الأسباب كثيرة، بعضها ذاتي وبعضها موضوعي، وتحتاج مناقشتها إلى جهود مراكز بحثية عبر سنوات، لكن الأكيد أن الدولة والمجتمع في سوريا سيخرجان بخسائر كبيرة على خلفية تطورات السنوات الخمس الماضية. هذا ثابت وأكيد ومرئي بالعين المجردة، لكن الثابت والأكيد والمرئي لا يعني بالمقاييس الاستراتيجية أن الثمن الذي ستُضطر سوريا لدفعه مستقبلاً هو أكبر بكثير من الثمن الذي كان بإمكانها نظرياً دفعه بأقل الخسائر لو قبلت بما عُرض عليها في بداية الأزمة وبخاصة من قبل الأتراك والقطريين.


وهو استخلاص بدأ يتسرب بأصوات تزداد علوّاً ووضوحاً إلى أدبيات المؤيدين والمحايدين، بغضّ النظر هنا عن أدبيات المعارضة والتي ترى لأسباب مفهومة منذ بدء الأحداث في ربيع 2011 أنه كان على الدولة السورية الاستجابة للكثير من الأمور، بل إن بعضها - وخصوصاً تلك الانشقاقية الطابع والحديثة العهد بالعمل المعارض - يبرّر معارضته الطارئة بحالة «عدم الاستجابة» تلك. ولا بدّ من وضع خطّ عريض في بداية المقال تحت فكرة أن الحديث هنا يتم عن المبادرات الخارجية التي قُدّمت للقيادة السورية وليس عن مطالب المحتجين، فتلك الأخيرة مبحثٌ آخر وقضية سورية - سورية بحتة. ستدفع سوريا إذن ثمناً بل أثماناً لكل ماجرى، لكن مقارنة تحليلية للمبادرات بين عامي 2011 و2015 تُظهر الفروق الحقيقية بغضّ النظر عن التموضع السياسي وليّ عنق الحقائق لتناسب هذا الجانب في الصراع الدائر أو ذاك. لعلّ المشترك في العروض القطرية والتركية التي قُدمت لدمشق - وتلك الفرنسية في فترة سبقت الأزمة بسنوات وقبلها بدرجة أو بأخرى الأميركية الكولن باولية بعد حرب العراق مباشرة - يطاول مستويين اثنين: الأول خارجي، ويتجلى بالابتعاد عن إيران واتخاذ مواقف معينة من حماس وحزب الله تحديداً وهما واجهة الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومدخلٌ سوري إلى هذا الصراع، يتيح المشاركة في مساراته من دون اتخاذ إجراءات أكثر حديّة قد لا تُضمن نتائجُها، من قبيل الدخول في صدام عسكري مباشر مع إسرائيل.


«فاعلو الخير» القطريون
والأتراك كانوا واضحين في
«خططهم الإصلاحية»
أما المستوى الثاني فداخلي، ويتجلى بتقاسم الحكم مع آخرين، وبالأخص مع الإخوان المسلمين. وإشكالية المتحسّرين على «إضاعة فرصة» تلك العروض بسبب «رعونة» الدولة السورية التي أدت إلى دمار «الحجر والبشر» تتمثل في أنهم يقيسون الأوضاع التي كانت قائمة آنذاك بمقاييس عام 2015 وتحديداً بعد انتهاء صيفه.
لكن الخريطة الجيواستراتيجية في بداية 2011 لم تكن كما هي عليه اليوم. لم تكن مطالبة سوريا «بالنأي بالنفس» عن إيران أداة ضغط على الأخيرة كي تقبل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع قوى 5+1 لإيجاد حلّ لملفها النووي. على العكس ما كانت طهران لتتمكّن من الجلوس إلى هذه الطاولة وإنهاء مفاوضاتها النووية بنجاح أخيراً في صيف 2015 إلا لأن سوريا والحلفاء القلائل الآخرين لم ينأوا بالنفس عن إيران. «النأي بالنفس» لم يكن خطوة مطلوبة لتهدئة الصراع في المنطقة بل لتفجيره، وهو ما اعترف به الرئيس باراك أوباما بنفسه أخيراً في معرض دفاعه مراراً وتكراراً عن الاتفاق النووي الموقع مع إيران، حيث أشار في أكثر من مناسبة إلى أن البديل من الاتفاق هو الحرب، أي حربٌ ضدّ إيران. لم يُعرض على القيادة السورية عام 2011 وما سبقه إلا «مشروع حرب إقليمية» ضد الحليف إيران، وهو ما كان سيرتدّ بشكل مباشر أو غير مباشر حرباً على سوريا بعد اشتعال المنطقة من المتوسط إلى أفغانستان، وكانت ستشتعل. ولو قُدّر لدمشق النجاة من الحرب المباشرة كانت ستخسر الحرب غير المباشرة مع احتمال سقوط أو إضعاف حليفها الإيراني عسكرياً بنتيجة الحرب، بغضّ النظر هنا عن تقييم هذا التحالف وأسبابه ومآلاته، فهو أمرٌ واقع في 2011 وفي 2015. ورغم التمزّق الذي أصاب سوريا اليوم والأثمان السياسية التي ستُضطرّ لدفعها، وهي ستفعل، فإن الفرق بين القبول بعروض عام 2011 وأخرى قد تبدو شبيهة بها في 2015 هو وجود الحليف الإقليمي اليوم، بل وازدياد قوة هذا الحليف مع تنامي الاعتراف الدولي بدوره بعد الاتفاق النووي ما سيشكل ضمانة وسنداً مهما بلغ حجم الأثمان المطلوبة، بينما كان الحليف سيُعزل ويُهاجم ويُضعف بعد «النأي بالنفس» الذي كان مطلوباً غربياً وعربياً من دمشق في بداية الأزمة. علماً أن أداء قفزة واسعة باتجاه المعسكر الغربي في المنطقة (محور الاعتدال) لم يكن مطروحاً يوماً بشكل جدّي على دمشق. كولن باول قالها بصراحة: نفّذوا المطلوب بلا ثمن. كما أن نادي الاعتدال يعجّ بالأعضاء القدامى، من مصر التي اكتشفت قيادتها أن «المتغطّي بأميركا عريان» إلى السعودية التي باتت قيادتها اليوم تبحث عن «ورقة التين» ولو في عاصمة الجليد موسكو. خارجياً إذن ورغم هول الخسائر بقي تموضع دمشق بالمقاييس الجيواستراتيجية أفضل منه مما كانت ستكون الحال عليه لو قبلت بالعروض القطرية والتركية، بل إن الموقف السوري لم يفتح الأبواب أمام الاتفاق النووي مع إيران فحسب، بل أتاح للحليف الأهم دولياً، أي موسكو، ولوجَ الساحة الشرق أوسطية من باب الأزمة السورية وصولاً إلى زيادة النفوذ الروسي دولياً على حساب واشنطن وحلفائها.
