المُؤامَرة الخصب سيناريو حرب أميركيّة ــ تركيّة بأجواء ممزوجة بين الخيال والحقيقة تتسارع فيها الأحداث بشكل عنيف، وعلى شاكلة «وادي الذئاب» يدخل البطل التركيّ إلى البيت الأبيض، ويُفجِّر قنبلة نوويّة. وإن كانت الرواية أقرب إلى روايات المُؤامَرة والخيال، إلا أنها احتوت على إشارات أقرب إلى المُستقبَل في ما يتعلق بحُروب المياه والمناخ، وأحداث العراق، لكنك يُمكِن أن تقرأ فيها النزعة القوميّة التركيّة، والرواسب التاريخيّة، وهي تستحضر تركيا الفاتح العظيم أمام العالم المسيحيّ.


الرواية السياسيّة التي تمرُّ بها تركيا الأردوغانيّة اليوم تختلف فصولها، وتتعدَّد أطرافها، وأبطالها، وإن كانت نزعة البحث عن البطل (hero) هي المُرتكَز الثقافيُّ الذي تقوم عليه قصة تركيا الحديثة أو القديمة، سواء كان البطل سلطاناً، أو خليفة، أو رئيساً.
الأب المُؤسِّس مصطفى كمال أتاتورك رفع شعار «سلام في الداخل... سلام في الخارج»، وكأنه أرادها الاستراتيجيّة التي تقوم عليها الدبلوماسيّة التركيّة، ولكن على ما يبدو أنَّ تركيا اليوم تواجه اضطراباً في الداخل، وهَيَجاناً في الخارج، وطوقاً من التحدِّيات الكبرى الإقليميّة والجيوسياسيّة في عالم مُضطرب. مرّة كانت تركيا فيه جزءاً من المُشكِلة، ومرّة كانت تركيا جزءاً منه في سياق طبيعة المنطقة، وعُمُوماً هي اليوم بحاجة إلى ثورة المُراجَعة خُصوصاً سياستها
الخارجيّة.
المُراجَعة والتقويم جزء أساسيٌّ من مهنة السياسة؛ لأنَّ علم السياسة هو فنُّ النقد الذاتيّ، بل علم المُراجَعة اليوميّة، وثقافة المُراجَعة السياسيّة طوق النجاة لكلِّ السياسات التي لم تُؤتِ أكُلَها، ولا سيَّما بعد مسلسل تساقط أوراق شجرة الإسلام السياسيِّ في العالم العربيِّ الذي بدأ مع مصر بسُقوط ورقة الإخوان المُسلِمين في مصر مرسي؛ لذا يبقى نتاج المُراجَعة هو الحُصول على اكسير السياسة الحيويّة ــ كما يراها ميشيل فوكو ــ باعتماد تكنولوجيا جيِّدة للسلطة تقوم بتوفير جملة من الآليّات للمحافظة على النسق السياسيِّ للدولة، والسلطة.
أبستيمولوجيا المُراجَعة تضع الفعل السياسيَّ على مِشرط الجرَّاح في تفسير التفاعُلات الاجتماعيّة، وفي تفكيك الأسباب، وتشخيص العلل، وإن كان تحديد نقاط الضعف في عالم الفوضى كما يقول إدوارد سعيد: «إنَّ مُحاوَلة تحديد اللوم والمسؤوليّة في مثل هذه الفوضى صعب جدّاً إن لم يكن مُستحيلاً إلا لتسجيل نقاط حواريّة»، ولكن أعتقد أنَّ موضوع المُراجَعة سوف يدخل في إطار الجدل «الأهمّ ــ المُهمّ»؛ لذا ستقوم الحركة الإسلاميّة في تركيا بالمُراجَعة الحرجة، وأمام الصورة السياسيّة القاتمة على سلم الجدل، أيّهما الأهمّ: الحركة الإسلاميّة أم السلطة، الحزب أم الرئيس، الوطن أم المُواطِن، الخط أم القيادة، أوروبا أم العرب، سوريا أم الاقتصاد التركيّ، العلاقة مع واشنطن أم العلاقة مع إيران بعد اتفاق فيينا؟ ولا سيما أنَّ مادلين أولبرايت نصحت في كتابها (مُذكّرة إلى الرئيس المُنتخَب) أوباما باختيار بديل من الإسلام السياسيِّ السعوديِّ، وأنموذج الشراكة بين الإسلام والحداثة، فكانت إسطنبول هي المحطة، وأوَّل زيارة له إلى تركيا.
