الإشارات الواردة من الرياض وطهران حول إمكان خفض التوتر أو حتى التقارب تُثير قلق تل أبيب وتدفعها إلى دراسة خياراتها للآتي. فمن شأن التقارب، إن حدث، أن يُفقد إسرائيل سلة مصالح استراتيجية يتعذّر حصرها، كانت معقودة على واقع الصراع بين إيران والسعودية، وفي أساسها التطبيع الكامل مع الرياض، ثم التحالف معها ومع من يتبعها في الخليج، بموازاة إنهاء القضية الفلسطينية بلا أثمان عالية.

تجهد المراكز البحثية الإسرائيلية في دراسة أسباب ودوافع ومحفّزات التقارب بين السعودية وإيران، وتقدير الفرضيات والسيناريوهات، إضافة إلى تحديد خيارات إسرائيل في كل منها. وتحت عنوان «ذوبان التوتر بين إيران والسعودية: الجدوى والآثار المترتبة على المنطقة وإسرائيل»، صدرت دورية «مباط عل»، العدد 1222، عن «مركز أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، خالصة إلى جملة توصيات للقيادة السياسية الإسرائيلية، حول إمكانات خفض التوتر في الخليج. ومما جاء في الدورية:
ــــ تشير سلسلة من المؤشرات إلى جهد متبادل بين إيران والسعودية لتحسين العلاقة وتخفيف حدة التوتر بينهما، مع استعداد معلن لحل الخلافات بالحوار.
ــــ الهجوم المنسوب إلى إيران الذي استهدف المنشآت النفطية السعودية في 14 أيلول/سبتمبر الماضي، أكد أن إيران، وإن كانت غير معنية بتدهور إقليمي واسع النطاق، مستعدة للمغامرة بما يتجاوز ما فعلته حتى الآن، وفقاً لاعتقادها أن كلًّا من الولايات المتحدة والسعودية غير معنيتين بالتصعيد. كما أظهر الهجوم أن الرياض وواشنطن غير جاهزتين للمواجهة، علماً أنه كشف مواضع ضعف متعددة للمنشآت الإستراتيجية في المملكة.
على هذه الخلفية، تأتي جهود خفض التوتر بين الجانبين، وتشير التقديرات إلى أن التحول في العلاقات إن حدث «لن يكون عميقاً وطويل الأجل»، إذ أن أسباب العداء ما زالت كما هي، وفقط الظروف كما المتغيرات في المنطقة تشجعهما على تخفيف التوتر جزئياً.
من جهة أخرى، يبدو أن دور الولايات المتحدة أساس في الاتصالات الإيرانية ـــ السعودية، ومن المحتمل أن تكون واشنطن «على دراية بها». مع ذلك، في مواجهة خيبة الأمل السعودية من غياب استجابة أميركية للهجوم على السعودية، وكذلك ضغط الكونغرس على الرياض، قد تدرس الأخيرة خياراتها بغضّ النظر عن الموقف الأميركي، خاصة أن البيت الأبيض يعرب بوضوح، وكذلك الرئيس دونالد ترامب شخصياً، أنه معني بعلاقات مباشرة مع إيران. وتُعد هذه الوقائع متغيرات في البيئة الإستراتيجية للمملكة التي تدفع قادتها إلى إجراء تعديلات في سياستها الخارجية، رغم أن إمكانية فتح قناة حوار لتخفيف التوتر مع طهران ليست واضحة حتى الآن، لكن يبدو أن القضية قيد المناقشة، مع مصادر دولية قريبة من الإيرانيين.
من ناحية إسرائيل، خفض التصعيد في هذا الإطار يؤثر سلباً في مستويات مختلفة، إذ أن التقارب بين إسرائيل ودول الخليج مبني على المصالح المشتركة في مواجهة إيران، وهو أساس التعاون بينها وبين الدول الخليجية، بل عامل رئيس في تحسين علاقاتها مع الدول العربية السنية. مع ذلك، وفي فهم مصالح إسرائيل والسعودية، الأمر يرتبط كذلك بمصالح مشتركة في مواجهة تنظيمات مثل «داعش» و«الإخوان المسلمين» وحتى حركة «حماس»، وكذلك المصلحة المشتركة في الحفاظ على علاقات مميزة وخاصة مع واشنطن، ما يعني أن نجاح قناة الاتصال بين إيران والسعودية سيكون قائماً على «مصالح آنية، ولا يُعبر عن حل جذري للعداء».
على خلفية كل ذلك، «يجب على إسرائيل مراقبة التطورات، وأن تكون جاهزة للدفاع عن مصالحها الأمنية مع ظهور تطورات جديدة». وتضيف التوصيات: «يجب على إسرائيل أن تستعد لوضع تضعف فيه السعودية، الأمر الذي يعني أن عبء مواجهة إيران يقع على عاتقها وحدها». فضلاً عن هذا، ومع استمرار العجز السعودي في مجال الأمن القومي، قد يدفع الوضع الرياض إلى زيادة استثماراتها في الأسلحة المتطورة وكذلك رغبتها في القدرة النووية العسكرية. أياً يكن، الواضح أن تخفيض حدة التوتر مع إيران يُثير قلق إسرائيل ويفرض عليها دراسة خياراتها، حتى مع التقدير أنه مؤقت وسيتبعه تأزم على المدى الطويل. كما أن خفض التوتر كافٍ كي يفسد التطلعات الإسرائيلية على أكثر من مستوى واتجاه، ومن شأنه الإضرار بسلة مصالح إسرائيلية للمراحل المقبلة، لا في المجالات الأمنية فحسب، بل في مواجهة «التهديدات المشتركة».