أقرّ وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، باكراً، بأن التسوية المقترَحة للصراع العربي ــــ الإسرائيلي «ربّما تُرفض في نهاية المطاف». في حديثه الذي سرّبته «واشنطن بوست» خلال لقاءٍ جمعه بكبرى المنظمات اليهودية الأميركية، يشير بوضوح إلى كون الخطّة مُعدّة «لتكون مفضّلة لدى الجانب الإسرائيلي»، متسائلاً عن كيفية «إجراء نقاش حقيقي لإخراج هذه الخطة»، في ظلّ «عدم توافر ضمانات تجعلنا قادرين على حل الصراع».

الشهادة التي سرَدها أحد أبرز وجوه إدارة ترامب، تحاكي الاعتقاد السائد أميركياً بأن الرؤية التي صاغها مستشار الرئيس الأميركي وصهره، جاريد كوشنر، لا تتعدّى كونها فكرة غير قابلة للتطبيق، حتى في أفضل الظروف. فكيف الحال إذا ترافقت مع اعتماد سياسة الضغوط القصوى التي تمارسها الإدارة الأميركية على الفلسطينيين. تعتقد الباحثة في «بروكنغز»، تمارا كوفمان ويتس، أن عرض شراء قبول فلسطيني بنتيجة سياسية غير معلن عنها «قد يفسد البيئة لأيّ خطة سياسية»، بينما يجادل الدبلوماسي السابق، آرون ديفيد ميلر، بأن مقاربة كوشنر ليست جديدة: «لو استطاعت الولايات المتحدة أن تشتري السلام في الشرق الأوسط من خلال التنمية الاقتصادية، لكانت فعلت ذلك منذ زمن». ويخلص مدير «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، روبرت ساتلوف، إلى القول إن «الطريقة الوحيدة لحماية الجدوى طويلة الأمد للجوانب الأفضل لخطة كوشنر، هي قتل الخطة».
وعليه، يرى مايكل يونغ من «معهد كارنيغي» أن الطبخة التي أعدّها كوشنر وفريقه لا تتعدّى كونها نسخة معدّلة لخطة الحكم الذاتي التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن في أيار/ مايو 1979، أي الخطة التي منحت الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً في الأراضي المحتلة، إنما رفضت منحهم دولة. ويشير إلى أن «التفاهة الفائقة القائمة على الافتراض بأنه يمكن مقارنة نزاع وطني عميق واستحواذي بين شعبين بمباراة كرة قدم، هو أحد المشاكل العديدة التي تشوب نظرة الولايات المتحدة إلى العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين». لكن ذلك الأمر لا ينفكّ يغذّي اعتقاداً يسود أوساط اليمين الإسرائيلي وداعميه الأميركيين، مفاده أن السلام يمكن أن يقوم برمّته على تنازل الفلسطينيين وخضوعهم.

