رأى جون ميولر، في دراسة مشوّقة أصبحت كتاباً في ما بعد، أنّ الحروب المضبوطة بأنظمة وقواعد (disciplined warfare) انتهت مع نهاية الحرب الباردة، وأخلت الساحة لحروب يعوّل فيها على أصحاب سوابق ومجرمين (criminal warfare). اتخذت تلك الأخيرة شكلين، أولهما اعتماد بعض الدول على جيوش مرتزقة للقيام بالحرب، وثانيهما، التعويل على أمراء حرب للقيام بذلك.


الحرب الأهلية شكلاً جديداً للحرب

رسم ميولر تطوّر أشكال الحرب، منذ القرون الوسطى الأوروبية حتى وقتنا هذا. لم يكن ملوك القرون الوسطى ونبلاؤها يستخدمون جيوشاً نظامية كالتي نعرفها اليوم. كانوا يعوّلون على الأوساط الإجرامية والأفراد غير الأسوياء، لتكوين مجموعات المسلحين الذين يستخدمونهم. كان البدل الذي يمنحونه لهؤلاء هو السماح لهم بنهب السكان. وبدأت الجيوش النظامية تتكوّن مع نشوء الدولة الوطنية الحديثة. أصبح الملوك يعتمدون جيوشاً متخصّصة، يتولون تدريبها للقيام بالحرب، وتخلوا تماماً عن أصحاب السوابق في تكوين جيوشهم، لما لهؤلاء من تأثير سلبي على معنويات العسكريين.
رأى ميولر أنّ التغيير الكبير الذي حصل خلال القرون الأخيرة، يُستدلّ عليه من المقارنة بين دوافع المنتمين إلى جيوش تخضع لأنظمة وقواعد، ودوافع الجيوش المكوّنة من أوغاد (thugs). في الحالة الأولى، ثمة أناس مهنتهم الحرب، يمتلكون قيماً ويهتمون بسمعتهم، ويلتزمون بمواثيق شرف، وتعتمد جيوشهم على الانضباط، وتعاقب بشدّة الانحرافات عن الأنظمة والقواعد (ميولر، 2002: 4). وهم أناس أسوياء في الحياة العادية، كما أنّ الحرب التي يشاركون فيها تكون دائماً ذات هدف، ويوضع حد لها متى بلغته، وليست نمط حياة.
أما الحروب التي يعوّل فيها على أوغاد، فتجسّد المنفعة المادية غاية أفرادها. تتلخّص الحياة العادية لهؤلاء في الإضرار بالآخرين. وبالتالي، فلا دوافع أيديولوجية لديهم، أو قيم تحكم تعاطيهم مع المجتمع. وتكون حروبهم من دون نهاية، لأنّ الإجرام بالنسبة إليهم طريقة حياة.
وفّرت الحروب أو «النزاعات الإثنية» خلال العقدين الأخيرين، أمثلة عديدة عن ذلك الشكل الجديد للحرب (new war). قدمت حروب يوغوسلافيا السابقة ورواندا نموذجين للاعتماد على جيوش من المرتزقة في الحرب. عمدت النخب التي افتعلت الحرب في يوغوسلافيا إلى تكوين مجموعات مرتزقة للقتال، حين رفض الجيش النظامي خوض النزاعات التي اقترحتها عليه. وتكوّنت المجموعات المنخرطة فيها من أصحاب سوابق، وآتين من العالم السفلي، وسجناء أُعفوا من الأحكام الصادرة بحقهم لخوض الحرب (المرجع السابق، ص 22).
