ينطوي بعد يومين عام 2011، وهو عام تأججت فيه تناقضات وأطلقت تحديات وارتسمت وعود، إلى مدى غير مسبوق. وخلافاً لما ذهب إليه البعض، من إطلاق أحكام قاطعة ونهائية بشأن ما حفل به العام المنصرم من أحداث ومفاجآت وتطوّرات، فالحقيقة أنّ ما انفجر من احتجاجات أو حصل من تطوّرات ومتغيّرات، إنّما هو تعبير جديد عن حركة صراع قديمة. وذلك الصراع ذو خلفيات ودوافع متنوعة، سياسية واجتماعية واقتصادية... وهو أيضاً صراع متداخل الجوانب والعناصر في الدولة الواحدة وفي النطاقين الإقليمي والعالمي.


ونسارع إلى القول إنّ نتيجة ذلك الصراع وتلك المتغيّرات لم تتضح كلّها بعد، ولن يصبح ذلك ممكناً في المدى القريب. لكنّنا، رغم ذلك، نستطيع بعد سنة من اندلاع شرارة تلك الأحداث باستشهاد الشاب التونسي اليائس محمد بوعزيزي، منتحراً، في أواسط شهر كانون الأوّل من العام الماضي، أن نحدّد بعض الملامح والعوامل التي كانت الأبرز، والأهم، والأكثر تأثيراً، في مسار تلك الأحداث التي ستكون على الأرجح الأكثر حضوراً في التداعيات والنتائج والنهايات.
ولا شكّ، من وجهة نظرنا، في أنّ العامل الشعبي كان ولا يزال هو العنصر الأهم في كلّ ما حدث: «الشعب يريد». وهذا التقدير يرفض، بنحو قاطع، «نظرية المؤامرة» التي يحاول بعض المتضرّرين إسقاطها على كلّ ما حدث، كما يرفض محاكمة الأسباب والمنطلقات في ضوء المداخلات والنتائج: فانتفاضة المظلوم قد لا تؤدّي دائماً إلى رفع الظلم عنه، بل قد تؤدّي، أحياناً، إلى مضاعفة الظلم. لكنّ ذلك لن يمنع من المحاولة وتكرار المحاولة حتى يزول الظلم، ولو بعد حين، وبعد معاناة وبعد أثمان باهظة!
ولعلّ من أسوأ ما تؤدّي إليه «نظرية المؤامرة»، على المدى القريب على الأقل، إسقاط دور الشعب في صنع الأحداث. فيصبح التحرّك الشعبي الذي كان دائماً مطلوباً وكان هدفاً وكان مقدّساً، يصبح، فجأة، دوراً ملتبساً ومشبوهاً وموحى به من الخارج. ينكر هذا التفسير الخاطئ والفئوي في طريقه أيضاً، واقع المعاناة وسبب الشكوى ومطارح الخطأ والألم، ويعوّل فقط على النتائج، وإن أيضاً وغالباً، بشكل جزئي وبشكل فئوي وبشكل مغرض...
لكنّ هذا الكلام لا يستقيم من دون إبراز دور العامل «غير الشعبي» في التحرّكات الشعبية المدهشة والهائلة التي اجتاحت معظم البلدان العربية، ووصلت أصداؤها إلى «وول ستريت» الأميركية نفسها. نعني بذلك الدور الخارجي، أي دور قوى «المؤامرة» التي تدخل وتتدخل وتتداخل في الأحداث وبها ومعها، وبكل الوسائل، وصولاً إلى ادّعاء الأبوة لعملية التغيير الموجهة حتى ضد الأنظمة الأكثر ارتباطاً بالقوى الخارجية. تلك القوى تستغلّ الأحداث والاحتجاجات. تناور. تبدّل. تغيّر. والهدف واحد: اكتساب مزيد من مواقع النفوذ والتأثير، ومزيد من القدرة على توجيه مسار الأحداث لخدمة مصالحها ولإنجاح مشاريعها الجديدة أو القديمة. ينطبق ذلك الأمر، بشكل أبرز على دور الإدارة الأميركية في مسار الأحداث التي شهدها العالم العربي. فواشنطن أنهت العام الحالي بالاضطرار إلى تنفيذ انسحاب عسكري شامل من العراق، نتيجة لفشلها في البقاء فيه وفي تحقيق أهداف غزوها له في 2003. وهي تحاول في هذه المرحلة، التعويض عن فشلها هناك عبر استراتيجية جديدة بدأت تتضح معالمها منذ تقرير لجنة بيكر ـــــ هاملتون التي نظرت في إخفاقات الغزو الأميركي للعراق، وأوصت بسياسات جديدة، وذلك قبل خمس سنوات من يومنا هذا!
