قبل أربع ساعات من انتهاء تفويضه، أعلن رئيس حزب «أزرق أبيض»، بني غانتس، الفشل في تشكيل الحكومة الإسرائيلية، معيداً التفويض إلى رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين. يعني ذلك أن أمام «الكنيست» 21 يوماً، كي يتمكّن أحد أعضائه من تشكيل الحكومة بدعم ما لا يقلّ عن 61 من زملائه. فهل سيتمكّن أحدهم من ذلك؟ حتى الآن، تتعذّر الإجابة القطعية، لكن المؤكد أن الفشل، إن وقع هذه المرة، يعني التوجّه التلقائي نحو انتخابات نيابية ثالثة على التوالي، يُرجّح أن تكون في منتصف آذار/ مارس من العام المقبل، في ظلّ توقعات بأن تفرز نتيجةَ العمليتين الانتخابيتين الماضيتين نفسها، ما لم تطرأ متغيرات تؤثر في المشهد الانتخابي في حينه. هكذا، تتواصل في إسرائيل أزمة داخلية غير مسبوقة، تُكرّر نفسها كلّ بضعة أشهر، في ما يشبه الانحباس داخل حلقة سياسية مفرغة بلا مخارج، دافعها الأساسي هو المصلحة الشخصية لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو.

رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، كان قلّص الخيارات العملية أمام غانتس ونتنياهو على حدّ سواء، بعد أن أعلن أمس رفضه الانضمام إلى حكومة معادية للصهيونية، في إشارة منه إلى حكومة يمينية برئاسة نتنياهو تضمّ الأحزاب «الحريدية»، أو حكومة يترأسها غانتس، مدعومة من الأحزاب الممثلة لفلسطينيّي 1948. وفي ما عُدّ دعاية انتخابية مبكرة، ألقى ليبرمان مسؤولية الفشل في تشكيل الحكومة والتسبب بانتخابات مبكرة على «الليكود» و«أزرق أبيض» مجتمعَين، قائلاً إنه بذل كلّ جهد مستطاع من أجل تشكيل حكومة وحدة ليبرالية، هي وحدها - كما قال - القادرة على أداء مهامها، ملمحاً إلى أن الفرصة لم تنته بعد، وأنه يمكن للطرفين (الليكود وأزرق أبيض) استغلال فترة الـ21 يوماً قبل التوجه الإلزامي نحو انتخابات ثالثة.

لا يُستبعد أن تشهد فترة الـ21 يوماً تشكيل حكومة وفق أيّ من السيناريوات المختلفة


وعلى غرار تصريحات ليبرمان جاءت تصريحات نتنياهو وغانتس، وكذلك زعماء الأحزاب على اختلافها. إذ كان اهتمام كلّ منهم منصبّاً على القول لجمهوره إن خصومه ومنافسيه هم السبب في إجبار الإسرائيليين على التوجّه من جديد نحو التصويت، في ما بدا أقرب إلى حملات دعائية حتى قبل إقرار الانتخابات، خصوصاً في ظلّ قناعة بفشل مسار التشكيل عبر «الكنيست». وهاجم غانتس، بعد إعلانه الفشل في تشكيل الحكومة، نتنياهو، متهماً إياه بتقديم مصلحته الشخصية على المصلحة الإسرائيلية العامة، معتبراً أن إسرائيل بحاجة إلى قيادة يكون دافعها هو «مصلحة الأمة وليس المصلحة الشخصية لشخص ما». وتوجّه إلى نتنياهو بالقول: «أنت تقود إسرائيل إلى منزلق خطر سيكون ثمنه مرتفعاً وتاريخياً، وأنت ستكون المسؤول عن ذلك». وأشار غانتس إلى أنه واجه خاسرين في الانتخابات الأخيرة، قرروا مسبقاً إفشال مَهمته في تشكيل الحكومة، مضيفاً أن هذه الكتلة تشكّلت لمصلحة شخص واحد هو نتنياهو. من جهته، ردّ رئيس الحكومة على غانتس بالدعوة إلى تغليب المصلحة الإسرائيلية والإسراع في تشكيل حكومة وحدة تحتاج إليها إسرائيل، وإن ضمن مهلة الـ21 يوماً، معلِناً أنه سيمتنع عن الردّ على «تصريحات عبثية» صدرت عن زعيم «أزرق أبيض»، و«تحديداً اتهامه إيّاي بأنني أضع مصلحتي الخاصة قبل مصلحة الشعب». وخاطب غانتس بالقول: «أنت فشلت، لكن ليس بسبب الكتلة اليمينية، كنت مستعداً لإعطاء الحريديم كلّ شيء لو قبلوا بالانضمام إليك، وكنت مستعداً أيضاً للقبول بحكومة يدعمها مؤيدو الإرهاب (أعضاء الكنيست من فلسطينيي 48)، علماً أنهم يتلقون تعليماتهم من أعداء إسرائيل».
ومع انطلاق مسار التشكيل عبر «الكنيست» اليوم، يمكن القول إنه لا يُستبعد أن تشهد فترة الـ21 يوماً تشكيل حكومة وفق أيّ من السيناريوات المختلفة، ومن ضمنها حكومة وحدة، علماً أن الأخيرة كانت قبل ساعات من إعلان غانتس فشله محلّاً للأخذ والرد بين «الليكود» و«أزرق أبيض». وأياً يكن، فإن الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون مشبعة بمواقف وتصريحات لزعماء الأحزاب على اختلافها، من أجل إقناع الناخب بمسؤولية الأحزاب المنافسة عن التوجّه إلى انتخابات ثالثة يرفضها الجمهور، ما يعني أن الحملة الانتخابية ستبدأ غداً؛ كون الذهاب إلى الانتخابات مرجحاً أكثر من النجاح في تشكيل الحكومة. من جهة أخرى، ستبقى صفة رئيس الوزراء لصيقة بنتنياهو طوال الفترة المقبلة، ما يعني أمرين: أن صلاحيته هي هي في كلّ ما يتعلق بالشأنين الأمني والعسكري، سواءً على جبهة غزة، أم الجبهة الشمالية مع لبنان وسوريا، أم الجبهة الشمالية الشرقية الأبعد مع العراق وإيران؛ وأن هذه الصفة ستفيده في الحدّ من تبعات أيّ لائحة اتهام تصدر في حقه بجرائم فساد ورشى، أقلّه حتى تتبين نتيجة الانتخابات المقبلة وموقعه فيها، علماً أن وجع رأس نتنياهو بدأ أيضاً مع بروز أصوات من داخل «الليكود» تدعو إلى انتخابات داخلية من شأنها نظرياً أن تنزع منه كرسيّ رئاسة الحزب، في ما يمثل تحدّياً إضافياً له إلى جانب التحدّيات الأخرى.