وفسّر غانيون العنف المفرط الذي ميّز هذا الشكل من الحرب، بأنّه هدف إلى إرهاب السكان الذين امتنعوا عن التجاوب مع دعوات «المقاولين السياسيين الإثنيين» لخوض الحرب. وقد عمل هؤلاء الأخيرون لكي تصبح الحرب صراعاً من أجل البقاء، يعني كلّ فرد من «إثنياتهم» (غانيون، 2004). انتقد ميولر بدوره التوصيف الخاطئ للحرب الأهلية «الإثنية» الذي اعتمده البعض، باعتبارها «حرب الكلّ ضد الكلّ»، المأخوذ أساساً عن توماس هوبس. رأى أنّها اعتمدت على الدوام على عدد محدود جداً من الأشخاص، مع قدرة فائقة على زرع الدمار في المجتمعات (المرجع السابق، ص 25 ــ 26).
وفّرت حروب أفريقيا النموذج الثاني للحرب، التي يؤدي الدور الرئيسي فيها أمراء حرب. عرفت تلك القارة ثلاثة أنواع من الدول قبل الحرب الباردة وبعدها: الدولة الاحتكارية (monopoly state) التي قامت على احتكار القائمين على الدولة السياسة والشأن العام، و«دولة الظل» (shadow state) التي أقامها الممسكون بالحكم، وتكوّنت من شبكات موالين لهم، اختفت خلف الإدارات الرسمية للدولة، والدولة المنهارة (collapsed state)، التي جسّدت واقع انهيار الدولة، فلم تعد الحكومة تمارس سيطرتها إلا في نطاق جغرافي محدود، فيما يتقاسم أمراء حرب المناطق الباقية (كلافام، 1996: 5).
المشترك بين الدول الاحتكارية والدول التي عوّلت على وجود «دولة ظل»، وجود أنظمة سياسية ارتكزت السلطة فيها على الاستزلام السياسي (patronage-based political systems)، وعلى شبكات موالين موحّدة تحت سلطة زعيم واحد (centralized political networks). الأمر المهم الذي ميّز الدولة الموحّدة في تلك البلدان، قبل تحوّلها إلى دولة منهارة، هو أنّ القائمين عليها كانوا يخافون وجود إدارة عامة رسمية فعّالة، يمكن أن تنقلب عليهم، كما هي حال الجيش مثلاً. وقد عملوا ما في وسعهم للاستعاضة عنها بمؤسسات غير رسمية، اعتمدت العنف والجريمة وتكوّنت من قوى رديفة. تعمّد الحكام الأفريقيون ضرب وجود الدولة بما هي مؤسسات رسمية (formal institutions)، وبما هي احتكار قانوني لاستخدام العنف.
وقد أحال وصول الدولة إلى مرحلة الانهيار الأعوان السابقين للحكام، المستفيدين من شبكات الموالين والجريمة غير الرسمية، كما معارضي هؤلاء الحكام، إلى أمراء حرب (warlords). وجسّدت دول مفتّتة يتنازع السلطة فيها أمراء الحرب هؤلاء، البديل عن الدولة الاحتكارية. كان استخدام العنف الهاذي ونهب المواطنين العلامة الفارقة لأمراء الحرب هؤلاء. الخاصية الثانية للبديل الذي جسّدته الدولة المنهارة في أفريقيا وغيرها، هو أنّه لم يكن لدى أمراء الحرب هؤلاء، أكانوا من الموالين سابقاً أم من المعارضين، أي برنامج سياسي. لم يكن من يوالونهم أناساً على علاقة بالسياسة والأيديولوجيات، بل كانوا أفراداً يعتمدون الوصولية العنيفة، أي سلاحهم وعلاقتهم بالرجل القوي الذي يعملون له، لتحقيق منافع من خلال الجريمة ونهب السكان القاطنين في نطاقهم (رينو، 2003، 2005، 2009).

