«أراهم يتلاشون في الأفق مثل سراب، بينما تكون الموسيقى التصويرية آخذة في الانطفاء شيئاً فشيئاً! وعلى ظلالهم الباهتة، تظهر بحزم وحتميّة الكلمة التي لا يرغب أحد في الحياة في قراءتها : النهاية». من الصحيح أن الجملة السابقة، التي أنهى بها التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير روايته «راوية الأفلام»، تصلح لحالة أولئك المستمتعين بالحياة، الذين يقدّسون لذّاتها وعذاباتها على حد سواء، لكن الفلسطيني وليد دقة، الأسير منذ 34 عاماً في سجون العدو الإسرائيلي، يرغب بشدّة في قراءة تلك الكلمة اليوم أكثر من أي وقت مضى، مثلاً في ورقة في مغلف تخبره فيها المحكمة الإسرائيلية بأن حكمه بالسجن قد انتهى، وأن مرحلة اعتقاله قد توقفت أخيراً، وأنه عائد إلى استئناف حياته التي توقفت بالضبط قبل 34 عاماً، في زمن كان يتضخم ويكبر موازياً للزمن الذي بدأ التشكّل منذ لحظة الاعتقال. يرغب في أن يرى أولئك السجانين «يتلاشون في الأفق مثل سراب»!

ليس وليد، ابن مدينة باقة الغربية في الأرض المحتلة عام 1948، أسيراً معهوداً. ولم تعنه يوماً تلك الأوصاف التي ألصقت به ورفاقه من «جنرالات الصبر والصمود» و«عمداء الأسرى»، بل رأى فيها تعبيراً عن عجز الفصائل عن تحريرهم. وعلى مدى اعتقاله الطويل، لم تنجح تلك الجدران الاسمنتية العالية في أن تجعله جامداً صلباً مثلها. فهو بعد كل شيء لا يزال عاطفياً ومرهفاً وحساساً، يتأثر لمجرد الشعور بأن أشعة الشمس قريبة منه، أو لأنه لاحظ من بعيد، من نافذة سجنه، زهرة قد اخضرّت أوراقها أو تفتّحت. وهو وحده من بين جميع الأسرى نجح في أن يعرّفنا على شكل العذاب في السجون، «العذاب الحداثي» كما سمّاه في دراسته «صهر الوعي في إعادة تعريف التعذيب»، أو كما قال إنه «لا يقيني، غير واضح المصدر»... العذاب الذي لا يأتي على شكل هراوة تنهال على الجسد المعذّب، أو تيار كهربائي يسري في الأوصال فينفضها نفضاً.
أمّا العذاب الروحي لوليد، الذي بقي له خمسة أعوام في السجن، فتضاعف منذ ثمانية أشهر بعدما حملت زوجته بطفلتهما الأولى ميلاد، عن طريق نطفة مُهرّبة منه. في نهاية التسعينيات، تعرّف وليد إلى سناء سلامة خلال زياراتها له في السجن، وارتبطا بعلاقة حب قبل أن يعلنا عقد قرانهما في حفلة صغيرة حضرها بعض رفاقه الأسرى وقلة من عائلة العروسين. طوال عقدين، منعتهما محكمة العدو من الحصول على ما يُعرّفه القضاء الإسرائيلي باسم «الخلوة الشرعية»، التي تعني حق الإنسان في أن يحظى بحبيب عمره بين يديه وينجب منه أطفالاً. لذلك، لم يتسنّ لهما إنجاب ميلاد التي أصبح لدى الاستخبارات الإسرائيلية ملفٌ عنها قبل أن تولد، بصفة أبويها «يُشكلان خطراً على الأمن الإسرائيلي».

