سيكون من قبيل السذاجة، بل الغباء، اعتبار أن ما يحصل في لبنان هو أمر غير «طبيعي» أو مفاجئ. ما يحصل هو تداعيات متوقعة لنظام المحاصصة الطائفية والمذهبية حين يتعذَّر التفاهم على نسبة وحجم الحصص: ودائماً في مجرى تفاعل الوضعين الداخلي والإقليمي حيث الأول شديد الارتباط بالثاني إلى درجة الارتهان والتبعية الكاملين. من جهة، بلغت فئوية أطراف المحاصصة الداخلية ذروة جديدة بإشهار سيف «حقوق وعصبيات» الجماعات الطائفية والمذهبية علناً من دون مواربة أو قفازات أو خجل! هذا ينطبق أساساً على الأطراف المستأثرة بالحصة الكبرى والعاملة للمحافظة عليها وعلى زيادتها.


هو ينطبق أيضاً على الجماعات التي تسعى إلى تعديل التوازنات بما يمكنها من تعويض ما فاتها اليوم أو ما خسرته بالأمس من امتيازات ونفوذ وأدوار ومواقع. وليس خافياً أنه في امتداد عقود من اعتماد وتكريس وتعزيز صيغة المحاصصة، قد نشأت دويلات في كنف الدولة وعلى حسابها.
هذه الدويلات تتنافس بضراوة (إلى حدود الاقتتال)، ولكنها، باستمرار، أيضاً، تترسخ، وتتوسع إلى/ وفي الحقول كافة، الداخلية والخارجية، وبشكل دائم ومضطرد. أما الدولة الأساسية فتضمر وتضمحل (ليس وفق التصور الماركسي لدورها بعد إحداث تحوُّل جذري في العلاقات الاجتماعية) بسبب الاعتداء المتمادي على مقدراتها ومؤسساتها ووظيفتها، بإصرار وجشع يتفاقمان بشكل متصاعد.
من جهة ثانية، يمكن اعتبار أن أولى مراحل نظام المحاصصة قد بدأت كمدخل لممارسة وتنظيم التدخل الغربي في منطقتنا بذريعة حماية الأقليات أو بعضها على حساب نفوذ السلطة العثمانية (التي كانت قد ضعفت وتحولت إلى «الرجل المريض»). تبلور ذلك وتجسّد، خصوصاً في لبنان، عبر صيغ تدرجت من «البروتوكول» الى «القائممقاميَتين» إلى «المتصرفية» لتنتهي، وفق ما كرسته توازنات ما بعد الحرب العالمية الأولى وما فرضته من تشريعات وشرعيات منبثقة من تلك التوازنات (منها اتفاقية سايكس - بيكو)، إلى إعلان «لبنان الكبير» عام 1920 ثمَ «صيغة» 1943 لاحقاً. هو نظام استمر، إذن، بقوة الانقسام الداخلي، من جهة، وبقوة التدخل الخارجي لرعاية وتغذية ذلك الانقسام بغرض استخدامه، من جهة ثانية.
وهو في كل الحالات قد جسّد، من بين اشكال عديدة أخرى، ترجمةً لمبدأ، كان المستعمرون البريطانيون سباقين في «اكتشافه» وفي استخدامه في تشييد إمبراطوريتهم التي «لا تغيب عنها الشمس»، وهو مبدأ: فرق تسد. يجب ألا ننسى أبداً أنهم قد تمكنوا من خلال ذلك أيضاً تشريد شعب فلسطين واحتلال بلده ولا يزالون، وأنهم يستخدمون، هم وأمثالهم، هذا المبدأ اليوم لتدمير كل مقومات الأمة بغية إحكام السيطرة على ثرواتها ومصائرها...
في مجرى ذلك قام نضال شعبي، وطنيّ وتقدميّ، طويل ومرير ضد الوصاية الخارجية وضد الفئوية الداخلية. وهو نضال استعر على الجهتين السياسية والاجتماعية، مروراً بالجبهة الثقافية حيث نشط منظرو المحاصصة للترويج للخصوصية و»المعجزة» اللبنانية القائمة على كذبة «التعايش الفريد» ولبنان «الرسالة»... كل ذلك لإضفاء صفة تكوينية على البعد الطائفي (والمذهبي لاحقاً) المتغلل حتى أعمق الجينات اللبنانية دون سواها وبشكل لا مثيل له في كل الكون! وكذلك لإضفاء صفة الاستمرارية والديمومة على نظام المحاصصة وحتميته بالنسبة لبقاء لبنان ولوجوده أساساً! ولذلك نجد أن شراسة أطراف المحاصصة إنما تتبدى في مسألتي القتال الضاري من أجل دخول نادي المحاصصين والحصول على امتيازاته من جهة، والدفاع المستميت عن النظام المذكور، وبشكل موحَّد من قبل المستفيدين، من جهة ثانية. أي أن الاستشراس في القتال على الحصص لا يوازيه، في الشراسة، إلا القتال للدفاع عن نظام المحاصصة وتكريسه وتأبيده.