إنّ مسارعة واشنطن إلى ركوب موجة التحرّك لا ينبغي أن تنال أبداً من مشروعية التحرّك ولا من دور صانعيه ولا من أهدافه ومراميه. ولا ينبغي بالمقابل، التذرّع، بالنسبة إلى البعض، بالدور الأميركي والإسرائيلي، من أجل التنكّر لتحرّكات شعبية تحمل مطالب مشروعة في مسائل حيوية من نوع الحق في الحرية وفي المشاركة وفي الديموقراطية...
لا يصمد ادّعاء الدعم الأميركي للتحرّكات الشعبية أمام أيّ تحليل موضوعي. فذلك الدعم انتقائي وفئوي، ومغرض في كلّ الأحوال. لكنّ المسألة تكمن، هنا، في أنّ التحرّك والتطلّب الشعبيين، لم يعودا يخضعان لشروط بعض القوى التي تضع، مثلاً، «الممانعة» في وجه المشاركة وفي وجه حقوق المواطن على معظم المستويات. ويقود ذلك إلى أنّ مسألة التحرّر، لم تعد قابلة للتجزئة وللفئوية، وخصوصاً، للتعسّف. فمنذ تجربة الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية، إلى تجربة من بقي من «قوى التحرّر العربية»، إلى تجارب الديكتاتوريات والأنظمة الاستبدادية، إلى مأساة شعب فلسطين، إلى حروب الغزو والتدخل والنهب والاستغلال... من هذه التجارب والصراعات وسواها، تتأكّد حقيقة أنّ قضية التحرّر والحرية والحقوق الإنسانية السياسية والاجتماعية... واحدة! وفي ضوء ذلك، لم يعد ممكناً وضع جانب من هذه القضية في مواجهة الجوانب الأخرى: كأن يوضع التحرّر من المحتل في تعارض مع حرية المواطن في ممارسة حقوقه السياسية الطبيعية: حرية الرأي والمعتقد والمشاركة...
ولعلّ من أبرز الاستنتاجات أيضاً، أنّ الولايات المتحدة، قد جدّدت وبدّلت من سياساتها في ضوء المتغيّرات والإخفاقات والاحتجاجات. فهي قد تخلّت عن التفرّد وزادتها أزماتها واقعية وسعياً إلى المساومة والمشاركة. وخلافاً لنهج بوش الثاني و«المحافظين الجدد»، تفعّل واشنطن من دور الحلفاء والشركاء، الأوروبيين والعرب وسواهم. وهي تعوّل كثيراً أيضاً، على التناقضات الداخلية الثانوية، ساعية إلى جعلها تناقضات رئيسية، وخصوصاً ما يتصل بالخلافات الإثنية أو الدينية أو الطائفية أو المذهبية. ولقد شكّلت القمة الخليجية الـ32 التي عُقدت في المملكة السعودية في العشرين من الجاري، تعبيراً عمّا طرأ على السياسة الأميركية من تحوّلات، وما أصابته من نجاحات أيضاً. فتلك القمة ركّزت على الخطر الإيراني، وصاغت علاقات ومواقف وتحالفات أطرافها على هذا الأساس: بدءاً من مشروع الاتحاد إلى السياسات والميزانيات والأولويات التي سقط منها الخطر الإسرائيلي ليحلّ مكانه الخطر الإيراني!
أما الحقيقة الثالثة التي يجب إيلاء اهتمام خاص ومركّز بشأنها، فتلك المتعلقة بغياب المشروع التحرّري العربي. فمكوّنات ذلك المشروع مستنزفة أو عاجزة أو مستفزة. وقد كشف التحرّك الشعبي من جهة، والتدخل الغربي من جهة ثانية، هذا الغياب بصورة مضاعفة. ويحتاج ذلك إلى متابعة جادة ومسؤولة. ذلك أنّ المطلوب ليس استئناف ما كان قائماً من أهداف وسياسات وعلاقات وأطر. المطلوب كبير جداً. وهو بحجم ما أتاحته التطوّرات من فرص وما كشفته من استعدادات وما فضحته من ثُغَر وسلبيات وأخطاء.
إنّنا أمام مرحلة تاريخية جديدة. ومن بين أبرز تحديّاتها إعادة صياغة المشروع التحرّري العربي بأبعاده الأساسية كافة، من دون اجتزاء، أو تلكؤ، أو فئويات.
* كاتب وسياسي لبناني