أن تُقدِم إسرائيل على استهداف قياديَّين في حركة «الجهاد الإسلامي»، وهي تدرك مسبقاً أن الردّ المقابل يبدأ من استهداف تل أبيب وقد لا ينتهي بأيام قتالية، بل ربما يتدحرج إلى مواجهة واسعة، فهذا يعني أن الدافع يتجاوز «الجهاد» وقطاع غزة، وإن كانا في مقدّمة الأسباب، إلى ما يرتبط بمحاولة لمواجهة متغيرات البيئة الاستراتيجية التي باتت مُشبَعة بالتهديدات. لا جدال في أن القيادي في «الجهاد» الشهيد بهاء أبو العطا كان هدفاً إسرائيلياً في ذاته، ليس بوصفه مقاوماً وكادراً قيادياً صلباً فحسب، بل لدوره المتقدم في تركيز قواعد اشتباك مع العدو أكثر تناسباً ومُواءمة للمصلحة الفلسطينية، وتحديداً في ما يتعلق بسياسة الردّ والندّية وتدفيع إسرائيل أثمان اعتداءاتها ضمن مستويات تدفعها إلى الانكفاء. في الوقت نفسه، يمثل استهداف القيادي في «الجهاد» أكرم العجوري، في سوريا تحديداً وتزامناً مع استهداف أبو العطا، البعد الآخر للأهداف الإسرائيلية في الدائرة الإقليمية الأوسع، وذلك في سياق المواجهة التي تقودها تل أبيب ضد محور المقاومة من دون فصلٍ بين مركّباتها، بدءاً من إيران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان وفلسطين، مع الإشارة إلى الساحة اليمنية التي أدخلتها إسرائيل أخيراً في دائرة تهديداتها.


في تفصيل الأهداف الإسرائيلية، يُشار إلى الآتي:
- في ساحة غزة، تريد إسرائيل استعادة قدرة الردع التي باتت أكثر من مثقوبة مقابل القطاع، وهذا لا يتحقق إلا بتغيير قواعد الاشتباك التي فرضتها فصائل المقاومة، وتحديداً في ما يتعلق بمعادلة القصف بالقصف. كذلك، يهدف رفع مستوى الردع إلى منع الفصائل من استغلال الظروف الضاغطة على أصحاب القرار في تل أبيب لتخفيف الحصار وتحصيل جزء من حقوق غزة، وهو ما بات جزءاً من المعادلات التي تحكم المواجهة بين الجانبين، وتضعف القدرة الإسرائيلية على إدارة الصراع مع الفلسطينيين. الواضح أن الشهيد أبو العطا يمثل أنموذج القائد الميداني الذي سعى إلى الندّية مع الاحتلال، وسحب الحقوق الفلسطينية باستخدام القوة العسكرية المتاحة بناءً على ظرفها ومكانها الموضوعيّين، بما يشمل أكثر من حادثة إذلال للمستوى القيادي في تل أبيب، كان آخرها إجبار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أيلول/سبتمبر الماضي على الفرار المذلّ من منصّة خطابية خُصّصت لتهديد الفلسطينيين، جرّاء تساقط الصواريخ بالقرب منه. على هذه الخلفية، أرادت إسرائيل أن تُفهم فصائل المقاومة، بما يشمل «حماس»، أن يدها هي «العليا» بلا استثناءات مكانية وزمانية، وأنها مستعدة للذهاب بعيداً وإن عبر العودة إلى سياسة الاغتيالات، لمنع أيّ تطلّع لدى الفصائل حتى لتحصيل بعض حقوقها عبر خيار المقاومة، وهو الخيار الذي حكم أداء أبو العطا طوال المدة الماضية، وأدى إلى إجبار العدو على تنفيذ تسهيلات اقتصادية، وإن عبر حلفائه العرب في مصر والخليج.
- في تقديرات إسرائيل، وتحديداً المؤسسة العسكرية التي دفعت إلى تنفيذ الهجومين المتزامنين في غزة ودمشق، أن الهجومين يستتبعان انكفاء الفصائل عن معاودة تحدّي إسرائيل عبر استخدام القوة العسكرية أو التلويح بها، وأن الجدوى الكلية للاغتيال، أي تعزيز الردع، تزيد عن الكلفة المُقدّرة جرّاء الرد الفلسطيني اللاحق. لكن هذا الرهان يُعدّ مجازفة؛ إذ أن الفصائل، بِمَن فيها «حماس»، تعمل كذلك وفقاً لقاعدة الجدوى، أي أنها تدرك أن كلفة الردّ مهما كانت مرتفعة لن تصل إلى ما سيُدفع لاحقاً في حال التراجع والامتناع عن تدفيع العدو ثمناً رادعاً لعملية الاغتيال، وإلا فإن التبعات ستكون سيئة على المصلحة الفلسطينية الكلّية، بل بما لا يقاس.