حملت زوجته بطفلتهما الأولى، ميلاد، عن طريق نطفة مُهرّبة منه


الطفلة ستولد بعد شهرين، وستحمل اسم ميلاد! وحين يقلّب أبواها هذه الكلمات في مخيلتهما يطير قلباهما فرحاً، ومعهما فلسطينيون كُثر ومتضامنون مع قضيتهما حول العالم من الذين رأوا في هذا الحمل انتصاراً على السجن. أخيراً، بعد كل عذابهما سيرزقان بطفلة! سناء تتنقل بين محالّ ثياب الأطفال منذ مدّة، تختار بعناية تلك القطنيات الرقيقة ذات اللون الزهري، والأحذية الصغيرة المصنوعة من الصوف، وتلك الناموسيّة التي ستقيها من «البرغش». المرأة التي ستصبح أماً في عمر الخمسين، والرجل الذي سيصبح أباً وهو في الـ 57، لا يعيشان تجربة الحمل الأول كبقيّة الأزواج؛ فهو يقبّل بطنها من وراء الزجاج ويشعر بحركات طفلته من ورائه أيضاً! يلاحظ تغيّر شكل البطن وحجمها من الزاوية نفسها... كل هذا يحدث خلال زيارتين شهرياً كل واحدة 45 دقيقة! لم يتسنّ لوليد اختيار ملابس طفلته، ولا ألعابها الأولى... كما لن يتمكن من مرافقتها ومراقبة نموها وتطورها العقلي والحسيّ لخمسة أعوام مقبلة! فهو سيقضي بقيّة حكمه، فيما ستفتح طفلته عينيها بعيدةً عنه.
الأصعب أنه لن يحضر ولادتها في المستشفى، ولن يمسك بيد زوجته مراقباً مخاضها وآلامها ومحاولاً التخفيف عنها بقبلة على الرأس. لن يحمل طفلته في الليالي الباردة، بينما تستيقظ من آلام البطن التي تصيب الصغار. لن يؤلف لها أغنية من كلمات، لا شرط أن تكون متناسقة بقدر أن يكون لها مفعول في تهدئة بكائها. وغالباً لن يرى أول سنّ تنمو، أو الحبو الأول، أو الخطوات الأولى وهي تحاول جاهدة أن تصل إلى ذراعيه المفتوحتين... أشياء كثيرة ستفوته لأنه لا يزال في السجن. قالت سناء إنه «متأثر جداً مذ نجح الحمل، وإنه أخبرها في آخر زيارة أنه لا يعرف ماذا سيفعل حين تولد الطفلة، هل سيبقى صامداً أو سينهار من شدّة الفرح». وليد، المتهم بخطف وقتل الجندي موشيه تمام عام 1984، ضمن خلية لا يزال كل أعضائها أسرى، يشكل إلى اليوم «خطراً» على الاحتلال. فحتى أمس، ظهرت شقيقة الجندي القتيل واصفة الطفلة التي لم تولد بعد بأنها «بصقة في وجوهنا جميعاً». ترد خالة ميلاد، ريما، بالقول: «نشعر بالفخر لكوننا نبصق كل يوم في وجوهكم ووجه دولتكم»؛ في النهاية، لم يكن ليُخطف ثم يقتل ذلك الجندي إلا لأنه جندي في جيش الاحتلال!
ذات يوم، قبل عشرة أعوام كتب وليد لطفلته: «أكتب لميلاد المستقبل، فهكذا نريد أن نسميه/ها، وهكذا أريد للمستقبل أن يعرفنا. عزيزي/تي ميلاد... اليوم، أُنهي عامي الخامس والعشرين في السجن. تسعة آلاف ومئة وواحد وثلاثون يوماً وربع يوم، إنه الرقم الذي لا ينتهي عند حد... إنه عمري الاعتقالي الذي لم ينتهِ بعد. وها أنا بلغت الخمسين، وعمري قد انتصف بين السجن والحياة. الأيام قبضت على عنق الأيام. كل يوم أمضيته في السجن يقلب شقيقه الذي أمضيته في الحياة، ككيس يحاول إفراغ ما تبقى به من ذاكرة. فالسجن كالنار يتغذى على حطام الذاكرة، وذاكرتي، يا مهجة القلب، غدت هشيماً وجف عودها. أُهرّبها مدونة على ورق حتى لا تحترق بنار السجن والنسيان». ويضيف: «أما أنت (ميلاد)، فأنت أجمل تهريب لذاكرتي. أنت رسالتي للمستقبل بعدما امتصت الشهور رحيق إخوتها الشهور، والسنين تناصفت مع أخواتها السنين. أتحسبني يا عزيزي/تي قد جننت؟ أكتب لمخلوق لم يولد بعد؟ أيهما الجنون: دولة نووية تحارب طفلاً لم يولد بعد فتحسبه خطراً أمنياً ويغدو خطراً في تقاريرها الاستخبارية ومرافعتها القضائية، أو أن أحلم بطفل؟ أيهما الجنون: أن أكتب رسالة لحلم، أو أن يصبح الحلم ملفاً في المخابرات؟ أنت يا عزيزي/تي تملكـ/ين الآن ملفاً أمنياً في أرشيف الشاباك. فما رأيك؟ هل أكفّ عن حلمي؟ سأظلّ أحلم رغم مرارة الواقع، وسأبحث عن معنى للحياة رغم ما فقدته منها. هم ينبشون قبور الأجداد بحثاً عن أصالة موهومة، ونحن نبحث عن مستقبل أفضل للأحفاد، لا شك آتٍ. سلام ميلاد. سلام عزيزي/تي».