إفشال الدولة الوطنية

تصبح دولة ما دولةً فاشلة، حين لا تعود قادرة على ممارسة سيادتها على كامل أرضها، وتتقاسم هذه السيادة مع لاعبين من خارجها، أي مع أمراء حرب، كما يغيب فيها الاحتكام إلى القانون، ويتفشّى فيها العنف الإجرامي. عرّف روتبرغ الدولة المنهارة، بوصفها الحالة القصوى للدولة الفاشلة. وقد اجتهد أكاديميون على مدى العقدين الأخيرين لشرح خصائص الدول الضعيفة (weak) والفاشلة (failed) والمنهارة، واقترحوا مقاربات تفيد في منع الوصول إلى مرحلة الفشل (روتبرغ، 2002: 96).
برّر روتبرغ وجود الدولة الوطنية بالدور المنوط بها في توفير تقديمات سياسية إيجابية (positive political goods). وهي الأمن أولاً وقبل كل شيء، والتعليم والخدمات الصحية والشروط الاقتصادية الملائمة وحماية البيئة، والإطار القانوني الذي يحمي الانتظام العام والجهاز القضائي الذي يشرف عليه، وخدمات البنى التحتية للمواصلات والاتصالات (المرجع السابق، ص 87). حين تعجز الدولة عن توفير هذه التقديمات، أو تتخلى عن مسؤوليتها في ذلك، تتحوّل أكثر فأكثر إلى دولة فاشلة.
وقد عملت أجهزة السياسة الخارجية والاستخبارات في دول غربية كبرى على استثمار مقاربات الأكاديميين ذاتها، لدفع بعض الدول الضعيفة إلى الفشل والانهيار. وذلك بالتركيز على نواحي الضعف الموجودة عند هذه الدول، وتحويلها مصدراً للفشل. يخطّط مسؤولون في إدارات تلك الدول لتدمير دول ومجتمعات في العالم، ويخوضون حروباً مفتوحة معها كشأن روتيني وطبيعي.

التصدي للحرب الخارجية كحرب أهلية

خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، كان ثمة حروب تخاض تحت شعارات أيديولوجية، منها وأهمها حروب التحرّر الوطني. كان العامل الأيديولوجي يعطي معنى إيجابياً للحرب، ويبرّر تصنيف حركات الغوار في فئة الحروب المضبوطة بأنظمة وقواعد (ميولر، 2002: 5). وبدت الحروب التي خيضت بعد الحرب الباردة، كأنّ قاسمها المشترك أنّها حروب يعوّل فيها على أوغاد ومجرمين، وأنّها تفتقد أيّ محتوى أيديولوجي وبرنامجي. جرى نقاش مسهب حول الفرق بين الحروب «القديمة»، أي المضبوطة بأنظمة وقواعد والأيديولوجية، والحروب «الجديدة» تلك. نفى البعض مشروعية ذلك التمييز، وشكّك في دور الأيديولوجيا في توفير لحمة للمنخرطين في حروب التحرر الوطني، وفي ضبط مسلكيتهم (كاليفاس، 2001). وأعاد آخرون الاعتبار إلى دور الأيديولوجيا ومنظومات القيم التي تحملها الحركات السياسية، في منع الجنوح نحو الإجرام عند المجموعات والأفراد، وسبيلاً وحيداً للخروج من الحروب «الجديدة» تلك (رينو، 2009).

المراجع:
Clapham Christopher, Africa and the International System: the Politics of State Survival, Cambridge : Cambridge University Press, 1996.
Gagnon V. P., The Myth of Ethnic War: Serbia and Croatia in the 1990s, Cornell University Press, 2004.
Kalyvas Stathis N., “”New” and “Old” civil Wars: A Valid Distinction?”, in World Politics, Vol. 54, October, 2001, pp. 99-118.
Mueller John, “The Remnants of war: Thugs as Residual Combatants”, in Annual Symposium of American Political Science Association, July 29, 2002, 43 pages.
Reno William, «The politics of Violent Opposition in Collapsing States», Government and Opposition, 40:2, Spring 2005, PP. 127-151.
Reno William, “ Explaining Patterns of Violence in Collapsed states”, in Contemporary Security Policy, Vol. 30, Issue 2, 2009.
Reno William, “The Changing Nature of warfare and the Absence of State-Building in West Africa», in D. Davis, A Pereira (eds.), Irregular Armed Forces and their Role in Politics and State Formation, Cambridge Univ. Press, 2003.
Rotberg Robert, “The New Nature of Nation-state Failure”, in The Washington Quarterly, Summer, 2002, pp. 85-96.

* أستاذ جامعي لبناني