وصاية غير متبادلة



مثّل الحراك الطلابي في المعهد العالي للدكتوراه نقطة مضيئة في مسار الجامعة اللبنانية. لقد تولّى الطلاب مهمة الدفاع عن تطبيق القانون والدعوة إلى التزام النظام التعليمي الأوروبي، في مقابل وجهة جامعية اعتادت الاستخفاف بالقوانين، والتلطّي خلف علاقات ثقافية استتباعيَّة تذكِّر بالانتداب، وتقوم على الوصاية (المسماة تهذيباً «وصاية متبادلة»: Cotutelle !).
فليس صحيحاً أن مقاطعة الطلاب للامتحان الذي سموه «بدعة» في بياناتهم في ذلك اليوم العاصف الواقع فيه 19/11/ 2011، محاطين برجال مكافحة الشغب والشرطة والجيش والأمن، الذين استقدمهم القيِّمون على المعهد لقمعهم ـــــ غير أنهم انحازوا إلى القانون ولم يمارسوا أيّ قمع، والمؤتمر البحثي الذي عقد بتاريخ 30/11/ 2011 في فندق بادوفا المجاور للمعهد، هما مشهدان مختلفان، بل إن كلاً منهما يُظهر دلالة الآخر.
إنّ الحضور الكثيف للمرجعية السياسية الثقافية الفرنسية المتمثلة في الملحقية الثقافية وفي الوكالة الفرنكوفونية والـ I.F.P.O وجامعة ليون II ، ورعايتها لمؤتمر بحثي أقامه معهد جامعي عالٍ رسمي في فندق، لافتقاد هذا المعهد أيّ مقومات بحثية، بما فيها قاعة مناسبة للمؤتمرات أو مكتبة قابلة للاستخدام، وابتعاده عن أيّ تقاليد بحثية تدخل في بنية التعليم... هو الذي يفسِّر عمق الأزمة في الجامعة الوطنية التي تكثفت وانفجرت في هذا المعهد.
فتَحتَ غِطاء لغوِّي دخاني من مفردات التنمية والديموقراطية وحقوق الإنسان تُعقد علاقات لبنانية أوروبية لا تفسِّرها هذه المفاهيم الرائجة في أدبيات الأمم المتحدة، بل تلك التي تشير إلى تدمير المركز للأطراف لإعادة إنتاج الاستتباع.
فهنا المفارقة فاضحة: طلاب الجامعة اللبنانية يطالبون بتطبيق النظام التعليمي الأوروبي الفرنسي، والقيمون على هذا النظام يدعمون وجهة في الجامعة اللبنانية تقلبه رأساً على عقب، وتحوِّله إلى آلية تصفية تسحب توازنات الوظيفة العامة ومعاييرها الطائفية على الحق في طلب العلم، إذ أية حكمة أكاديمية تكمن وراء إخضاع الطالب المتفوق لمباراة دخول لترفيعه من مرحلة إلى أخرى في المعهد نفسه؟!
إنه مشهد مفارق حقاً، والأشد مفارقة هو أن تُسهم الجهة السياسية، التي تصنف بمعايير السلطة الأوروبية بأنها خارجة على القانون، في إنجاح تحرك طلابي شعاره تطبيق القانون والمعايير الجامعية الأوروبية. فليت هذا الإسهام يتحول إلى نهج إصلاحي معمم في مواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة.
نظير جاهل