الإقدام على الاغتيال في هذا التوقيت يعني أن الدافع يتجاوز «الجهاد الإسلامي» وغزة


- في الدائرة الأوسع، أي المواجهة الإسرائيلية الأشمل ضد محور المقاومة، يُعدّ الاغتيال في غزة ومحاولة الاغتيال في سوريا رسالتين إسرائيليتين في أكثر من اتجاه، وتحديداً إلى الجانب الإيراني. انشغلت إسرائيل أخيراً وشغلت الآخرين معها بتقديرات لدى استخباراتها حول توثّب إيران لشنّ هجوم واسع النطاق على أهداف استراتيجية إسرائيلية، بما يشبه استهداف المنشآت النفطية السعودية قبل شهرين. وعبر استهداف «الجهاد»، تحذر إسرائيلُ إيران من أنها لا تنتظر الهجوم وتكتفي بتمتين الموقف الدفاعي المقابل وإطلاق التحذيرات، بل تبادر إلى توجيه ضربات مؤلمة لتنظيم مرتبط بطهران، حتى وإن دفعت أثماناً جرّاءها. هذه الرسالة، التي عبّرت عنها تعليقات عبرية أمس، تُعدّ للمفارقة دليل تراجع وضعف، لا دليل منعة واقتدار، خاصة وأن إسرائيل عمدت إلى الابتعاد عن مصدر التهديد الرئيس، لتهاجم قوة متوسطة في محور المقاومة قياساً بقوة المركبات الأخرى للمحور، من دون أيّ تقليل من مستوى القدرة المتاحة لـ«الجهاد» في مواجهة إسرائيل.
- في الدائرة الداخلية الإسرائيلية، يبدو واضحاً أن توقيت العمليتين لا يخلو من توظيف سياسي، وتحديداً من قِبَل بنيامين نتنياهو على خلفية أزمته الداخلية. وفي هذا الإطار، يُشار إلى ثلاث نقاط ترتبط بالتوقيت: 1) رغبة نتنياهو في إبراز دوره الرائد في قرار الاغتيال، وتقديم نفسه إلى الإسرائيليين من موقع المقتدر والمبادر لحفظ أمنهم. 2) التشديد في الوقت نفسه على أن القرار جاء بعد طلب الجيش و«الشاباك» وتصديقهما، الأمر الذي يرفع عنه مسؤولية أي ردّ وتصعيد أوسع وأعلى مستوى من المُقدّر. 3) إنهاء أيّ إمكانية كانت متاحة أمام منافسه، بيني غانتس، لتشكيل حكومة أقلّية مصغرة تستند إلى أصوات الأعضاء العرب في «الكنيست»؛ إذ أن التصعيد سيمنع غانتس من المضيّ في «مغامرة» من هذا النوع.
في التوقعات، لا يبدو أن التصعيد يوشك أن ينتهي قريباً بعد أن بدأ للتو، حتى وإن كان «الوسيط» العربي (الجانب المصري) غبّ الطلب للتدخل وفقاً للمصلحة الإسرائيلية، بعد أن أعلنت تل أبيب أنها معنيّة بمنع التصعيد والتهدئة. فالفصائل الفلسطينية باتت معنيّة، وليست «الجهاد» وحدها، بأن تمنع إسرائيل من تغيير قواعد الاشتباك، عبر تدفيعها ثمناً مرتفعاً يغلّب الكلفة على الجدوى، وإلا ستكون النتيجة وخيمة جداً على مجمل المصلحة الفلسطينية والمعادلة الكلية مع الاحتلال.