لم تعد «البيئة الاستراتيجية» تعمل لصالح الأتراك كثيراً، فالتحوّلات التي أصابتها في الآونة الأخيرة غيّرت من «الأولويات» التي وضعها التحالف الامبريالي لنفسه حين قرّر محاربة «داعش» والحدّ من تمدده إقليمياً. حينها لم تكن تركيا جزءاً من التحالف، وكانت تشترط للانضمام إليه تطوير استراتيجيته بحيث تشمل القضاء على داعش والنظام السوري في الوقت نفسه، وقد جُوبه هذا الاشتراط بالرفض من جانب حلفاء تركيا الغربيين نظراً لاستحالة تحقيقه ولكونه يساوي بين «طرفين» ليسا على السوية نفسها من الخطورة بالنسبة الغرب.


فالنظام في سوريا يشكّل خطراً على طموحات سلطة أردوغان ولكنه لم يعد أولوية بالنسبة إلى حلفاء تركيا الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة، بدليل اختفاء الرطانة الخاصّة برحيله عن معظم التصريحات الغربية المتعلّقة بالشأن السوري. هذا التحوّل سببه الأساسي تغيُّر البيئة الاستراتيجية للصراع الدائر في سوريا، إذ لم يعد النظام هو الفاعل السلبي أو الايجابي الوحيد بل غدا فاعلاً بين مجموعة فاعلين آخرين، وهؤلاء أصبحوا بفعل هذا التغيّر قادرين على تحريك الستاتيكو الذي يسعى إليه الغرب أكثر بكثير مما يفعل النظام في سوريا. «داعش» الآن والذي هو الفاعل الآخر إلى جانب النظام يغيّر الجغرافيا السياسية للمنطقة بكاملها ولا يكتفي فقط بالسيطرة على مناطق جغرافية بعينها وترك أخرى تحت سيطرة النظام أو الإسلاميين الآخرين. هو يسعى لتغيير الستاتيكو الذي فرضه الغرب بعد إضعاف النظام هنا ومنعه من استعادة المبادرة تجاه المناطق التي فقد سيطرته عليها، ولذلك يريد هذا الأخير مجابهته أكثر من مجابهة النظام الذي فقد عملياً القدرة على تحريك الأوراق الإقليمية وتوظيفها في المعركة مع الغرب كما كان يفعل من قبل.

التناقض بين الغرب وتركيا

كان لا بدّ لهذا المسار من التأثير في تركيبة الائتلاف الغربي في مواجهة «داعش»، فالرفض التركي للانضمام إلى الائتلاف بذريعة عدم تبنّيه قتال النظام في سوريا تبعه مباشرةً انفتاح من أنقرة على التنظيم الابادي ومساعدته مباشرةً على عبور الحدود باتجاه سوريا بعد اندلاع معركة عين العرب - كوباني. حينها قُوبل هذا المسعى بفتور من جانب التحالف الذي كان يراقب المعركة ويتحيّن الفرصة لدعم الطرف الذي يُثبت جدارته أكثر على الأرض، وخصوصاً لجهة تحقيق الاستقرار الذي تحتاجه واشنطن في هذه المرحلة لتثبيت الستاتيكو الخاصّ بها وتحويله إلى نموذج يمكن تعميمه لاحقاً على مختلف المناطق السورية التي تشهد صراعاً بين النظام وخصومه التكفيريين. وتعمّق الخلاف أكثر بين الحليفين بعد تحقيق قوّات حماية الشعب الكردية انتصارات متوالية على التنظيم في كوباني وريفها، وبالتالي اعتمادها من قبل التحالف كقوّة قادرة على فرض الاستقرار وإخراج التنظيم من الأماكن التي يسعى إلى السيطرة عليها. تركيا لم تعارض هذا التوجّه الأميركي فحسب بل سعت أيضاً إلى اجهاضه عبر الاستمرار في دعم «داعش» لوجستياً وإتاحة المجال له لمعاودة الهجوم على كوباني كلّما سنحت له الفرصة. وهو ما أثار استياء الأميركيين ودفع بهم بعد حصول الانتخابات التركية التي غيّرت الخريطة السياسية الداخلية وسمحت بتحجيم نفوذ أردوغان – عبر إيصالها حزب الشعوب الديمقراطي القريب من وحدات الحماية الكردية إلى البرلمان- إلى فرض أمر واقع على حلفائهم الأتراك من خلال إجبارهم على الانضمام إلى التحالف وفتح قواعدهم العسكرية (وأهمّها قاعدة انجرليك) للطائرات الأميركية التي تنوي مهاجمة مواقع «داعش» في سوريا. البعض يقرأ المشهد على نحو مختلف، ويعتبر أنّ تركيا هي التي أملت شروطها على الولايات المتحدة وليس العكس، حيث عمدت فور انتهاء الأحداث الداخلية المصاحبة للانتخابات واحتجاجات الأكراد (ومن ضمن هذه الأحداث تفجير سوروج الذي كان السبب الأساسي في تسريع انضمام تركيا إلى التحالف) إلى شنّ حرب مزدوجة على التنظيم وحزب العمال الكردستاني معاً مستفيدةً من الغطاء الذي وفّره لها التحالف بعد تخلّيها عن شروطها السابقة ووضعها القواعد الجوية للجيش التركي في تصرّفه. ويعتمد هؤلاء في قراءتهم على «النجاحات» التي ينسبونها للجيش في مواجهته مع الأكراد على الرغم من المعطيات الحقيقية التي تفيد بخسارة الجيش لمعركته تلك أو على الأقلّ عدم قدرته على إنهائها بالسرعة التي يريدها أردوغان. هذه الخسائر انعكست بشكل مباشر على التقويم الذي يجريه الحلفاء باستمرار لفاعلية انخراط تركيا في الحرب ضدّ «داعش»، إذ توالت عليها الانتقادات الغربية التي تشجب حربها ضدّ الأكراد وتدعوها إلى خوض صراع «متناسب» معهم. والتناسب الذي يتحدّث عنه الغربيون لا يتعلّق بالأعمال العسكرية فحسب، بل أيضاً بالمسار السياسي الذي أنهاه اردوغان اثر تفجير سوروج ولم يتوقّع على ما يبدو أن تكون له كلّ هذه الانعكاسات على سياساته الداخلية وعضويته في التحالف الغربي ضدّ داعش. هذه العضوية تخضع الآن لاختبار جدّي، فالغرب يريدها كاملة وغير مشروطة فيما تركيا لا تزال متحفّظة على قتال التنظيم والأكراد معاً، وتفضل بدلاً من ذلك أن يخوض التحالف حربه ضدّ «داعش» من على أراضيها، على أن يُسمَح لها في المقابل باستهداف مواقع حزب العمال الكردستاني التي تشكّل منطلقاً دائماً للهجوم على حدودها. وفي الحالتين فإنّ الغرب سيسمح لها بفعل ما تريد على ألا يؤثّر ذلك في الاستقرار الذي تشهده تركيا، ومن هنا يمكن فهم التصريحات الغربية التي تحثّ أنقرة على الاستمرار في عملية المصالحة مع الأكراد، بحيث تخوض حربها ضدّهم على الجبهتين العراقية والجنوبية الشرقية في الوقت ذاته الذي تكون فيه المفاوضات مستمرّة مع ممثّليهم السياسيين في الداخل.