الأردوغانيّة كنهج في السياسة الخارجيّة وصلت في مراحلها العامّة إلى القِمّة الشخصيّة، والطموحة لقائد غير عربيّ، لكنها تبدو اليوم أنها تدخل الدورة الخلدونيّة في قراءة علم اجتماع الدولة... هذا التراجُع يتطلب الإجابة من وحي الانفراد بحجم المصالح والقدرات في ظلِّ الأوضاع المحمومة التي تتسم بالتقلُّبات، والتوتّرات، والخُرُوج من زمن الصدمة، والمُكاشَفة؛ لأنَّ النزعة الإسلاميّة نزعة نقديّة أيضاً، ولا مناص منها... المُراجَعة التي يجب أن يقوم بها حزب العدالة والتنمية التركيّ ضرورة أن تتوالى الزلازل الجيوسياسيّة التي تـُقبـِل عليها المنطقة بشغف قاسٍ.
المُراجَعة لا تشمل القضايا السلبيّة فقط، بل مُناقشة الإيجابيّات، وتطويرها؛ لذا قال لي أحد الدبلوماسيِّين الأتراك: «هذه أوقات عصيبة، وهناك توتر كبير على حُدُودنا؛ فنلجأ إلى العولمة لنظلَّ أصدقاء الجميع»؛ لذا تبقى المسألة التي تحتاجها القيام بتصحيح جذريّ يُعالِج الرواسب المُتراكِمة التي أنهت فيها تركيا صداقتها مع كثير من الدول.
التفكير البراغماتيّ يجب أن يُعيد نفسه من جديد. خطابات عنترة بن شداد ولّى زمنها، وثورة المايكروفونات لا تأتي بأرباح استراتيجيّة، واللفظ التاريخيّ سيكون الثقب الأسود الذي يمتصُّ الحركة فيه، وتنتهي قبل فوات الأوان.
استقرار تركيا يهمُّنا، لكن ــ في المقابل ــ تركيا يجب أن يهمَّها استقرار المنطقة. ألم يقُل رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو: إنَّ دول المنطقة مثل بُيُوت الخشب، ما إن تشبُّ نار في بيت حتى تشبَّ في البيت الآخر؟ وعليه فإنَّ إطفاء بيت النار التركيِّ يجب أن يكون من خلال مُراجَعة ما يأتي:
ــ إنَّ مشاريع تحويل الأزمات الداخليّة عبر التصعيد الخارجيّ ولّت عندما عمد السادات إلى زيادة أسعار رغيف الخبز حين زار الكيان الإسرائيليّ؛ لذا فإنَّ الانتحار السياسيَّ عندما تتدخل تركيا بحُشُودها العسكريّة على الحُدُود الجنوبيّة، والتلويح بدُخُول شمال سوريا، أو في إطار مشروع المنطقة العازلة، وهل سوف تسمح روسيا وإيران بانتهاك سيادة سوريا؟
ــ الأيديولوجيا المُتزايدة في سياسة تركيا الخارجيّة تستدعي المُراجَعة، وإنَّ العلاقات بين تركيا ودول المنطقة يجب أن لا تنطلق من عُقَد شخصيّة. الخلاف بين أردوغان والمالكي والأسد والسيسي.
ــ انتخابات السابع من حزيران تضع السياسيَّ التركيَّ أمام هَيَجان داخليّ بعد أن بَدَت القضيّة الكرديّة في تركيا في طريق مسدود، وأنَّ الأكراد بدأوا بالصعود إلى الجبل بعد أن كانوا في وادي المفاوضات.
ــ حضرتُ شخصيّاً بعض خطابات صُنّاع القرار في تركيا. اللمسة الدينيّة، والشحن العاطفيَّ في توصيف الحالة الأمميّة، جعلا دعم أنقرة لحركة النهضة في تونس، وفجر في ليبيا، والإخوان في مصر مُضِرّة جدّاً على الرغم من أني أعرف بعض الأصدقاء من حزب العدالة والتنمية، وبحثتُ عن أدبيّات إسلاميّة في مُفرَدات هذا الحزب فلم أجدها إلا في خطابات قادته، وبدا كحزب مُحافِظ له آثار أو قِيَم دينيّة. المُهمّ أنَّ هناك اختلافاً كبيراً بين إسلاميّي تركيا وإسلاميّي الدول العربيّة؛ لأنَّ تجربة أحزاب تركيّا الإسلاميّة بدأت منذ السبعينيّات، في المُقابل أكثر إسلاميّي الحركات في الدول العربيّة حديثو العهد بتلك التجربة.
