مع البدايات الأولى للاعتداءات الإسرائيلية على سكّان حيّ الشيخ جراح في القدس المحتلّة، وصف الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إسرائيل بـ«الدولة الإرهابية». وهو توصيف سبقه إليه رئيس الوزراء الراحل، بولنت أجاويد، الذي كان أوّل مَن أطلقه في أعقاب الهجوم على مخيّم جنين. وفي كلّ مناسبة، يسارع إردوغان إلى عقد اجتماعات وإصدار بيانات، ولا سيما في مرحلة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، الذي وصل بعبثه بالقضية الفلسطينية إلى القمّة، مع اعتباره القدس عاصمةً لإسرائيل، واعترافه بالجولان المحتلّ جزءاً من أراضيها. مع ذلك، أخذ كثيرون على الرئيس التركي اكتفاءه بالبيانات. وفي 27 حزيران/ يونيو 2016، وقّع هو نفسه بيان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، من دون الإصرار على شرط رفع حصارها عن قطاع غزة، والاكتفاء بنيل أهالي ضحايا سفينة «مافي مرمرة» تعويضات مالية لإسقاط الدعاوى بحقّ كيان الاحتلال.

ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، بدأت حملة تركية لإصلاح العلاقات مع مصر والسعودية وحتى الإمارات. ومن بين هذه الدول أيضاً، إسرائيل، وذلك انطلاقاً من الخسائر التي سبّبتها سياسات تركيا العدائية تجاه معظم دول الجوار. حتّى إن أنقرة كانت قاب قوسين أو أدنى من تعيين سفير لها في تل أبيب، غير أن البوصلة التركية أعطت أولوية للعلاقات مع مصر. وفي خضمّ هذا التحسُّن النظري في العلاقات، وعشية تأهّب تركيا لتعيين سفير لها لدى إسرائيل، اندلعت الأحداث في فلسطين بصورة لم تتوقّعها حتّى تركيا، وربّما بدا أنها في «غير أوانها»، كونها ستؤثّر حتماً على خطط تبادل السفراء بين الجانبين. فما ترتكبه إسرائيل من جرائم بحقّ الفلسطينيين، يجعل لحظة التطبيع الدبلوماسي في غير محلّها بالنسبة إلى الرأي العام التركي، والذي لم يتأخّر في إبداء تعاطفه مع الشعب الفلسطيني. كذلك، تَبيّن أن وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة، لم يفعل فعله في الضغط العملي على إسرائيل، على اعتبار أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى مرحلة لا يتوقّعها أحد، بعدما ألقى الرئيس الإسرائيلي الأسبق، شمعون بيريز، خطاباً أمام البرلمان التركي عام 2007، بحضور رئيس الجمهورية عبد الله غول، ورئيس الحكومة آنذاك رجب طيب إردوغان، الحائز بدوره جائزة «الشجاعة» من «الوكالة اليهودية العالمية».
لهذا، استدعت التطوّرات الأخيرة تحرّكات من جانب تركيا، واتصالات هاتفية بين إردوغان ومسؤولين في دول أخرى. وإضافة إلى اللغة التقليدية، بدت لافتة دعوة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إلى تشكيل قوّة دولية لحماية الفلسطينيين في القدس والأراضي المحتلّة، على اعتبار أن «البيانات لا تكفي». كما أبدى الوزير التركي استعداد بلاده لاتّخاذ أيّ خطوة، قائلاً: «وهنا بيت القصيد... الأمّة تنتظر منّا قيادتها». قيادة تركيا للأمّة الإسلامية تتطلّب، وفقاً لنائب رئيس «العدالة والتنمية»، نعمان قورتولمش، أن تسهر ليلاً نهاراً لضمان ذلك. وحتى الآن، لم تقُم تركيا بأيّ محاولة للاتصال بالإسرائيليين في ما يتعلّق بالعدوان المتواصل، وهو ما أكدته القائمة بأعمال السفارة الإسرائيلية في أنقرة، إيريت ليليان. كما أنها لم تبادر، حتّى الآن، إلى أيّ خطوات عقابية - ولو رمزية - تجاه إسرائيل، مِن مِثل خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، أو قطع العلاقات، أو إلغاء اتفاقات على سبيل المثال. وإذ يدعو الكاتب عبد الله قره قوش إلى رفع البطاقة الحمراء في وجه إسرائيل، وفي وقت يؤكد فيه رئيس البرلمان التركي، مصطفى شنطوب، أن بلاده، وكما في السابق، ستُواصل بذل كلّ «جهودها الدبلوماسية» لإنهاء الوحشية الإسرائيلية، يذهب الصحافي المقرّب من إردوغان، إبراهيم قره غول، بعيداً في الطلب من الرئيس التركي، وللمرّة الأولى، تقديمَ دعم عسكري للفلسطينيين.

لم تبادر تركيا إلى أيّ خطوات عقابية تجاه إسرائيل مِن مِثل خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي


ويتّهم قره غول كلّاً من الإمارات والسعودية بأنهما دميتان في يد إسرائيل، وبأنهما طمأنتاها إلى أن تعمل ما تشاء وهما ستتكفّلان باستيعاب المواقف العربية. لكن جواب الفلسطينيين هذه المرّة كان مذهلاً، وأربك خطط هذه الدول لإقامة نظام استعماري في الشرق الأوسط. وللمرّة الأولى، تردّ المقاومة بالصواريخ في المدن الإسرائيلية، وهو ما يُعدُّ وضعاً جديداً بالنسبة إلى إسرائيل. ويقول الكاتب إن تركيا تعود إلى المنطقة، وقد انعكس ذلك في قره باغ وليبيا وشرق المتوسط، والآن ينعكس في فلسطين، معتبراً أن إسرائيل محاطة الآن بثلاث جبهات: فلسطين، لبنان، والجولان، وهو ما ينبئ بانتهاء زمن الاعتداءات وبدء زمن الدفاع، بالنسبة إلى الإسرائيليين. وبحسب قره غول، فإن البحث عن حقوق الشعب الفلسطيني لم يعُد تكفيه ردود الفعل الدبلوماسية والبيانات، بل يجب البدء بتقديم دعم عسكري للفلسطينيين. وكما لو أن أحداً لم يكن يساعد الفلسطينيين من قَبل، وفي مقدّمهم إيران، يقول الكاتب إن الدعم العسكري يجب أن يبدأ من تركيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على أن تتأسّس بنى اقتصادية وسياسية وعسكرية في كلّ الجغرافيا الإسلامية لبدء هذا الدعم، حيث ستكون فلسطين الجبهة الأكثر صلابة. ويضيف: «الدعم العسكري لا يكون عبر الاستخبارات، بل بفتح كلّ الخطوط. وكما فعل إردوغان في قره باغ، يجب أن يفعل في فلسطين». وعلى قاعدة «أن تأتي متأخراً خير من ألّا تأتي أبداً»، يذكّر قره غول بقول إردوغان: «كما قدّمنا الدعم لإنهاء احتلال قره باغ، سنقدِّم الدعم وبالطريقة نفسها لمقاومة الظلم الذي يعيشه الفلسطينيون».



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا