لم تكتمل فرحة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بالاستعراض النووي الفاشل الذي قدّمه مطلع شهر أيار الماضي، معلناً نجاح «الموساد» في سرقة الأرشيف النووي الإيراني، والذي أقرت العديد من الجهات الدولية أنه لم يتضمن أي معطيات جديدة وحاسمة تخدمه في المعركة ضد البرنامج النووي الإيراني. ولم يكد نتنياهو يستنفذ تثمير هذا الاستعراض إعلامياً وسياسياً لخدمة خطابه السياسي في مواجهة إيران، حتى اهتزت الساحة الإسرائيلية بالكشف عن نجاح الجمهورية الإسلامية في تسجيل إنجاز استخباري غير مسبوق ضد إسرائيل عبر تجنيد وزير الطاقة والبنى التحتية السابق غونين سيغف، لمصلحة الاستخبارات الإيرانية.


لم يكن الإعلان عن الإنجاز الاستخباري من قبل طهران، كي يتم التشكيك به، كما هو حال إعلان نتنياهو، وإنما تم معرفته من خلال سماح «الشاباك» بنشر خبر اعتقال الوزير الذي قدم لإيران معلومات متنوعة بما يخدم صراع محور المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي. وبدا من خلال حجم التغطية الإعلامية في تل ابيب لهذا الحدث الأمني حجم الصدمة التي تردد دويها في كل أنحاء إسرائيل، وتحديداً لدى المؤسستين السياسية والأمنية. وتزداد المخاوف لدى الجهات المختصة في تل أبيب، أن الوزير بحكم منصبه في الحكومة والكنيست كان مطلعاً على الكثير من المعلومات الأمنية والسياسية الخاصة. وكشف اعتقاله عن طبيعة وحجم المعركة الاستخبارية التي تدور بين طهران وتل أبيب بما يخدم أنواع الحروب الأخرى، السياسية والأمنية والإعلامية والنفسية.
احتل خبر اعتقال الوزير السابق صدارة اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتحوّل إلى مادة تحليل للمعلقين المختصين الذين كشفوا وأكدوا المخاوف التي تحضر مع نجاح إيران في تجنيد هذا المستوى السياسي الرفيع، وتحديداً أن منصبه الرسمي يؤهله للوصول إلى الكثير من المنشآت الاقتصادية والسياسية والعسكرية إضافة إلى المنشآت السرية. وبالقدر المتيقّن باتت إسرائيل تدرك أن لدى إيران معلومات نوعية جداً ومحدَّثة حول كل المنشآت التي تندرج تحت مسؤوليته كوزير للطاقة والبنى التحتية.
لم تتمكن وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي عادة ما تكون مجنَّدة في مثل هذه الحالات لمصلحة الأمن القومي، أن تخفي حجم الإنجاز الذي سجلته الاستخبارات الإيرانية، وذهبت القناة العاشرة إلى وصف نجاح إيران في تجنيد سيغف بأنه «أحد أخطر قضايا التجسس في تاريخ إسرائيل»، فيما رأت القناة الثانية عشر، أنه «أحد أخطر قضايا التجسس في إسرائيل، من ناحية مستوى المعلومات أو مستوى العلاقات، خصوصاً أن الأمر يتعلق بوزير سابق شارك في حكومات اسحاق رابين وشمعون بيريس، في التسعينات»، وبطبيعة الحال فقد كان عضواً في جلسات الحكومة التي شارك فيها أيضاً، رجال الاستخبارات والجيش، ويتم خلالها تداول الكثير من المعطيات والمعلومات السرية.
