غزة | خلافاً للتوقّعات التي سادت خلال الأيام الماضية، لم تُقدِم المقاومة في غزة على أي ردّ فعل عسكري على «مسيرة الأعلام» التي شهدتها مدينة القدس المحتلة، على رغم أن الاستفزازات التي أقدم عليها جنود العدو ومستوطنوه أمس تُعدّ الأكبر منذ عشرين عاماً على الأقلّ. وإذ أتاح هذا «اللافعل» فرصة للعدو ليكسب جولة في معركة الصورة، ويتباهى بتحقيق إنجاز رمزي في مجال «فرض السيادة» الذي بات شغله الشاغل، فإن للمقاومة أسبابها «العقلانية»، الذاتية والموضوعية، التي دفعتها إلى اتّخاذ قرار الانكفاء، وعلى رأسها حالة التأهّب الإسرائيلية غير المسبوقة، والتي يعني الذهاب إلى حرب في ظلّها الانتحار بشكله الأسوأ. وعلى رغم أهمية تلك الحسابات، والتي دفعت المقاومة إلى الاحتفاظ بحق الردّ في الزمان المناسب وبالطريقة التي تريد، إلّا أنه سيكون على الفصائل، من الآن فصاعداً، تشذيب خطابها السياسي والإعلامي و»عقْلنته»، حتى لا تمنح العدو مرّة أخرى مكسباً، ولو دعائياً، بالمجّان


على رغم أن «مسيرة الأعلام»، التي شهدتها أحياء مدينة القدس المحتلة، يوم أمس، هي واحد من أكبر الأحداث التي يسجّلها التاريخ التهويدي المعاصر للمدينة منذ عام 1967، مضى نهار يوم أمس ثقيلاً، سواء بسبب السلوك الإسرائيلي من جهة، أو ردود الفعل الفلسطينية غير المتناسقة مع الحدث من جهة أخرى، وخصوصاً أن المقاومة في غزة لم تنفّذ تهديداتها بحماية المكتسبات التي أرستها معركة رمضان 2021، فيما أظهرت حكومة الاحتلال بتبايناتها السياسية كافة، موقفاً موحداً يقضي بضرورة أن تقام المسيرة من دون تغيير في خطّ سيرها، أو تفريغٍ من مضمونها. ووفقاً لموقع «سروجيم» العبري، فقد شارك 50 ألف مستوطن في «مسيرة الأعلام»، في أكبر استفزاز عايشه المقدسيون خلال العشرين عاماً الماضية على الأقلّ. منذ الساعة السابعة صباحاً، أكد عضو «الكنيست»، إيتمار بن غفير، أنه سيقتحم المسجد الأقصى. وفي تمام الساعة الثامنة، كان النائب الأكثر تطرّفاً واستفزازاً يتجوّل في ساحات الحرم القدسي، مُوجّهاً رسائل بدت مدروسة جيداً: «اقتحمْت اليوم المسجد الأقصى في يوم القدس، لن نستسلم لتهديدات المنظمات الإرهابية، نحن أصحاب المكان». وحتى الساعة الثانية عشرة ظهراً، كان الميدان في القدس قد شهد أحداثاً استفزازية تتجاوز ما حدث خلال شهر رمضان كلّه؛ إذ نفذ العشرات من المستوطنين طقوس «السجود الملحمي»، ووصل رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو، إلى الفعاليات، ورفع المئات من المستوطنين الأعلام الإسرائيلية في مقابل قبة الصخرة، وتجاوز عدد المستوطنين المقتحمين هامش الـ 1800 مستوطن، في أجواء احتفالية راقصة.

استبقت المقاومة معركة «سيف القدس» بخوضها عشرات الجولات في إطار «المعركة ما بين الحروب»


في ساعات الظهيرة الأولى، كلّ الأجواء الميدانية والسياسية كانت تشير إلى أن المقاومة تتهيّأ لتنفيذ فعل ما. مئات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية تجوب الأجواء، أكثر من متحدّث باسم الفصائل أعلنوا في وقت متزامن فشل كل الوساطات الدولية الرامية إلى تهدئة الأوضاع، وعقب ذلك، غادر 12 مهندساً مصرياً يعملون في مشاريع بناء المدن الإسكانية، معبر رفح على نحو مفاجئ، ثمّ اتجهت الفصائل والأجهزة الأمنية إلى أعلى مستويات الاستنفار، وأُخليت المواقع العسكرية والمدنية المتوقّع استهدافها. وفي لحظة واحدة، بدا كأن المقاومة اتجهت إلى إعادة التموضع من جديد، على الرغم من أن التوتر الذي تنقله شاشات التلفزة من القدس، وصل إلى أبعد مدى.

