من الصعب الفصل بين التقارير التي تتحدث عن توجّه جيش العدو الإسرائيلي إلى تقديم توصية إلى المستوى السياسي بتبني سياسات أكثر عدوانية تجاه قطاع غزة، وبين مجموعة عوامل دافعة، تتصل بشخصية رئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي، الذي يحاول بلورة خيارات جديدة، في ظلّ فشل الخيارات السابقة في ردع فصائل المقاومة الفلسطينية، وتفاقم الوضع في جنوب فلسطين المحتلة.

وبمعزل عما إذا كانت التوصية امتداداً طبيعياً للمسار التصاعدي بين غزة وكيان العدو، أم قفزة «نوعية» يسعى إلى تحقيقها كوخافي، فهي محاولة لإحداث تحول في المعادلة التي نجحت المقاومة في فرضها على العدو بعد سلسلة مواجهات ومحطات بين الطرفين. وفي هذا السياق، كشفت «القناة الـ 12» في التلفزيون الإسرائيلي أن جيش العدو يدرس «وقف الصواريخ التحذيرية التي تلقيها إسرائيل قبل تدمير المباني... وتفجير هذه المباني حتى لو سقط قتلى».

(أ ف ب )

وتأتي هذه المداولات، التي تعود فيها الكلمة الفصل إلى المستوى السياسي، في أعقاب تولي كوخافي رئاسة الأركان، وتقديمه خطته الجديدة التي تقوم على «إبادة العدو» في أي مواجهة، وعدم تجنب قتل المدنيين، بل تنفيذ سياسة عدوانية أكثر فتكاً. وإذا ما تم تجاهل البعد المتصل بأن كل رئيس أركان يريد أن يترك بصمته الخاصة على الجيش، يبدو واضحاً أن هذه الاقتراحات تنطلق من تقويم للمرحلة السابقة التي فشلت فيها إسرائيل في تعزيز قوة ردعها مع فصائل المقاومة، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع الأمني والنفسي في المستوطنات الجنوبية.
هذا الواقع يفرض نفسه على المستوى السياسي، الذي يشهد حالة من التجاذب حول كيفية التعامل معه. وعليه، تُطرح مجموعة من الخيارات بين مَن يدعو إلى ضرورة استنفاد المساعي للتوصل إلى تسوية ما مع القطاع، وبين دعاة الحسم العسكري والضربات الواسعة من أجل استعادة قوة الردع. واقع إشكالي تناوله أيضاً الجنرال عاموس غلبوع، وهو رئيس سابق لوحدة الأبحاث في «الاستخبارات العسكرية» (أمان)، مُشبّهاً إياه بحرب الاستنزاف التي خاضتها إسرائيل مع الجبهة المصرية قبل 50 عاماً، مع فارق أنه في السابق كان الاستنزاف مُوجّهاً ضد جنود الجيش على ضفاف السويس وبعيداً عن المدنيين. أما اليوم، فإنه يشمل الجبهة الداخلية الإسرائيلية من الجنوب حتى منطقة وسط إسرائيل وتل أبيب. وللاستدلال، تحدث غلبوع عن المسار التصاعدي في إطلاق الصواريخ من القطاع منذ ما بعد عدوان «الجرف الصامد» عام 2014. إذ تدرّج إطلاقها من 15 صاروخاً في 2015 إلى ما لا يقلّ عن 1119 صاروخاً في 2018. وحتى الآن، أُطلق 784 صاروخاً خلال العام الجاري.
يحاول كل رئيس أركان أن يترك بصمة شخصية في تاريخ الجيش


هذا التطور يفرض نفسه على المؤسسة العسكرية، التي يفترض أن تقدم اقتراحات للدفع باتجاه واقع أكثر أمناً. لكن المشكلة أن الأوضاع مع القطاع «قابلة للاشتعال أكثر من أيّ وقت مضى». وهو ما يعني أن اتباع هذه الاستراتيجية في العدوان قد يؤدي إلى نتائج معاكسة لِما تطمح إليه قيادة الجيش، الأمر الذي برز في كلام ضابط رفيع وصفته القناة الإسرائيلية بأنه «خدم سنوات طويلة في غزّة»، قال إن المسألة تتعلق بخيط رفيع «يمكن في أي لحظة أن يفجّر الوضع بصورة كبيرة».
على أي حال، يبقى السؤال الأساسي هو: هل المستوى السياسي على استعداد للدخول في مواجهة واسعة مع غزة على أبواب انتخابات؟ وخاصة أن أي مواجهة بهذا المستوى ستؤدي إلى إصابات كبيرة، واستهداف العمق الإسرائيلي، وبالتالي حشر القيادة السياسية التي ستجد نفسها في النهاية أمام محطة مفصلية: إما الذهاب نحو خيار دراماتيكي أكثر عدوانية عبر محاولة اقتحام القطاع، ودون ذلك الكثير من المحاذير التي تتصل بالخسائر المحتملة والظروف السياسية الإقليمية التي تفرض على إسرائيل التفرغ لمواجهة تداعياتها، وإما تكرار صيغة التهدئة السابقة، ما سيؤدي من جديد إلى تكرار الشعور بالخيبة، في انتظار الجولة المقبلة.