الثور الكبير


لفتني ما حصل في إحدى الحفلات الموسيقية التي جرت قبل ايام في البيال. يستحق الأمر الوقوف عند مستوى التنظيم العالي والكلفة الباهظة لأسعار التذاكر التي توازي كلّ منها نصف الحدّ الأدنى للأجور. كذلك برزت أجواء الموضة الواضحة المعالم من البطن الظاهر، إلى «الشورت» الذي يوفّر أكبر قدر ممكن من القماش... ولم أكد أنهي دراسة الموضة في تلك الحفلة، حتى صعقني مشهد النفايات داخل الصالة العملاقة.

هذه المرة ليست نفايات عادية ملقاة على جانب الطريق، بل كانت نفايات تتطاير في الأجواء متنقلة على رؤوس الحضور وعلى المسرح، فما كاد الحاضرون يروون ظمأهم بمياه القناني البلاستيكية، إلا أعادوا تدويرها على رؤوس الحاضرين إلى الشمال واليمين. ثم ما لبث أن تطور الموضوع من رمي القناني الفارغة إلى رمي القناني الممتلئة مع غيرها من الأشياء مما تيسر.
عندها أعدت الحسابات وأيقنت أن حكومة النفايات، كما أطلق عليها البعض ليست إلا «الثور الكبير لهذا الثلم الأعوج»، و»كما تكونون يولّى عليكم». الموسيقى الصاخبة في تلك الحفلة وأصناف الأغاني والمؤثّرات الصوتية... كلها كانت تفتقر إلى المعنى والمضمون، الحضور كلّه كان عبارة عن مجموعة فتيان مراهقين يحبّون الصراخ، أي صراخ. النفايات لا تملأ الشوارع فقط، بل هي تملأ ثقافتنا أيضاً. التفاعل مع الموسيقى الصاخبة، لم يكن مؤثّراً ايضاً، وبرغم محاولاتي لمجاراة جيل ابني، الذي لولاه لما حضرت مثل هذا الحفل، إلا أن ولعي بالموسيقى لم يكتف بالضجّة الكبيرة المثارة من حولي. لم أشعر بداخلي بلهفة كافية برغم عشقي للموسيقى وولعي بالرقص. فأنا من يوم المزمور 149-3 «ليسبحوا باسمه بالرقص» وأنا أعشق الرقص.
انتهت الحفلة، وأخذت الفوضى في السير على وقع القانون الجديد، وغياب شرطة السير، ساعتين قبل أن نتمكن من مغادرة موقف السيارات، مع «حبنا للحياة»، حياة الغرب المشوّهة المقلّمة بألوان الثقافة المنحدرة التي نقشنا بها ساسة لبنان، البلد الفاشل، معطوفة على مجتمع مفكك متناقض ضائع في غياهب الزمان والمكان.
وليد الشعار
نائب رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة