رمى رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، ورقة لطالما هدّد باستخدامها في وجه العدو الإسرائيلي. إذ أعلن، أمس، بعد اجتماع القيادة الفلسطينية في رام الله، «وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل بدءاً من الغد (اليوم)». اتخذ عباس هذه الخطوة رداً على هدم العدو الإسرائيلي عدة مبانٍ في صور باهر جنوبي شرقي القدس، ضمن منطقة «أ» الخاضعة للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية. لكن إذا كانت عملية الهدم هذه مثلت الدافع المباشر لدى عباس لتنفيذ تهديده، فإن تراكمات أميركية وإسرائيلية كثيرة تقف في خلفية القرار. فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أباح كل المحظورات بعد إعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، ونقله سفارة بلاده إليها. فَعَل ترامب بالسلطة الفلسطينية، التي لطالما اعتبرت الأميركي وسيطاً نزيهاً، ما لم يفعله أي رئيس سابق. أوقف تمويل مستشفيات السلطة، وأغلق مكتب «منظمة التحرير الفلسطينية» في واشنطن، كما أوقف تمويل «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ــــ الأونروا»، وخفّض عدد اللاجئين الفلسطينيين من عدة ملايين إلى بضع مئات. أما أبرز ما ساهم في تهديد أساس وجود السلطة الفلسطينية و«شرعيتها»، فهو طرحه «صفقة القرن»، التي تنسف «اتفاقية أوسلو»، علّة وجود «أبو مازن».

فضلاً عن الضغوط الأميركية، ساهمت إجراءات العدو الإسرائيلي في دفع عباس إلى إعلانه الأخير أمس. فالاقتحامات اليومية للضفة الغربية المحتلة وللمناطق «أ»، واقتطاع حكومة العدو لأموال «المقاصة» (الضرائب)، وحرمان السلطة من 300 مليون شيكل (130 مليون دولار) شهرياً، كلها عوامل هدّدت «الأمان» الاقتصادي والاجتماعي الذي تتغنى به سلطة رام الله. كما أن إعلان العدو، على لسان رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، نيته ضمّ المستوطنات في الضفة المحتلة، وإقدامه قبل أيام على هدم 16 مبنى في صور باهر التي تقع في المنطقة «أ»، ضغطا على عباس لاتخاذ قراره بتعليق العمل بالاتفاقيات الموقعة مع العدو، وتشكيل لجنة لتنفيذ ذلك، عملاً بقرار المجلس المركزي.

«أبو مازن»: آن الأوان لتطبيق اتفاق القاهرة 2017 الذي ترعاه مصر


خطوة «أبو مازن» هذه، التي تظلّ صدقيتها رهن الإقدام على إجراءات عملياتية من مِثل وقف التنسيق الأمني يما يتيح للمقاومة العمل في الضفة الغربية، ربما تكون مؤقتة، الهدف منها إشعال الضفة «جزئياً» للضغط على الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأميركية لتتراجع عن خطواتها، وإجبارها على التفاهم معه. هذا ما أوحى به في سياق كلمته، عندما قال إن «أيدينا كانت وما زالت ممدودة للسلام العادل والشامل والدائم، لكن هذا لا يعني أننا نقبل بالوضع القائم أو الاستسلام لإجراءات الاحتلال». أما في ما يتعلق بالمصالحة مع حركة «حماس»، فرأى أنه «آن الأوان لتطبيق اتفاق القاهرة 2017 الذي ترعاه مصر، ولا نريد العودة إلى مأساة اجتماع موسكو عندما رفضت حماس الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتساوقت في ذلك مع إسرائيل وأميركا».
من جهته، حذّر نائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، صالح العاروري، «من خطورة الاستهداف الإسرائيلي الأميركي للقدس لخلق أمر واقع جديد، مثل ما يجري في صور باهر من هدم وترحيل». وفي حوار صحافي أمس، قال العاروري إن «كل من يريد أخذ مدينة القدس منا ومنحها للاحتلال هو عدو كالاحتلال الإسرائيلي»، لافتاً إلى أن «منطق الإدارة الأميركية الحالية هو منطق الصهاينة المتطرفين الذي يضرب بحقوقنا عرض الحائط». وفي شأن زيارة وفد «حماس» لإيران، وصف العاروري الزيارة بأنها «تاريخية واستراتيجية» بالنظر إلى توقيتها والظروف الراهنة، وقد حققت نتائج مهمة «على صعيد تعزيز قدرات المقاومة وتعزيز صمود شعبنا»، مؤكداً أن «إيران لديها الجاهزية العملية لتقديم كل أشكال الدعم رغم ظروف الحصار»، مضيفاً إن «الاحتلال يعرف ماذا ينتظره في غزة، والمقاومة جاهزة للتصدي لكل محاولاته». وفي ما يتعلق بالمصالحة مع «فتح»، قال إن «الحركة لديها موقف ثابت وحقيقي وصادق تجاه استعادة الوحدة الوطنية، وهي جاهزة لانتخابات فلسطينية شاملة»، معتبراً «انتقائية السلطة في إجراء انتخابات تشريعية فقط انتقائية مسيئة، فالانتخابات الرئاسية أكثر استحقاقاً».