كوابح ردة الفعل
صحيح أن إسرائيل أرادت من صورة حدث أمس، نسف كل المعادلات التي أفرزتها معركة «سيف القدس»، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، نفتالي بينت، بدا كأنه كسب معركة الصورة، وخصوصاً بتأكيده أن «القدس لن تقسّم، وأنها عاصمة إسرائيل الأبدية»، إلا أنه في النهاية ثمّة وقائع ميدانية هي التي دفعت المقاومة إلى التروّي في ردّ الفعل:
- أولاً: حتى قبل الانطلاق الرسمي للمسيرة بساعتين، كانت كل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة والحربية تجوب سماء غزة على نحو هجومي. وليس الحديث هنا عن المستوى التقليدي من الطلعات الجوية، وإنما عن مئات الطائرات المختلفة الطراز، والموضوعة في أقصى درجات الجهوزية، وخصوصاً أن فعاليات مناورة «عربات النار» لم تنتهِ بعد.
- ثانياً: في مقابل الحدود الشرقية للقطاع، عمد جيش الاحتلال إلى تسيير جولات مخادعة، لباصات نقل جنود فارغة، ومسيّرة عن بعد، كانت تطوف الشريط الحدودي في مدى الصواريخ المضادة للدروع التي تمتلكها المقاومة بوفرة، مثل «بي 29، والكورنيت، والماليوتكا»، في محاولة لاستجرار فعل، يقود إلى بدء الهجوم.
- ثالثاً: حملت تصريحات وسائل إعلام الاحتلال طابعاً جديداً، من قبيل ما ردّده عدد من مراسلي القنوات العبرية الموجّهة أمنياً: «اقتحمنا الأقصى، رفعنا الأعلام، وأدّينا الصلوات والرقصات، قمنا بأعلى مستويات الاستفزاز، لنرَ ما يمكن أن تفعله حماس».
كلّ ما ذكر سابقاً، والمتّصل بشكل أو بآخر بحالة التأهّب التي أسّست لها مناورة «عربات النار» منذ مطلع أيار الجاري، دفع بالمقاومة إلى خيار إعادة التموضع، وخصوصاً في ظلّ ما بدا لها من أن الاحتلال يستدرج الجميع إلى حرب، وهنا يمكن استحضار جملة من النقاط التي كانت حاضرة في عقلها حتماً:
- الفارق الزمني بين حرب عام 2021، والمعركة التي يحاول العدو فرضها اليوم، ليس كافياً بكلّ تأكيد لإعادة ترميم وجبر كلّ ما خلفته «سيف القدس» من ضرر على صعيد المقدّرات اللوجستية والخطط. لذا، فإن الذهاب إلى معركة استبقها الاحتلال بمناورات وضعت قواته البرية والبحرية والجوية على أتمّ الجهوزية، وحدد توقيتها سلفاً، وعمل على الاستدراج إليها، هو الانتحار بشكله الأسوأ.
- استبقت المقاومة معركة «سيف القدس» بخوضها عشرات الجولات في إطار «المعركة ما بين الحروب». (قرابة 20 جولة منذ نهاية عام 2017 )، مثّلت جميعها مناورات بالذخيرة الحية، استطاعت فيها المقاومة مراكمة قدر كبير من الانطباعات عن أداء العدو، من طريقة إدارة النار، إلى أساليب عمل «القبة الحديدية»، إلى قياس سرعة ردة الفعل. وقد جعلها كلّ ذلك تتوجه إلى «سيف القدس» كأنها تقرأ المعركة من كتاب مفتوح. لكن اليوم، لا يمكن الذهاب إلى حرب درس فيها العدو وحده، كلّ أساليب المقاومة، وخطّط حصراً لما يريد فعله، والأهمّ، استعدّ كثيراً لذلك.
في خلاصة ما حدث، يمكن القول إن المقاومة اختارت أن «تعقلن» قرارها، وقد تطلّب منها ذلك جهداً لم تقبله حتى حاضنتها الشعبية، فهي اختارت أن «تحتفظ بحق الردّ في الزمان المناسب وبالطريقة التي تريد»، كي تخوض معركة آمنة النتائج، خالية من المفاجآت غير المتوقعة والمحسوبة. لكن الأهمّ، أنها ستقرّر منذ الآن وصاعداً، أن «تعقلن» خطابها، بالطريقة نفسها التي انتهجتها لدى اتّخاذها قرارها.