التأثير في البيئة الاستراتيجية للصراع

طبعاً، الغرب يدرك استحالة التوفيق بين حالتين متناقضتين كالحرب ضدّ الأكراد في الخارج والتفاوض معهم في الداخل، ولكنه يحاول تعويض تركيا عن الثمن الذي دفعته حينما تخلّت عن شروطها للانضمام إلى التحالف. هو يعرف كما يعرف الجميع بأن الحرب ضدّ حزب العمال لا بدّ أن تفضي إلى معضلة سياسية في الداخل التركي، وهذه المعضلة سيكون لها تأثير مباشر على البيئة الاستراتيجية التي تدير تركيا من خلالها صراعها مع النظام السوري وحلفائه. وحين يَطرح على أنقرة تسوية سياسية مع الأكراد فهو يحاول التخفيف من الآثار التي ستتركها الحرب ضدّهم على السياسة التركية تجاه سوريا والتي يريد لها أن تبقى في حالة اشتباك مع النظام إلى حين الاتفاق مع الروس والإيرانيين على «تسوية مقبولة» للصراع تحفظ له نفوذاً معقولاً داخل سوريا. الأتراك لا يتفقون مع هذه الرؤية كثيراً ويعتبرون أنها ستكون تنازلاً للنظام في دمشق، ولذلك يستمرّون في إدارة الصراع معه «على الوتيرة نفسها» على رغم أنهم لم يعودون يمتلكون القدرة على إدامة الاشتباك ضدّه. حتى استخدام «داعش» لم يعد يجدي نفعاً في ظلّ التصميم الأميركي على مواجهته في سوريا والعراق واعتبار من يتعامل معه جزءاً من الأهداف التي يتعيّن على التحالف التعامل معه بحزم وإصرار. لقد انتهى الوقت الذي كان يُسمَح فيه لتركيا بالمناورة في الشأن السوري، إذ لم تأتِ مناوراتها واستخدامها لورقة التكفيريين بأيّ منفعة للتحالف الذي تنضوي في إطاره. وهي إذ «تعيد تقويم استراتيجيتها» في هذا المجال تعرف أنّ الغرب لن يسمح لها من الآن وصاعداً بتبني سياسة منفردة تجاه سوريا، وحتى لو حاولت التمرّد على القرار الغربي كما يحدث الآن جزئياً في حربها ضدّ الأكراد فإنّ الوضع الداخلي المتفجّر لن يسعفها، وسيضعها باستمرار تحت ضغط الشارع والكتل الاجتماعية التي ترفض متابعة السياسة الخارجية التركية تجاه سوريا، وتعتبرها خطراً على وحدة المجتمع التركي واستقراره. والحال أنّ السياسة التركية مصابة بفعل هذه العوامل مجتمعة بالشلل على المستويين الداخلي والخارجي، فلا الانتخابات أفضت إلى حكومة مستقرّة وقادرة على تسيير شؤون البلاد ولا الانضواء ضمن إطار التحالف أكسب «الحكومة الحالية» ثقة الغرب بقدرتها على الانتهاء من تبعات سياساتها السابقة. وفي هذا السياق شهدنا سلسلة تصريحات أميركية تلوم تركيا على بطئها وعدم التزامها الحرفي بسياسات التحالف والتي أصبحت بالنسبة إلى الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص هي الإطار الوحيد لإدارة الصراع الإقليمي سواء ضدّ «داعش» أو ضدّ سوريا وإيران وحلفائهما. فعلى سبيل المثال أدلَت الخارجية الأميركية منذ فترة بتصريحات تقول فيها إنها طلبت من السلطات التركية عدم شنّ غارات جوية ضدّ مواقع داعش في سوريا إلى حين استكمال عملية اندماج أنقرة في التحالف فالدولي، وذلك «لضمان أمن العمليات الجوية للتحالف في الأجواء المزدحمة جداً بالطيران