أما داخلياً فلم تتطرق العروض في عام 2011 إلى الأحزاب العلمانية الكردية أو إلى الأحزاب اليسارية التي شكّلت لاحقاً هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي أو حتى إلى الشخصيات المعارضة «الليبرالية» ممن انضوى بعضها في إطار ما عُرف بإعلان دمشق. «فاعلو الخير» القطريون والأتراك كانوا واضحين ومحددين في «خططهم الإصلاحية» التي ركّزت على الإخوان على رغم تراجع دور هؤلاء سورياً حتى داخل المعسكر الإسلامي على خلفية الصراع مع الدولة في ثمانينيات القرن الماضي. لم يُعرض على القيادة السورية في عام 2011 وما سبقه إلا «مشروع سيطرة إخوانية» برعاية إقليمية ودولية. فقطر هي عرّابة العلاقات الإخوانية – الأميركية منذ بدء التواصل بين الجانبين علنياً في كواليس «منتدى أميركا والعالم الإسلامي» الذي ينعقد سنوياً في الدوحة منذ عشر سنين. أما تركيا فهي النموذج الإخواني المقبول والمطلوب غربياً. وقد وصل التلاقي في الرؤيتين الإقليمية والدولية إلى أعلى درجاته مع اندلاع أحداث تونس ومصر التي بدأها الشباب لتستولي عليها لاحقاً حركة الإخوان الأكثر تنظيماً وتجذّراً وقدرةً على المناورة في البلدين. ولم يتردد السيناتور الأميركي جوزيف ليبرمان في مؤتمر ميونيخ الأمني ربيع عام 2012 في التفريق بشكل لافت بين «المتطرفين الإسلاميين الذين يمارسون العنف كتنظيم القاعدة وكالنظام الحاكم في طهران من جهة، وتلك الحركات الإسلامية المعتدلة الرافضة للعنف والتي يمثلها أمثال رئيس الوزراء التونسي وحركة النهضة من جهة أخرى». وكان يشير إلى حمادي جبالي، رئيس وزراء تونس من حزب النهضة آنذاك والذي كان مشاركاً في الندوة نفسها بالإضافة إلى وزيري الخارجية القطري خالد بن محمد العطية والتركي محمد داوود أوغلو في مشهد بالغ الدلالة. لم يكن «إدخال» الإخوان إلى الحكم السوري بهذا المعنى يعكس حاجة داخلية أو حتى إقليمية لمعالجة الأزمة السورية بل جزءاً من مشروع دولي غربي كان يرى في الإخوان المسلمين «مدير الناحية» الجديد في منطقة الشرق الأوسط، وشريكاً مقبولاً على قاعدة «بيزنس إسلام» على الطريقة التركية، وأهون الشرّين في كل الأحوال مقارنةً بالقاعدة. ستُضطر الحكومة السورية أيضاً في مبادرات عام 2015 إلى إدخال «عناصر» جديدة إلى الحكم، حيث لا تكاد مبادرةٌ تخلو من أفكار عن حكومة وحدة وطنية وانتخابات مبكرة ورقابة دولية، لكن هذه العناصر لن تكون إخوانية. لم يعد المشروع الإخواني الإقليمي والمدعوم دولياً قائماً عام 2015، وسقوطه المدوّي في مصر في صيف 2013 والهادئ في تونس في شتاء 2014 ما كان ممكناً لولا الموقف السوري. كان الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي مدركاً لما يقول عندما صرخ من استاد القاهرة قبل أسبوعين من عزله من قبل الجيش المصري: «لبيك يا سوريا»، لأن من يحكم مصر والشام معاً سيفرض الإيقاع العربي والإقليمي بحكم الجغرافيا والتاريخ، والإيقاع يفرضه اليوم في عام 2015 الجيشان المصري والسوري المنخرطان في «الحرب على الإرهاب»... حان الآن بالفعل وبمنطق الاستراتيجيا وقتُ المبادرات.
* كاتب سوري ــ ألمانيا