أصبحنا اليوم، بفضل مساهمات الكثير من المؤرّخين الذين استندوا في أبحاثهم إلى الأرشيف الرسمي الأميركي، ومن أبرزهم رشيد الخالدي وسيت أنزيسكا، موقنين بأن جميع الإدارات الأميركية المتعاقبة، منذ بداية ما يسمى «مساعي التسوية»، لم تعمل جدّياً في أيّ مرحلة من المراحل من أجل حلٍّ تفاوضي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بما فيها الحلول التي تضمّنت تنازلات فلسطينية هائلة عن القسم الأعظم من الأرض والسيادة. أفضل تعريف للدور الأميركي قدّمه الخالدي من خلال العنوان الذي اختاره لكتابه المخصّص لهذا الموضوع، وهو «عرّابو الخداع». خداعٌ استهدف «منع قيام فلسطين»، كما عنون أنزيسكا كتابه. الولايات المتحدة شريك كامل للمشروع الصهيوني الذي يقوم على الاقتلاع الكامل للفلسطينيين من أرضهم، وإحلال المستوطنين اليهود مكانهم. قد تكون حسنة ترامب الوحيدة هي التوقف عن الخداع. الرئيس الأخرق وفريقه من الإنجيليين الصهاينة، أمثال بنس وبومبيو، والذين أصاب مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي عندما وصفهم بالصليبيين، يجهرون بالموقف الحقيقي لجميع الإدارات الأميركية السابقة، التي رعت ودعمت على كل المستويات مسار الاقتلاع الصهيوني، المستمرّ منذ إنشاء الكيان، للفلسطينيين، واستيطان أرضهم.

أيّ نقاش مستفيض لمضمون «صفقة القرن» هو مضيعة للوقت، وتشتيت للتركيز والجهود، ناجم في الأغلب، عند البعض، عن تمسّكهم بخرافة التسوية. الغاية الفعلية لهذه الفقاعة هي بالذات إلهاء جماهير العرب والمسلمين، وجميع المعنيين بالقضية الفلسطينية وبمصير القدس، بنقاشات وسجالات غير مجدية، وهي الوظيفة الفعلية لكلّ مقترحات الحلول التي قُدّمت لـ«تسوية» الصراع مع قطعان الصهاينة، في الوقت الذي يقوم فيه هؤلاء ساعة بعد ساعة، ومتراً بعد متر، بقضم الأرض وتدمير شروط وجود الفلسطينيين كشعب. لكن شراسة الهجمة، التي تتجلّى اليوم في تبنٍّ أميركي رسمي لمشروع الاقتلاع الصهيوني، وفي شنّ الحرب الهجينة على دول المنطقة وشعوبها وقواها الحية من أجل ذلك المشروع أولاً، وقبل أيّ سبب آخر، تفرض على الأمة بمجملها وعلى هذه القوى الحية رفع مستوى التصدي لها لدحرها واستعادة الأرض والحقوق. شعب الجبّارين، الشعب الفلسطيني، سيتصدّى باللحم الحيّ وبما أوتي من إمكانات للهجمة، ولكن شعوب الأمة وقواها الحية قادرة على المساهمة الفعالة في الحرب الدائرة من خلال تثبيت شعارَين مركزيين للمرحلة الحالية، وتحويلهما إلى ممارسة سياسية يومية وعملية، وهما: «لا مكان للأميركيين بيننا»، و«الويل للخونة».

لا مكان للأميركيين بيننا
هل يعقل أن يبقى للولايات المتحدة وجود ومصالح سياسية واقتصادية وثقافية في بلاد العرب والمسلمين، وهي تشنّ حرباً لا هوادة فيها عليهم؟ زمرة الصهاينة المعتوهين الذين يقودون السياسة الأميركية حالياً مقتنعون بإمكانية ذلك نتيجة لهزال الأفعال، وليس ردود الأفعال، في مواجهة سياسة الحرب المعتمدة من قِبَلهم. لقد بات المطلوب هو أن يدرك شعبهم ونخبهم استحالة استمرار هذا الوجود وهذه المصالح. شراسة حربهم علينا يجب ألّا تمنعنا من إدراك واقع التراجع الكبير لقوتهم، ووجود انقسامات كبيرة في أوساط المؤسسة السياسية الأميركية، وغياب الإجماع الاستراتيجي بين نخبها، والاستقطاب الواضح داخل المجتمع الأميركي، والذي عمّقه ترامب إلى حدّ دفع العديد من المحللين إلى الحديث عن «أميركتين». بكلام آخر، العدو اليوم أضعف من السابق، ما يعني أن قدرته على احتمال فعلنا، وانعكاساته السياسية الخارجية والداخلية عنده، وهي الأهمّ، أقلّ، أي أننا أمام فرصة سانحة لتصعيد النضال ضدّه وتحقيق انتصارات فعلية.

جميع العرب الذين شاركوا في همروجة الإعلان عن صفقة ترامب خونة، وكذلك مَن رحّبوا بجهوده


أن يصبح وجود الولايات المتحدة ومصالحها في دائرة الاستهداف السياسي والعسكري نتيجة صلافة دونالد ترامب هو أمر سيؤجّج التناقضات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، ولن يتردّد خصوم الإدارة الحالية الكثر في استغلاله ضدّها، ما سيزيد من هشاشة موقفها. معركتها مع محور المقاومة تشهد احتداماً منذ اغتيال القائدَين الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما، ويأتي إشهار صفقة ترامب ليوفر مناسبة لتوسيع دائرة المواجهة المتعدّدة الأشكال، السياسية الشعبية والعسكرية، حيث كان ذلك ممكناً، معها. القوى المعنيّة بمصير فلسطين والقدس، مهما كانت خلافاتها الأيديولوجية والسياسية، تستطيع اليوم أن تتقاطع على الأقلّ في هذه المعركة، وأن تستخدم فيها جميع الوسائل الضرورية والناجعة، بهدف طرد الأميركيين من المنطقة وإلحاق الهزيمة بالصهاينة. صدقية جميع القوى الوطنية واليسارية والإسلامية على المحكّ، والمعيار هو دورها في المعركة الوجودية الحالية. من لا يعلن الحرب على الأميركيين متخاذل، خارج عن الصف الوطني في أحسن الأحوال.

الويل للخونة
الاحتدام الحالي للحرب مناسبة للعودة إلى تسمية الأمور بأسمائها. جميع العرب الذين شاركوا في همروجة الإعلان عن صفقة ترامب خونة، وكذلك مَن رحّبوا بجهوده. وكما تدحرجت رؤوس، وسقطت عروش وأنظمة في المنطقة في مراحل تاريخية ماضية، على السلالات والعصابات الحاكمة المتواطئة أن تشعر بالملموس أن لخيانتها ثمناً مهولاً. هذه الأنظمة هي الأخرى أضعف من السابق بما لا يقاس، وفاقدة للحدّ الأدنى من الشرعية، وهي تعرف حدود قدرة الراعي الأميركي على حمايتها. الحرب تبدأ بالكلمات، وهؤلاء يدركون ما يترتب على تسميتهم بالخونة من قِبَل القوى الحية في الأمة. مصير القدس وفلسطين والأمة على المحكّ، ومن ليس معنا فهو ضدنا!