نعيش منذ فترة طويلة فيلماً طويلاً مأسوياً، أبطاله زعماء المحاصصة القابضون، إلى جانبهم أصحاب رأس المال وممثلوهم في السلطة، وكذلك المتواطئون في الحركة النقابية.

عدنا إلى قلب أحداث الفيلم أخيراً، عندما طرحت الحركة النقابية مطالبها من جديد. مطالب تتمحور حول العدالة الاجتماعية، تصحيح الأجور وضمان الشيخوخة، الضمان الصحي الشامل، ومكافحة الغلاء والاحتكار. مطالب تدافع عن الحركة الشعبية التي تعاني من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات والأقساط المدرسية، والنقل، والخدمات الصحية والاستشفائية، والضرائب. مطالب ترفض الظلم والتعسف الذي يعانيه المستأجرون الجدد من قبل أصحاب الأملاك الخاصة بزيادة الإيجارات بعد إقرار القانون السيئ الذكر، و«إطلاق حرية التعاقد»، وغيرها من الأمور الحياتية والاجتماعية. في هذه اللحظة تحديداً، برز أبطال الفيلم المعادون لمصالح الشعب، والمتواطئون معهم، كل من زاويته، لترتيب العدة لمواجهة هذه المطالب وجمهور المطالبين.
لا يجب أن تنسى السلطة أولاً، وهؤلاء السادة ثانياً، بأنّ مطالب الحركة النقابية ليست جديدة، ولا هي من المفاجآت، كما يدّعون. تعود تلك المطالب الى أكثر من عشرين سنة خلت، إذ تجسدت كلّها في برامج المؤتمرات النقابية، وكان آخرها المؤتمر النقابي الوطني في دورته السادسة في 1996. وهو برنامج شامل، يتناول كل المسائل الوطنية، من التحرير الى الديموقراطية والحريات، وقانون الانتخابات، بالإضافة الى المطالب الحياتية، في التعليم، والجامعة اللبنانية، وصولاً الى السكن والأجور، وكل القضايا الاقتصادية والاجتماعية وغيرها ...
لكن ما نريد التذكير به هو بعض القضايا المحددة، أهمها ما يجري التداول به حالياً في ما يتعلق بالأجور والمطالب الأخرى. ففي المؤتمر النقابي الوطني السادس، ورد في توصياته قسم خاص يتعلق بالأجور هو «سياسات الأجور». وفي البند «د»، الفقرة 3، نقرأ: «نتيجة للسياسات الخاطئة للحكومة في فرض الضرائب والرسوم وزيادة أسعار البنزين والمحروقات، وما سببته من ارتفاع أسعار السلع وكلفة النقل، وتسعير موجة الغلاء وما يؤدي إليه كل ذلك من تآكل في القدرة الشرائية للأجر، يؤكد المؤتمر النقابي الوطني والاتحاد العمالي العام على المطالبة بتصحيح الأجور بنسبة غلاء المعيشة عن العام الماضي، مضافاً إليه الرصيد المتأخر عن السنوات الثلاث السابقة بنسبة 76 % والتمسك بالسلم المتحرك للاجور».
أما في قسم «السياسات الاجتماعية»، وتحديداً في الفقرة 3 من البند «ه»، فنجد ما يأتي: «توحيد أجهزة وبرامج الاستشفاء والطبابة ووقف الهدر في وزارة الصحة وسائر الأجهزة المعنية، تحسين وتطوير المستشفيات الحكومية لضمان الاستشفاء والطبابة للجميع، والإسراع بإعطاء دور فعال للمكتب الوطني للدواء». طبعاً، طار لاحقاً المكتب، وكذلك الإشراف على استيراد الدواء وتوزيعه.
أما في «الضمان الاجتماعي»، فنقرأ في الفقرة «و»: «المباشرة بوضع ضمان الشيخوخة موضع التنفيذ، مع التأكيد على استيفاء الصندوق لحساب التسوية، وكل المتأخرات المالية على المؤسسات وعلى الدولة».
إذاً، هذا ما جاء في برامج المؤتمرات النقابية، ونحن نذّكر به لنقول للدولة ولأصحاب الأعمال، وأبطال الفيلم، إنّ ما طالبت به الحركة النقابية لم يكن ابن ساعته، كما يدّعون، أي في 2011، بل هو قديم. فلو أخذت الحكومات المتعاقبة بما اقترحته الحركة النقابية عبر مؤتمراتها الستة، لما وصلنا إلى حالتنا اليوم، وسمعنا ادعاءات الأطراف المدافعة عن الواقع المزري الحالي في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية. أطراف تفتعل كلّ ذلك الضجيج، بحجة أنّ الوضع الاقتصادي لا يسمح بأية تدابير جدية، أكان في مجال الاستشفاء أو غيرها. فالحكومات وأصحاب الأعمال يدّعون العجز دوماً، وصعوبة تحقيق المطالب، وآخر حججهم الأوضاع الداخلية والعربية والأزمة المالية العالمية إلخ ... وينسى المدعون كم من الأرباح حققوا خلال السنوات الماضية، وينسون أيضاً ما جاء على لسانهم بأنّ لبنان لم يتأثر بالأزمات المالية العالمية.
من جهة أخرى، من المفهوم أنّ تصب مواقف الحكومات وأصحاب الأعمال والمحاصصين، في خدمة مصالحهم، والدفاع عنها، بمواجهة المطالبين ورفض أية مشاريع إصلاحية. لكنّه من المؤسف حقاً، وغير المفهوم، أن تقف بعض القوى النقابية، ومنها قيادة الاتحاد العمالي العام، في وجه أيّة مشاريع إصلاحية تطرح، ودون دراسة أو مناقشة، ومنها ما طرحه أخيراً وزير العمل شربل نحاس من مشاريع خاصة بالضمان الصحي الشامل لكل المواطنين، وغيرها. مشاريع تتناغم أو تلتقي مع طروحات المؤتمرات النقابية. ولا يقف الأمر عند وقوف قيادة الاتحاد العمالي العام في وجه المشروع الإصلاحي، بل عمدت إلى محاربته واللجوء الى التحالف مع القوى المعادية لمصالح العمال وأصحاب الدخل المحدود.
من موقعي النقابي، وكمواطن، أدعو جميع العمال وأصحاب الدخل المحدود الى المشاركة في الإضراب والتظاهرة التي دعت إليها هيئة التنسيق النقابية يوم غد الخميس، رفضاً لقرار الحكومة «المسخ» لتصحيح الأجور، وكذلك أدعو إلى المشاركة الاحتجاجية على سياسة الدولة المعادية للمطالب الشعبية.

* الأمين العام لاتحاد النقابات العمالية للطباعة والإعلام