ثمة اعتقاد أميركي بأن الرؤية التي صاغها كوشنر فكرة غير قابلة للتطبيق


من جهته، يقدّم مارك إدواردز، في تقرير لـ«واشنطن بوست»، مقاربة تاريخية مهمة لخريطة طريق «السلام» التي تتبعها الإدارة الأميركية. إذ يعود بنا إلى أيام مضت، حين وافق «مجلس العلاقات الخارجية» على نظام الانتداب، باعتباره الطريقة الأكثر لطفاً لتقدّم العرب «المتخلفين». حينذاك، سيطر الحديث عن الحاجة إلى «تحضّر» السكان العرب على صفحات دورية «فورين أفيرز» التي تصدر عن المجلس، ما دفع بكتابها إلى تبنّي مواقف تجاه المنطقة ثابتها الوحيد أنها تتغيّر باستمرار. في العشرينيات، وبينما كانت فلسطين ترزح تحت الوصاية البريطانية، وجد كتاب الدورية أنفسهم قلقين من «حرب مقدسة» محتملة ضدّ بريطانيا. قارنوا بين «التشدد الإسلامي» والشيوعية المتعصبة، وشعروا بالقلق من أن هاتين الأيديولوجيتين قد تندمجان بسهولة في حركة مشتركة ضدّ الغرب. وكانت خشيتهم أن يتم «ابتلاع تركيا بالدوامة المدمرة التي تجتاح روسيا». سرعان ما سيتبدل هذا الموقف حين يأتي أتاتورك. هذه المرة، سينتقل التركيز إلى العربية السعودية، التي اعُتبرت وقتها بمثابة «مقاومة إسلامية للثقافة المسيحية الأوروبية». وحين كانت الخشية كبيرة من «إمبراطورية» ابن سعود، فرض الخبير التشيكي في شؤون المنطقة، الويس موسيل، استخدام «فورين أفيرز» لاقتراح استراتيجية لاحتواء آل سعود.
أفسح «صراع الحضارات» الطريق أمام آمال التحديث السريع في الثلاثينيات والأربعينيات. لكن التفكير الأبوي الذي تقوم عليه هذه السردية، ظلّ ثابتاً. أثنى الكتّاب على توجّه أتاتورك الغربي، معتقدين أن ذلك أدى إلى خصخصة الإسلام. «الشرق كله في طور الانتقال من مرحلة ثقافية إلى أخرى»، وفق الفيلسوف الصهيوني هانز كوهن، الذي نسب إلى أتاتورك هذا الإنجاز. في تلك الفترة أيضاً، استندت تقييمات قادة المنطقة في الشؤون الخارجية إلى الذين قدّموا أفضل الممارسات لـ«تحديث السكان». هكذا، قام كوهن وغيره من الكتاب بتحويل ابن سعود بين عشية وضحاها من محارب خطير، إلى حداثوي. خلال الحرب العالمية الثانية، شجّع المؤرخ جويل كارمايكل «مجلس العلاقات الخارجية» على التعرف إلى ابن سعود واحتضان محاولاته لترويض «الحياة البرية» للعرب.
بَحْث المعهد عن حلفاء «متحضّرين» في المنطقة أنتج توجهاً صهيونياً قوياً. كان كوهن و كارمايكل مجرد صهيونيين أيّدا الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين. آخرون، بمن فيهم قاضي المحكمة العليا (لاحقاً)، فيليكس فرانكفورتر، جادلوا باكراً بأن «اليهود الأوائل» كانوا أفضل عملاء للغرب لتطوير «المتخلّفين» من الداخل. حينها، قال كتاب «فورين أفيرز» إن الصهاينة سيحكمون فلسطين على أساس تعاوني محايد روحياً. كانوا يبحثون عن «اندماج اقتصادي» مع جيرانهم العرب، والاستفادة منهم كعمال بدلاً من استعمارهم. إن الدولة التي سيقودها اليهود في فلسطين، والتي يتعيّن على العرب إما القبول بها أو مغادرتها، ستؤسَّس على «المساواة المدنية والسياسية الكاملة في الحقوق لجميع المواطنين، من دون تمييز على أساس العرق أو الدين». نظرت هذه الرؤية إلى إسرائيل كمنارة للمنطقة والعالم، يعيش فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون بوئام.
اليوم، تتصوّر خطة ترامب ـــ كوشنر، مجدداً، دولة يقودها اليهود يعيش من فيها بوئام، لأنه لن يسمح «لصراع أجدادهم باختطاف مستقبل أطفالهم». رفضُ كوشنر للماضي، وفق إدواردز ، يُعتبر جزءاً من مشكلة أكبر سببها عودة الأبوية إلى خريطة طريق الإدارة الأميركية. ترتكز رؤيته على الاعتقاد بأن زيادة سيطرة إسرائيل على المنطقة، إلى جانب المساعدات الإنمائية الخارجية، ستؤدي إلى عصر جديد من التحضّر الفلسطيني. على هذا النحو، تعود بنا خطة سلام ترامب - كوشنر إلى عصر الإمبريالية المستنيرة المزعومة التي سادت صفحات «فورين أفيرز».