أيامٌ على أخذ وردّ في مدى واقعية قرار السلطة الفلسطينية وقف التنسيق بكل صوره مع العدو الإسرائيلي حسمه من جهة سلوكها الفعلي (راجع عدد الأمس: وقف انتقائي لـ«التنسيق»: السلطة تناور بالورقة الأخيرة)، ومن جهة أخرى حوار لوزير الشؤون المدنية، حسين الشيخ، مع صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أمس. الشيخ قدّم مقاربة سريالية للرد على القرار الإسرائيلي ــ الأميركي ضم الضفة المحتلة، قائلاً إن «السلطة ستستمر في تقليص الموازنات والرواتب المنقولة إلى قطاع غزة من جهة (بعد قرارها وقف استلام أموال الضرائب من إسرائيل)، وفي محاربة الإرهاب في الضفة من جهة أخرى»، وهدف ذلك «ردع إسرائيل عن إحلال قانونها على الضفة».

في المقابلة، أوضح الشيخ المسار الذي ستسلكه رام الله بالقول إن «السلطة ستتخذ خطوات للانفصال عن إسرائيل وإجبارها على تحمل المسؤولية الكاملة كجيش محتل عن حياة أكثر من مليونَي فلسطيني»، إذ يرى مسؤولو السلطة أن خطوات من هذا النوع «قادرة على جعل إسرائيل والمجتمع الدولي يأخذانها على محمل الجد ويسحبان نية الضم، قبل فوات الأوان». يضيف المسؤول البارز عن العلاقات مع إسرائيل (بجانب مدير المخابرات ماجد فرج)، وأقرب مستشاري رئيس السلطة، محمود عباس، «لسنا عدميين أو حمقى ولا نريد فوضى... نحن براغماتيون، ولا نريد أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة. الضم يعني أنه لا يوجد طريق للعودة في العلاقات مع إسرائيل»، في إشارة إلى إعلان عباس «الانسحاب من جميع الاتفاقات الموقّعة مع إسرائيل والولايات المتحدة» بما في ذلك «التنسيق الأمني». مع ذلك، يستمر أمن السلطة في اعتقال المقاومين وإحباط أي عمليات ضد العدو، وهو ما يراه الشيخ «استراتيجية تتمسك بها السلطة رغم كل شيء... لسنا سلطة بلدية محليّة أو جمعية خيرية».
«الاستراتيجية التي تتبعها السلطة تهدف إلى تذكير إسرائيل بعبء غياب الأولى، وإثبات الاستعداد للسماح لها بالانهيار إذا ما فرضت إسرائيل السيادة (على مستوطنات الضفة والغور)»، مستدركاً، «إما أن يعودوا عن قرارهم بالضم وأن تعود الأمور إلى طبيعتها، وإما أن يواصلوا الضم ويصبحوا قوة احتلال في الضفة». وبرغم أن المسار التفاوضي قبل توقيع اتفاق أوسلو إلى اليوم لم يفضِ سوى إلى تقديم تنازل وراء آخر من السلطة، وصولاً إلى الإجهاز الكامل على «حل الدولتين» كما فصّلت التسوية في الخطة الأميركية ـــ الإسرائيلية المعروفة بـ«صفقة القرن»، رأى الوزير الفلسطيني أنه «في حال أصبح قيام دولة فلسطينية غير قابل للتحقق»، فإن الرد سيكون بـ«تقليص السلطة الوظائف المدنية مثل إدارة المدارس والمستشفيات ومراكز الشرطة، ما يشكل خطورة على إسرائيل»، مع أن الواقع يُظهر أنّ سلوك السلطة منذ «أوسلو» لم يخرج عن كونها أداة وظيفية في خدمة الاحتلال.

يقرّ الشيخ بأن الهدف من قطع المال عن غزة تحريضها على إسرائيل


في الأسبوع الماضي، أعلن مستشارو «أبو مازن» أن السلطة لن تتلقّى أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل، ورداً على ذلك، قال الشيخ للصحيفة الأميركية: «من الواضح أنها أموالنا، لكننا سنحصل عليها بناءً على الاتفاقات بيننا»، رغم أن ذلك «سيتسبب في أزمة اقتصادية للسلطة، ما يجبرها على خفض الرواتب وتسريح الموظفين ودمج الإدارات أو حتى تعطيل الحكومة». كيف ستفيد هذه الخطوة في الضغط على إسرائيل؟ يجيب: «السلطة ستقطع 105 ملايين دولار من الأموال التي ترسلها إلى غزة كل شهر لرواتب المسؤولين والعمولات والخدمات الطبية. قد تؤدي هذه التخفيضات إلى تقويض الوضع الأمني في القطاع الذي تسيطر عليه حماس». واستطرد: «كل يوم، أنسحب (السلطة) من مسؤولياتي. وبذلك أقول للإسرائيليين: إذا استمر هذا الوضع، سيتعين عليكم تحمل كل المسؤولية كقوة احتلال. من شأن ذلك إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل توقيع أوسلو».
بعد كل هذا، يصرّ الشيخ على تطبيق رام الله عقيدتها الأمنية، إذ يقول: «قوات الأمن ستواصل الحفاظ على القانون والنظام ومحاربة الإرهاب (يقصد حركات المقاومة)، لكنها ستعمل وحدها»، في تأكيد لما تحدثت به مصادر أمنية لـ«الأخبار». كما أشار إلى أن «السلطة لن تسمح بسفك الدماء. الهدف هو تجنّب العنف والفوضى... هذا قرار استراتيجي. نحن نريد السلام ودولتين، لكنني لا أتعاون مع إسرائيل». وعن كيفية عمل الأمن إذا وجد أن فلسطينيين يعتزمون شنّ عمليات، أكّد أنها «ستعتقلهم إذا كانوا لا يزالون في الضفة. ولكن إذا كانوا قد وصلوا إلى داخل إسرائيل بالفعل، سنحذّر الإسرائيليين»، ملمّحاً إلى أن يجري التحذير عبر وسيط: «سأجد طريقة لإيقافه». وأضاف: «أي إسرائيلي يُعتقل في الأراضي الفلسطينية لن نسلمه للسلطات الإسرائيلية... لن أنقله إلى إسرائيل. من يوجد هنا ويحمل الجنسية الإسرائيلية ويرغب في بيع المخدّرات أو المتاجرة بالسلاح... لا أستطيع إيقافه؟ لن نسلم أحداً لإسرائيل».