التقدير السائد في الساحتين السياسية والإعلامية الإسرائيلية أنّ الجولات واللقاءات التي يجريها المسؤولون الأميركيون ما هي إلا خطوات تمهيدية لإعلان «صفقة القرن» التي تهدف بدورها إلى تصفية القضية الفلسطينية. ومع أنه لحدّ الآن ليس من الواضح توقيت هذا الإعلان، إلا أن تسارع الخطوات والتطورات التي تشهدها المنطقة يشي بأنها باتت أكثر قرباً. ومما يعزّز هذا الاتجاه كثافة الاتصالات الأميركية واتساع دائرتها، إضافة إلى أن المداولات الدبلوماسية التي يجريها المسؤولون الأميركيون تتناول مضامين التسوية التي يجري التخطيط لفرضها على الطرف الفلسطيني. وأخرى تتصل بترتيبات اقتصادية تهدف إلى احتواء الواقع المقاوم في قطاع غزة. هذا بالإضافة إلى التطورات الإقليمية التي تفرض على إدارة دونالد ترامب الدفع نحو بلورة الأرضية التي تسمح بنسج تحالفات علنية بين الطرفين السعودي ومن يسير في ركبه، والكيان الإسرائيلي على قاعدة مواجهة التهديد الذي يمثله محور المقاومة، وتحديداً بعد الانتصارات التي حققها في سوريا والعراق والمنطقة.

في ظل أجواء المباحثات التي أجراها كبير مستشاري الرئيس الأميركي وصهره، جاريد كوشنر، ومبعوث الرئيس الأميركي الخاص لعملية التسوية في الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، يوم أمس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقبل ذلك مع أكثر من طرف عربي، كشفت صحيفة «هآرتس» أن خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المرتقبة لتسوية القضية الفلسطينية، تتضمن عرض قرية أبو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية المفترضة بدلاً من مدينة القدس (وهو ما سبق أن سُرِّب في أكثر من صحيفة)، في مقابل انسحاب إسرائيلي من 3 إلى 5 قرى من بلدات عربية واقعة شماليّ المدينة المقدسة وشرقيّها، على أن تبقى البلدة القديمة تحت السيطرة الإسرائيلية.

بات ينبغي لأي ترتيب يهدف إلى إخضاع الشعب الفلسطيني أن يمرّ عبر قطاع غزة


ولفتت «هآرتس» إلى أن إعلان «صفقة القرن» بات وشيكاًَ، وأنها لا تتضمن إخلاء البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك المستوطنات «المعزولة»، وعلى أن تبقى منطقة الأغوار تحت السيطرة الكاملة للاحتلال الإسرائيلي. استناداً إلى ذلك، رأت الصحيفة أن الدولة الفلسطينية، وفق «صفقة القرن»، ستكون «دولة ناقصة»، ومن دون جيش أو أسلحة ثقيلة، مقابل «حزمة من الحوافز المادية الضخمة» المقدمة من السعودية ودول خليجية أخرى. وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية أن هناك «مخاوف» أردنية من أن تُمنَح السعودية – بموجب الصفقة الأميركية - موطئ قدم في الحرم القدسي، وهو ما يعني سحب الامتياز الأردني في الإشراف على الأوقاف الدينية الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة. هذا مع العلم أن نتنياهو تعهد للملك الأردني، عبد الله الثاني، خلال لقائهما الأخير في عمان، بـ«الحفاظ على الوضع الراهن في الأماكن المقدسة».
على خلفية هذه التقارير، ستجد السلطة الفلسطينية نفسها بين خيارين: إما الانقلاب على شعاراتها التي انحدرت إلى الحد الأدنى، والقبول بالصيغة الأميركية التي صيغَت وفق متطلبات اليمين الإسرائيلي، وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى مزيد من الإحباط في الشارع الفلسطيني ويقوّض امتدادها الشعبي... أو الإصرار على رفضها المعلن، التزاماً بالموقف الذي أعلنته مع الاعتراف الأميركي عن القدس عاصمة لإسرائيل، وهو ما سيُعرضها للمزيد من الضغوط السعودية والأميركية ويدفعها بالضرورة نحو انتهاج خيارات بديلة أقرب إلى طموحات الشعب الفلسطيني.
على خط موازٍ، ونتيجة موقع غزة ودورها في مواجهة مخطط «صفقة القرن» بفعل تعاظم قدرات فصائل المقاومة، بات ينبغي لأي ترتيب يهدف إلى إخضاع الشعب الفلسطيني أن يمرّ عبر القطاع، إما احتواءً أو ضغطاً أو إغراءً... ولهذه الغاية، كان من الطبيعي أن يكون قطاع غزة على طاولة اللقاء الذي جمع نتنياهو مع المبعوثين الأميركيين، أمس.
وهو ما أكده البيان الصادر عن البيت الأبيض بالقول إن المجتمعين ناقشوا سبل «تخفيف حدّة الأوضاع الإنسانيّة في قطاع غزّة، مع الحفاظ على أمن إسرائيل»، بالإضافة إلى ترتيبات «صفقة القرن». ضمن هذا الإطار، أكدت تقارير إعلامية إسرائيلية أن إدارة ترامب تسعى إلى جمع أكثر من نصف مليار دولار من دول الخليج للمضي في مشاريع إعادة إعمار قطاع غزّة، على أن تكون في سيناء بدلاً من داخل القطاع. وأكدت «هآرتس» أن الإدارة الأميركية تأمل أن تساهم هذه المشاريع في تهدئة «التوتّرات الأمنية الإسرائيليّة مع قطاع غزّة»، ما سيخلق «أجواءً إيجابيّة» أثناء عرض «صفقة القرن».