تصرّ بعض القنوات التلفزيونية وبعض المثقفين ومتابعي الثورة السورية إعلامياً، طبع الثورة بالأسلمة، واعتبار أنّ الأقليات ليست مشاركة فيها، لكنّها تبقى أختنا في الدولة. هذا الكلام يخفي أنّ الأكثرية الدينية هي المتحركة والأقليات هي المصطفة خلف النظام، وأنّ وجود بعض الشرفاء المؤيدين للثورة لا يغيّر من الحكاية شيئاً، والنظام بدوره وعبر إعلامه يصرّ عليه أنّه حامي حمى الأقليات، وإن ذهب ذهبوا بلا أثر بعد عين، وإن بقي بقوا معززين مكرمين...

ردّ منذ بعض الوقت أشخاص على تلك الادعاءات بإنشاء صفحة إلكترونية تُعنى بأبناء الاقليات المشاركين بالثورة، وهناك صفحات تتكلم عن مسيحيين مشاركين وعلويين وغير ذلك، مدفوعين بالرد على النظام، والرد على المتأسلمين الراغبين في أسلمة الثورة. لكن وللأسف يعرّف هؤلاء بالضد من الآخر، وفي هذا تثبيت للآخر لا نفي له، فالضد يؤله الآخر حتى في شيطنته.
ان يكتب البعض عن أشكال ممارسة أبناء الاقليات في الثورة للرد على هؤلاء، قد يكون له فائدة أوليّة وتعريفيّة بمن يشارك، لكن الاستمرار في الموضوع ستكون نتائج عكسية تماماً، أي تعميق الرؤية السلطوية والمتأسلمة عن الثورة، فالمشاركون بالثورة، لا يشاركون لكونهم أبناء طائفة محدّدة، ولا ينطلقون منها لاعتبارات دينية، بل لكونهم يخضعون لشروط اقتصادية وسياسية وأمنية جائرة، ولشعورهم العارم بإمكانية إسقاط النظام، كما جرى في أكثر من بلد عربي. قد يكون الإعلام المُسيطر عليه والمعني بالثورة، يحاول تطييف الثورة، لكن الرد عليه يكون بتعميق وطنيتها ومدنيتها وشعبيتها وليس بالتمييز الديني.
هناك طريقتان لرفض التمييز: التشدد في طرح الدولة المدنية العلمانية كأحد أهداف الثورة، والإضاءة على الأوضاع الاقتصادية التي كانت أحد أسباب الثورة، وبالتالي مستقبل الثورة بعد النجاح، سيؤدي إلى تحقيق دولة مدنية وأوضاع اقتصادية أفضل لكل الفقراء والسوريين عامة.
هناك اعتبار آخر، هو أنّ كثيرين من أهالي مدينتي دمشق وحلب لم يتحركوا، وهم بأغلبيتهم ينتمون للطائفة السنية، وبالتالي القضية ليست في كون النظام يحمي الأقليات والثورة سنيّة، بل في كون النظام استبدادياً وإفقارياً والناس يثورون عليه.
لا يفيد الثورة تطييفها، بل يفيدها كثيراً وكما أشرت، إعلان برنامج وطني يتناول أهدافها. طول عمر الثورة خلق كثيراً من التشابكات الأهلية والمدنية، وفكك كثيراً من الرؤيات الدينية المتشددة، لكن الخطر عليها يبقى من مؤسلميها، ومن النظام الذي لا ينفك يؤسلمها، وفي ذلك يشترك النظام والمتأسلمين معاً، بينما هي ثورة يشترك فيها كثير من السوريين ومن مختلف الطوائف وفي كل المدن السورية، رغم التفاوت بالعدد وفق النسب الدينية والمدن. الثائرون يعرفون أنّ أبناء الأقليات ليسوا أهل ذمة وليسوا مارقين وكفاراً، لذلك يحتضنونهم كما يحتضنون كل من يشارك في الثورة، بل ويخافون عليهم، وهذا من باب الرد على السلطة وليس من باب التمييز والمجاملة.
لا شك في أنّ سوريا دخلت ثورتها بوعي أفرادها التقليدي، فالثائرون مُنعوا لعقود من أية حياة سياسية، فالدين كان متنفسهم الوحيد، شهيقهم حين لا ينتمون للدولة الجامعة، ويُتركون بعيداً عنها، ولا يستطيعون المطالبة بحقوقهم. الوعي التقليدي هذا جزء منه دون شك ديني، لكنّه ليس طائفياً ضد الآخر، وقد يحمل التباسات وحساسيات تجاه الآخر.
نعم، بهذا الوعي دخل الناس الثورة رداً على تأزم أوضاعهم العامة كما أشرت، وهذا الوعي تحوّل سريعاً إلى وعي وطني وثوري وسلمي وضد الطائفية، بل ومحمل بشعارات ضد الفساد والنهب وضد الطائفية وبوحدة الشعب، ورُدّد ذلك على مدار تسعة أشهر، ولا يغيّر من هذا بعض الهتافات والشعارات ذات الطابع الديني، فهي دينية وليست أصولية أو طائفية.
مشكلتنا بالتحديد مع مسيسي الطوائف من قبل السلطة أولاً، ومن قبل المعارضين المتأسلمين ثانياً. السلطة تجد خلاصها في ذلك، أمّا أن يجد المعارضون الخلاص ذاته، فذلك أمر في غاية المحدودية بالمعنى السياسي. وهم بذلك يخدمون حصراً النظام، ولو نجحت الثورة فسيكون لهم دور في تفتيت المجتمع الذي ترغب الثورة في توحيده مواطنياً، وقبل نجاحها يساهمون في إطالة عمرها ونزف الدم. لذلك عليهم فهم أنّ الثورة شعبية، وتريد بناء دولة مدنية حديثة وعلمانية، ولمصلحتهم ولمصلحة الثورة الاقلاع عن رؤياتهم تلك، وأن يكون الديني في الاطار الشخصي والثقافي للأحزاب الدينية، بمعنى أن يكون في الاطار الدعوي الخاص بالحزب، وليس مصدر السياسة.
ما أريد قوله هنا أنّ الثورة مستمرة، وهي تلغي كل يوم المسافات بين السوريين، دينياً وقومياً، ومن لا يفهم ذلك يعمل على إعاقتها لبعض الوقت فقط. لذلك المشاركة في الثورة ضرورية من كل السوريين والصامتين، وحتى الرافضين لها من كل الطوائف، وكل تمييز على أساس ديني يؤدي إلى تمييز ديني مضاد
له.

* كاتب سوري