الحربي»، ثم أضافت أن: «الأتراك وافقوا على ذلك». ولم يكتفِ الأميركيون بهذا التقريع الشديد اللهجة بل أضافوا إليه بعد أيام تصريحات جديدة، ولكن هذه المرّة على لسان وزير الدفاع أشتون كارتر الذي طالب تركيا بضبط حدودها مع سوريا والعراق لقطع الإمدادت عن «داعش»، وبمشاركة أكبر في الحرب ضد التنظيم. يعتقد الأميركيون كما سبق وذكرنا أن الجهود التركية ضمن إطار التحالف ليست كافية لمواجهة «داعش»، ويريدون منها سلوكاً أكثر انضباطاً على اعتبار أنها تخلّت عن شروطها السابقة وقرّرت الانضواء بشكل نهائي في المنظومة الأميركية لإدارة الصراع. هذا لا يعني فقط التوقّف عن استخدام ورقة «داعش» ضدّ الخصوم الإقليميين بل أيضاً منعه من التحوّل إلى «قوة إقليمية» لا يستطيع أحد احتمالها أو توقّع تحرّكاتها. وهذا ما يزعج الأميركيين في المسار الذي انتهى إليه «داعش»، فهو الآن وبخلاف كلّ القوى التكفيرية التي يدعمها الغرب والخليج في المنطقة خارج نطاق السيطرة، ولذلك يسعون من خلال الضغط الشديد على تركيا إلى استعادة السيطرة على التنظيم بغرض توظيفه مجدداً ضمن إطار الستاتيكو الذي يريدون فرضه على المنطقة. وفي هذا السياق يقول كارتر انه لا يعتقد أن الأتراك يتراجعون عن الانضمام إلى حملة القصف الجوي، مضيفاً: «زعماؤهم أشاروا إلى أنه يجب القيام بهذا الدور... هذا جاء متأخراً لأنه مضى عام على بدء الحملة لكنهم يظهرون مساعي كبيرة الآن بما في ذلك السماح لنا باستخدام قواعدهم الجوية. ذلك مهم لكنه ليس كافياً». ثم أضاف قائلاً: «عليهم أن ينضموا إلى منظومة الضربات الجوية، وعليهم أن يعملوا بشكل أكبر للسيطرة على حدودهم».

خاتمة

الإشارات الأميركية إلى تركيا واضحة جداً، وهي في تزايد مستمرّ، وفي حال قرّرت تركيا تجاهلها أو عدم الاكتراث بها كما يجب مفضلةً الاستمرار في خوض الصراع بمفردها فسيزداد تهميشها إقليمياً ولن تعود قادرة على إدارة أي تحدٍّ يواجهها في الإقليم. وهذا سينعكس أيضاً على ملفّاتها الداخلية التي ستتعقّد أكثر وتتحوّل إلى عبء على البلاد التي لم تعد تواجه مشاكل سياسية فحسب، بل أصبحت في ظلّ البيئة الاستراتيجية المتغيرة عرضةً لشتى أنواع المشاكل، وخصوصاً الاقتصادية منها، في ظلّ تراجع نسب النمو والانخفاض الحادّ في سعر صرف الليرة التركية. في الماضي حينما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة كانت البيئة الاستراتيجية أكثر استقراراً من الآن وكان يمكن التنبؤ بتغيراتها، وهذا ساعد تركيا سياسياً واقتصادياً، أما الآن فقد تغيّر الأمر جذرياً ولم يعد بالإمكان الاعتماد على السياسات التي تستفيد من تناقضات الإقليم لتبني عليها استراتيجيتها. هذه الاستراتيجية تلفظ أنفاسها الآن، وفي انتظار تبلور أخرى على أنقاضها فإنّ الوضع في تركيا لن يستقرّ وسيشهد على الأغلب أوقاتاً عصيبة شبيهة إلى حدّ ما بتلك التي واجهتها المجتمعات العربية حين بدأت سلطاتها وأنظمتها السياسية بالانهيار الواحدة تلو الأخرى.
* كاتب سوري