يبدو واضحاً أن إسرائيل غير معنيّة بالانجرار إلى تصعيد أمني في مواجهة قطاع غزة. إذ إن الظروف المحيطة بقرار تل أبيب تحدّ من خياراتها المتطرّفة، ومن بينها أنها تواجه تحدّيات إقليمية، مع تهديدات بمستوى أعلى وأكثر حدّة ممّا هو قائم في غزة، تفرض عليها العمل على وأد التصعيد قبل انفلاشه، وإن كانت كلّ الأطراف تقريباً في المقابل، هي أيضاً غير معنيّة، وفقاً للمصالح الخاصة بها وتطلّعاتها الآنية، بأيّ تصعيد منفلت. بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، فهو يحدّد قراره وفقاً لتقديره لنتيجة التصعيد الواسع النطاق، مع إدراكه مسبقاً أن الجدوى منه محدودة جداً، وأن فائدته هامشية ولا تغيّر كثيراً في المعادلات القائمة بين الجانبين؛ إذ ستتحتّم العودة إلى النقطة نفسها التي انطلق منها. كذلك، من شأن التصعيد مع القطاع أن يُشوّش على تركيز إسرائيل على التحدّيات الأمنية المتنامية في الجبهة الشمالية، وتحديداً تلك المرتبطة بالشمال الشرقي البعيد، حيث مُركّبات المحور المعادي لها أكثر قدرة على إيذائها في سياقات المواجهة معها، وهي مواجهة متشعّبة تخوضها تل أبيب على أكثر من مستوى وفي أكثر من ساحة. يضاف إلى ما تقدّم أن المؤسّسة الأمنية والعسكرية في تل أبيب، وتبعاً لها المؤسسة السياسية، معنيّتان أيضاً بأن لا تنزلق الأوضاع إلى مواجهة أوسع في ظرف ضاغط على إسرائيل، يستدعي منها تركيز كلّ جهودها وقدراتها على محاولة التأثير على التوجّهات الأميركية تجاه الملفّ النووي الإيراني، أقلّه عبر دفع واشنطن إلى التخفيف ما أمكن من أضرار قرارها العودة إلى اتفاق عام 2015، بعد أن فشلت الإدارة السابقة في استراتيجية تركيع طهران ودفعها إلى الاستسلام.
تهتمّ إسرائيل بأن لا تكون شرارة التصعيد مع غزة هي القدس نفسها


على خطٍّ موازٍ، تهتمّ إسرائيل بأن لا تكون شرارة التصعيد مع غزة هي القدس نفسها. فالمعركة على القدس، والمشاهد المبثوثة منها، وإن مع نكران أنظمة التطبيع لها، تتسبّب بخشية إسرائيلية من ردّات فعل جماهيرية لدى دول التطبيع نفسها، حيث تعمل على جذب الشعوب والتخفيف من عدائها لها. إذ مهما كانت الجهود المُوجّهة لتحييد الرأي العام العربي ودفعه باتجاه أعداء آخرين قوية، إلا أن حيثية القدس تظلّ تدعو إلى القلق، وتدفع إلى التهدئة. كذلك، يَظهر أن للأسباب المرتبطة بالداخل الفلسطيني مكاناً متقدّماً في الدفع في اتّجاه قرار التهدئة الإسرائيلية، وتعزيز فكرة محدودية الفائدة من التصعيد. ومن بين تلك الأسباب الربط الجاري بين فصائل المقاومة والقدس والمقدسيين، أي الربط بين استهداف إسرائيل برشقات صاروخية وبين هجمة المتطرّفين من المستوطنين على السكّان الفلسطينيين في القدس، الأمر الذي من شأنه إحداث تغيير إيجابي في المشهد، وتعزيز حضور الفصائل ومكانتها، وفي المقدّمة حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، مع ما يعنيه هذا من إضرار كبير باستراتيجية إسرائيل في الفصل بين الجانبَين الفلسطينيَّين وترسيخ الانقسام المُفضي لاحقاً إلى تقليص الاهتمامات المشتركة، وربّما أيضاً اختلاف الهويّات بين الفلسطينيين أنفسهم. لدى إسرائيل أيضاً أسباب ترتبط بالانتخابات الفلسطينية، التي لم تعلن السلطة إلى الآن إلغاءها. فإن قُدّر للفلسطينيين أن يخوضوا هذه الانتخابات، بعد مواجهة مؤلمة مع غزة على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في القدس، فستكون النتيجة فوز حركة «حماس» على حساب جماعة السلطة. وهو فوز تُقدّره الاستخبارات في تل أبيب في كلّ الأحوال، إلّا أنه، والحال تلك، سيكون كاسحاً، بما من شأنه التأثير على مصالح الكيان الأمنية والسياسية، ومنسوب الانصياع شبه المطلق لإسرائيل لدى السلطة، في أكثر من اتجاه ومستوى. أمّا في حال نجاح الضغوط في تأجيل الانتخابات أو إلغائها، بسبب المواجهة الواسعة إن نشبت أو تزامناً معها، فستكون النتيجة سيّئة لإسرائيل؛ إعلاء شأن الفصائل المقاومة لدى المقدسيين وسكّان الضفة، بما يصل إلى التأييد المبنيّ على هوية فصائلية عملت إسرائيل طويلاً على تحييدها: المقاومة في غزة هي الحامية والمدافعة عن الفلسطينيين أينما وجدوا.