ــ إنَّ الحالة الإسلاميّة لا تستقرُّ مع حالات الفساد والرشى التي كشفت حالة الاستياء العامّ لدى أبناء الشعب التركيِّ، خُصوصاً عند المُقرَّبين من السلطة.
ــ تفكيك الحركة الإسلاميّة في تركيا بعد الصراع مع جماعة فتح الله غولن، ما يعتقد أنَّ لها الأثر البالغ في ذلك التراجُع على المُستوى الداخليّ.
ــ لا تُوجَد نظريّة في العلاقات الدوليّة هي نظريّة مُقدَّسة؛ لذا أمام النظريّات التركيّة الحاليّة، ومُهندِسها أحمد داود أوغلو، يستدعي أن تبحث لماذا هي حاليّاً ليس لديها سفراء في خمس دول شرق أوسطيّة، من بينها: سوريا التي كانت صديقاً سابقاً، وليبيا، ومصر، وأين حلّت نظريّة صفر مشاكل من السياسة التركيّة؟
ــ حلّ العُقدة الكبرى اليوم في تعامُل تركيا مع داعش بنوع من الصراحة خارج السياق الدبلوماسيِّ. تركيا التي تارة تتعامل مع داعش كعدوٍّ كما حرَّكت في القريب قاعدة أنجرليك لمُحارَبة داعش، أو وسيط مُفاوَضات كما حصل في الرهائن الأتراك في الموصل، كذلك تردَّدت تركيا كثيراً عبر رفضها التعاون مع التحالف الدوليِّ إلا إذا كان مُوجَّهاً لإسقاط الأسد.
اعتدال تركيا جلال الدين الرومي التي ارتبطت بالحركات الصوفيّة، والتي امتزجت بالموسيقى والشعر، لا شك أنها تقف على محلِّ عداء شرس مع مدرسة داعش للفكر التكفيريِّ، والسلفيِّ المُتطرِّف.
ــ المشروع الإسلاميّ في تركيا يتطلب عدم الحديث عن مشروعيّة الرجل الوحيد، سواء كانت تركيا الأتاتوركيّة، أو تركيا الأوزاليّة، واليوم تركيا الأردوغانيّة، وعلى حدِّ وصف الصحافة الأميركيّة بأنَّ أردوغان يتمتع بحُرّيّة الحركة خارجيّاً لأنه يتصرَّف على أنه إسلاميٌّ أكثر من كونه يتصرَّف بروح قوميّة.
ــ على الرغم من مقولة إنَّ الأتراك لا يُصوِّتون على موضوعات السياسات الخارجيّة بقدر ما يتعلق الأمر بالملفِّ الاقتصاديِّ، كما هي الحال في بعض الدول، رُبّما تكون مقولة صحيحة، ولكن ماذا إذا كانت السياسة الخارجيّة قد لعبت دوراً في تراجُع القدرات الاقتصاديّة، والتأثير في التبادُل التجاريِّ، خُصوصاً مع دول الجوار، وانعكست نتائج ذلك خاصة على المُدُن الحُدُوديّة القريبة من سوريا، ومن ثم فإنَّ الثرمومتر في تلك المناطق ترتفع حرارته على مُستوى تل الأبيض، وكوباني، وغيرهما.
ورُبَّ ضارة استراتيجيّاً نافعة آنيّاً تتجاوز عامل الزمن في أن يُحوِّل حزب العدالة والتنمية هذا التراجُع الداخليَّ والخارجيَّ، كي يُعيد حساباته من جديد؛ لأنَّ الطاولة اليوم في المنطقة بعد إيران النوويّة سيُعاد تشكيلها، وإن اختفى المقعد المُخصَّص لتركيا قبل حرب العراق الثالثة يبدو أنه سيختفي في أيِّ نقاشات استراتيجيّة حول التطوُّرات المُستقبَليّة في المنطقة بشكل عامّ، وفي سوريا والعراق بشكل خاصّ. على صانع القرار التركيِّ أن يُفكّر بتركيا 2015 قبل أن يُفكّر بتركيا
2023.
* مُدير مركز بلادي للدراسات والأبحاث الاستراتيجيّة ــ العراق