غزة | على رغم التحذيرات والمناشدات المتكررة من وزارة الصحة في قطاع غزة، على مدى ثلاثة أشهر، حول «خطورة الوضع وتهديد نقص الأدوية حياة آلاف المرضى»، لم يتحرك أحد لإنقاذ الوضع. تلكؤ دفع الوزارة إلى عقد مؤتمر أول من أمس، نبهت فيه إلى أن أزمة الأدوية والمستلزمات الطبية باتت في «مرحلة صعبة ولا حلول في الأفق»، وأن «أكثر من نصف مرضى غزة بلا علاج». جاء ذلك بعدما أجرت الجهات المسؤولة، خلال الأيام الأخيرة، اتصالات مكثفة مع «منظمة الصحة العالمية» ومؤسسات دولية أخرى، في أعقاب بلوغ إجمالي الأدوية التي لم تعد متوافرة 251 من أصل 516، تُصرف للمرضى عبر الوزارة، ونفاد 300 صنف من المستلزمات الطبية من أصل 900.

هذا النقص ينطوي على خطورة كبيرة، في ظلّ الحاجة الماسّة إلى وفرة من الأدوية والمستلزمات الطبية جراء الوضع الميداني المتقلب، وحالات الطوارئ الكثيرة نتيجة المواجهات في المنطقة الحدودية، وتكرار المعارك بين الفينة والأخرى. وما يضاعف الأزمة، توقف وزارة الصحة في رام الله، التي تديرها حركة «فتح»، عن إرسال شحنات الدواء إلى غزة بعد احتجاز العدو الإسرائيلي جزءاً من أموال الضرائب (المقاصة) التي تجبيها لمصلحة السلطة. وعلى رغم نفي «الصحة» في غزة وصول أي شحنات من الأدوية منذ بداية العام، وإرسالها قائمة بالأدوية المطلوبة إلى رام الله، قالت وزيرة الصحة هناك، مي كيلة، إنه لا يوجد نقص أدوية في القطاع، معلنةً أنها ستسيّر خمس شاحنات من مستودعات الوزارة إلى غزة.
الوزارة في غزة ردّت على ذلك بأنّ إجمالي الواردات الدوائية في النصف الأول من العام الجاري من الجهات المختلفة بلغ 12.8 مليون دولار فقط، منها 1.2 مليون دولار من مستودعات الضفة، أي ما يقارب 3% فقط من احتياجات القطاع الدوائية التي تبلغ سنوياً 40 مليوناً. لكن «الصحة» في رام الله تتهم «حماس»، التي تدير العمل الحكومي في غزة، بـ«سرقة الأدوية وعدم توزيعها على المراكز الصحية»، وهو الأمر الذي تنفيه الحركة، مؤكدة أن المنظومة الدوائية «تخضع لمتابعة واطلاع مستمرين من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية».
وخشية حدوث كارثة كبيرة في أي وقت، اعتمدت الوزارة في غزة «خطة تقشفية»، لأن ما هو متوافر يمكن أن ينفد ما بين ثلاثة أسابيع وثلاثة أشهر على أبعد تقدير، طبقاً للمتحدث باسم «الصحة» أشرف القدرة. وتتزامن الأزمة مع استمرار «مسيرات العودة» التي مرّ أكثر من عام على انطلاقها، قدّم خلاله القطاع الصحي خدماته لعشرات الآلاف من الجرحى الذين يصلون إلى مراكزه بكثافة أيام الجمعة. وفي هذا الإطار، يقول المدير العام للصيدلة في «الصحة» في غزة، منير البرش، إن ما ينتج من المسيرات من إصابات أوجد حالة إشغال في المستشفيات الحكومية والخاصة بنسبة بلغت 100%، ولذلك صارت المستشفيات بحاجة إلى دعم طارئ.
ومن الفئات المتضررة بشدة جراء أزمة الأدوية، مرضى الكلى، إذ تُعرّض الأزمة حياة 39 طفلاً يجرون الغسل الكلوي لخطر الموت جراء الخوف من نفاد نواقل الدم، وهي أحد المستهلكات الأساسية اللازمة مع كل عملية غسيل. إلى جانب هؤلاء، ثمة أكثر من ألف طفل مهددون بالإصابة بإعاقات دائمة نتيجة فقدان الحليب العلاجي، فيما يعاني 8000 مريض سرطان من نفاد 44 صنفاً من أدويتهم منذ أشهر، وهو ما يعني وفق المدير العام للمستشفيات في غزة، عبد اللطيف الحاج، أن نسبة كبيرة من المرضى لا تتلقى العلاج الكامل. ويوضح الحاج أن العلاج الكيماوي يكون جرعتين أو ثلاثاً مع أدوية لا تؤخذ منفصلة، ما يعني أن وجود صنف أو اثنين من أدوية العلاج المشترك يجعله غير فعال مطلقاً.