طلب الإيرانيون من الوزير المعتقل معلومات عن المؤسسة السياسية وعن منشآت أمنية


ورأى معلق الشؤون الأمنية في صحيفة «معاريف»، يوسي ميلمان، أنّ قضية سيغف «أخطر من قضية (مردخاي) فعنونو» الذي كشف الأسرار النووية لإسرائيل، وتم استدراجه واعتقاله في الثمانينات. وأوضح أن فعنونو سلّم معلومات إلى صحيفة بينما «سيغف» تعامل مع دولة عدوة لا تعترف أن لإسرائيل حقاً في الوجود. وينطوي كلام معلق الصحيفة على إقرار ومخاوف من طبيعة المعلومات الأمنية التي يفترض أن الوزير سلمها للاستخبارات الإيرانية، وهو ما يعني الكثير بالمعايير الأمنية والسياسية، خصوصاً أن لدى إيران برامجها المعلوماتية الخاصة التي تتصل بالصراع مع إسرائيل على مستوى الأهداف وعملية صناعة القرار والعلاقات السرية والخاصة بين تل أبيب وجهات إقليمية ودولية. ويتعزز هذا التصور مع الإعلان في تل أبيب أنه تم تزويد سيغف بمنظومة اتصالات سرية مشفرة لتبادل الرسائل بينه وبين الاستخبارات الإيرانية. وأكدت التقارير الإعلامية الإسرائيلية أن التحقيق كشف عن أن الوزير المعتقل قدّم لطهران معلومات سرية تتعلق بقطاع الطاقة ومواقع أمنية إسرائيلية، وتفاصيل عن أصحاب مناصب في المؤسسات الأمنية والسياسية وغيرها، كما عمل على ربط بعض الإسرائيليين بالاستخبارات الإيرانية.
ويمكن استشراف حجم المعلومات التي يفترض أن تكون إيران حصلت عليها من خلال معرفة أن الاستخبارات الإيرانية نجحت في تجنيده منذ نحو ست سنوات، حيث أظهرت التحقيقات الإسرائيلية أنه تم تجنيده في نيجيريا في العام 2012، وتم اعتقاله في شهر أيار الماضي وسمح «الشاباك» بالنشر عنه الآن. وبالتأكيد ستتوقف الأجهزة الأمنية طويلاً أمام دلالات ونتائج النجاح في تشغيل وزير سابق على مدى ست سنوات حيث يستطيع التنقل بحرية تامة في داخل الكيان ويصل إلى المنشآت والأهداف والمعلومات التي لا يستطيع الكثير من المجندين الآخرين الوصول إليها. على هذه الخلفية، رأت القناة العاشرة أن هذه القضية تسلّط الضوء على الحرب السرية بين إيران وإسرائيل، وتعبير عن «حرب أدمغة» على طول جبهة الصراع.
وكشف معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة، أور هيلر، أنه بحسب إعلان «الشاباك»، طلب الإيرانيون من الوزير سيغف معرفة ما يحدث داخل المؤسسة السياسية ومعلومات عن منشآت أمنية. وهو مطلب محور المقاومة بما يخدمه في توجيه الصواريخ ضد العمق الاستراتيجي لإسرائيل. ورأى هيلر أن هذه مطالب «كل مشغل جواسيس يدفع مقابلها الكثير من المال والجهد من أجل تحصيل هذه المعلومات عن العدو، وهذا ما تفعله أيضاً إسرائيل». وتابع أيضاً بالقول إن الاستخبارات الإيرانية حصلت على هدية وجائزة بمستوى لم تحصل عليه في السابق. ومن الواضح أن إسرائيل تتعامل مع هذا الحدث بأعلى درجات الخطورة، خصوصاً أنه – بحسب التقارير الإسرائيلية - ذهب مرات عدة إلى إيران لإجراء لقاءات مع مشغليه. وأظهر التحقيق أيضاً أن سيغف اجتمع مع مشغليه الإيرانيين في مختلف أرجاء العالم في فنادق وشقق تستخدم لأنشطة سرية إيرانية. ومن أجل تنفيذ المهمات التي أنيطت به من قبل مشغليه الإيرانيين، أقام سيغف علاقات مع مواطنين إسرائيليين لهم علاقة بمجال الحماية والأمن والعلاقات الخارجية لإسرائيل. وربط بعض الإسرائيليين بالاستخبارات الإيرانية من خلال تقديمهم على أنهم رجال أعمال إيرانيون.
وفي نهاية التحقيق قدّمت النيابة العامة (في 15 حزيران) لائحة اتهام ضد سيغف، حيث غالبية الاتهامات الموجهة إليه تتعلق بتسليم معلومات للعدو، وتمت المصادقة عليها من قبل المستشار القانوني للحكومة ومن قبل نيابة الدولة.