إنّ صيغة التباين والتعاون هذه، والتي تبلورت خلال عقود طويلة، تصطدم الآن بالصراع الضاري في كل المدى الإقليمي على النحو الدامي الصارخ الذي نعيشه اليوم.
هذا الصراع هو ما يَتَّم المحاصصين المحليين الذين اعتادوا الاحتكام إلى مرجعياتهم الخارجية التي كانت تتدخل دائماً لضبط الصراع الداخلي وفق المصالح والتوازنات الخارجية. وكانت المحصلة الدائمة: تكريس نظام المحاصصة وحماية مصالح المتحاصصين، لكن، طبعاً، على حساب الشعب اللبناني ومؤسساته الشرعية الموحدة، وعلى حساب وحدته وسيادته واستقلاله واستقراره وتقدمه.
لن يكتمل التوصيف المذكور من دون تأكيد أن استخدام الدين والطائفة والمذهب والعصبيات شكَّل المدخل الأساسي لتأمين الدعم الشعبي، ولإضفاء الطابع المصيري على خوض معارك المحاصصين بوصفها معارك للدفاع عن الهوية والحقوق والشراكة... التي تعني فئات وجماعات ومكونات وليس مجرد أفراد فحسب. ولا يندر أن يصبح المستفيدون، في هذا السياق، ذوي مهمة إنقاذية شاءها «القدر» نفسه، الأمر الذي لا بد من أن يؤدي (بعد الدعاء بطول العمر) إلى توارثها من الآباء إلى الأبناء: جيلاً بعد جيل، ومرحلة بعد مرحلة...
الإسفاف والتردي الحاليان في أداء أطراف المحاصصة، واللذان هما مزيج من احتقار المواطن والعجز عن تذليل صعوبات نظام التقاسم (بطرفيه الداخلي والخارجي)، هما أيضاً ثمرة غياب الرقابة الشعبية أو الحد الأدنى منها. لقد بات غياب أو استمرار ضعف المعارضة السياسية الشعبية أمراً يجعل المسؤولين خارج كل مساءلة ذات قيمة أو تأثير. هم نجحوا أيضاً في نقل بعض أمراض نظامهم إلى مؤسسات حزبية باتت سباقة في إدارة الظهر للعمل المؤسساتي. إن آفات الفساد والتمديد والتعطيل والتعسف والفئوية قد ضربت مؤسسات حزبية عريقة كان لها شأن كبير في تعبئة الرأي العام، أو جزء منه، لمصلحة مشروع التغيير في عناوينه الداخلية، الاقتصادية والسياسية، الاجتماعية والثقافية وفي بعديه القومي التحرري العروبي والأممي الاشتراكي... ثمة محاولات يحركها شبان هنا وهناك، من أجل استنهاض شعبي ضد المحاصصة وأثرها المدمِّر على لبنان وشعبه ومؤسساته ومستقبله... لكن تلك المحاولات تتكسر تباعاً أمام شراسة المحاصصين وداعميهم الخارجيين، وأمام عقم مؤسسات حزبية «تقدمية» باتت في معظمها صدىً بائساً للفشل والجمود والعجز، وصوتاً ببغائياً يكرر الشعارات والمقولات التي أسقطها اختبار الحياة والزمن وتحدي الإبداع والتجديد.
تواصل أطراف المحاصصة انقضاضها على الدستور والقانون وإصلاحات «الطائف». والأخيرة تضمنت بعض دروس واستخلاصات الحرب الأهلية التي امتدت لعقد ونصف العقد كاملين. يواصل هؤلاء إذلالهم للمواطنين واستخفافهم بعقولهم وبمصالحهم. الخسائر تتراكم كما جبال النفايات التي شكّل تراكمها وأذاها ذروة في الفساد والأنانية وفي احتقار المواطن والاعتداء على حقوقه وكرامته. لكنهم، في المقابل، يراكمون، مع نفاياتهم الكريهة، سخط أكثرية المواطنين المتضررين الذين ينبغي أن يتوحدوا من أجل الدفاع عن وطنهم وعن دولتهم وعن مؤسساتهم وعن كرامتهم وعن سيادتهم وعن حقوقهم...
لا بد من صحوة وطنية تستلهم الآية الكريمة: إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم. اللبنانيون، الآن، أمام اختبار قاس: اختبار استحقاق وطن وحياة حرة وكريمة ومستقرة.
لا بد من أن يتعاظم السخط إلى ما يوازي حجم الجريمة على الأقل. ولا بد من تنظيم ذلك في مسار هادف ومنظم. ولا بد في مجرى ذلك، حتماً، من فضح وتعرية وإسقاط تلك الروايات والادعاءات الكاذبة والمزيفة التي تقوم على استغلال المقدس لأغراض دنيئة وفئوية وغير...
مقدسة!
* كاتب وسياسي لبناني