بالطبع، لا يعني ما تقدّم أن التصعيد المنفلت غير وارد بين الجانبين، إذ يظلّ للتقديرات المغلوطة مكان في تحديد المسارات التصعيدية، ومن بينها مواجهة شاملة قد لا يريدها طرفاها، خاصة تلك التقديرات التي تخطئ في تحديد المستوى الذي يندفع فيه طرف من الطرفين إلى ردود لم تكن ضمن حساباته الابتدائية، تتسبّب بأذية تجرّ ردّاً منفلتاً في المقابل، ومن ثمّ تصعيداً أوسع. هذا ما تعمل إسرائيل الآن على الحؤول دونه، وما تسعى الفصائل في غزة أيضاً إلى تجنّبه قدر الإمكان، وإن كان الجانبان، كما يبدو، مستعدَّين لتوسيع المواجهة وفق التطوّرات. من هنا، يمكن تفسير الموقف الإسرائيلي، شبه الجامع، في المطالبة بوقف التصعيد، وإن صاحبت ذلك تهديدات هي في العادة ملازمة للتصريحات الإسرائيلية في مواجهة الأعداء، بهدف رفع مستوى الردع، وتعزيز طلب التهدئة التي تعمل عليها تل أبيب. وبحسب التصريحات الصادرة في الكيان العبري، وما يتسرّب إلى إعلامه، يبدو أن هناك إجماعاً على أن ما يجري الآن مرتبط سببياً بمواجهات القدس، الأمر الذي يستدعي من إسرائيل معالجة الأسباب. ومن هنا، يُفترض أن يتّجه القرار إلى منع الاحتكاك بين المتطرّفين والفلسطينيين في القدس، وإعطاء الأولوية لكبح جماح المستوطنين الذين أُخليت لهم الساحة في الأيام الأخيرة كي يترجموا تطرفهم وكراهيتهم أفعالاً عدائية ضدّ المقدسيين. ومن خلال هذا الإجراء، وغيره، تأمل تل أبيب أن تمنع ردّات الفعل التصعيدية من غزة. والجدير التنبيه إليه، هنا، أن إسرائيل ما كانت لتتحرّك بهدف منع اعتداءات المستوطنين - بل كانت لتباركها وتتضامن معها وتُشجّع على المزيد منها - لو أن المقدسيين انكفأوا عن المواجهة، ولو أن فصائل غزة لم تسارع إلى مؤازرتهم.
يبقى أنه يجب البحث في موقف السلطة؛ فهل ترى رام الله في ما يحدث فرصة للهرب من استحقاقات تدرك أن نتيجتها ستكون سيّئة عليها (الانتخابات)، خاصة أنها ستُظهر مكانة مسؤوليها والقائمين عليها كما هي، من دون تحريف، لدى الجمهور الفلسطيني؟ الواضح، إلى الآن، أن تأجيل الانتخابات أو إلغاءها، كما إجراؤها، يستبطنان تهديداً كبيراً للسلطة، وإن مع الفارق.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا