أطلق فلسطيني من سكّان القدس الشرقية المحتلّة، النار في اتجاه حافلة إسرائيلية كانت تقلّ مستوطنين، مُوقِعاً في صفوفهم ثماني إصابات مؤكَّدة. العملية التي فاجأت المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية، جاءت بعدما اعتقد العدو بأنه حطَّم مثيلاتها في الأراضي المحتلّة، من خلال عملية «كاسر الأمواج» التي نفّذها الجيش الإسرائيلي بالتعاون مع «الشاباك»، وهي عبارة عن سلسلة عمليات قمع واعتداءات واعتقالات وغارات ليلية على الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة، هدفت إلى اجتثاث إمكانيات تنفيذ عمليات في الضفة الغربية المحتلّة.

العملية التي تُعدّ واحدة من أهمّ العمليات الفلسطينية لجهة توقيتها، هي أكبر وأشمل من نتائجها المادية، إذ تعيد تذكير الإسرائيليين بأن النجاح النسبي في إدارة الصراع مع الفلسطينيين، لا يعني إنهاءه، بل إن استمرار الصراع مرتبط باستمرار الاحتلال، ولا ينفكّ عنه. وعملية القدس هي واحدة من العمليات التي لن تغيب عن الأراضي المحتلّة، مهما بلغت إجراءات المحتلّ وقمعه، في المقابل. لكن ما حصل يحمل أكثر من دلالة:
- أوّلاً: جاءت في ظلّ اعتقاد إسرائيلي، وتحديداً من جانب المؤسّسة الأمنية، بأن موجة العمليات الفردية وغير الفردية قد تحطّمت، وأن عملية «كاسر الأمواج» أنهتها بالفعل. وشكّلت عملية القدس «مفاجأة مطلقة» للجيش الإسرائيلي، وفقاً لتعبيرات عبرية.
- ثانياً: تعيد العملية تموضع المستوطنين نفسيّاً في دائرة التهديد الدائم والخوف من الاستهداف، وهو ما يجب أن يكون عليه المحتلّ على الدوام. والخشية من الاستهداف، هي واحدة من أهمّ نتائج العمليات الفلسطينية، إذ إنها تؤثّر في الوعي الجمعي للإسرائيليين، وتمنع عنهم الشعور بالأمان في سياق محاولاتهم احتواء الفلسطينيين وإدارة الصراع معهم، مع «صفر خسائر»، علماً أن آخر عملية إطلاق نار على حافلة صهيونية في القدس المحتلّة في السنوات الأخيرة، كانت في عام 2015، وجرت في أعقابها عمليات متعدّدة ومتعاقبة استمرّت طويلاً.
- ثالثاً: تتخوّف المؤسسة الأمنية للاحتلال، وهو ما عبّرت عنه «مصادر» في الإعلام العبري، من عمليات تقليد يبادر إليها فلسطينيون، في مرحلة حسّاسة جدّاً وصعبة جدّاً، في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي خارجهما أيضاً، حيث «الانشغالات» الأمنية والاستخبارية والعسكرية واسعة جداً ومشبعة بالتحديات.

تأتي العملية بعد أيام من الحديث عن «انتصار عسكري» على «الجهاد الإسلامي» في غزة


- رابعاً: تثير العملية، وما يمكن أن يتبعها، خشيةً لدى الاحتلال ممّا قد يتبع عمليات التقليد نفسها، ومن ثم التدحرج نحو تصعيد مع قطاع غزة، إذ إن «النجاح» في فكّ الصلة بين الساحات، الذي أراد العدو أن يظهره بعد اعتدائه الأخير على القطاع، هو نجاح واهم ثبت في السابق، وسيثبت في المستقبل، مستوى وحجم ما فيه من مبالغات.
- خامساً: تثبت العملية، عبر هوية منفّذها كما اتّضح لاحقاً، أمير صيداوي، وهو من سكّان القدس الشرقية ومن حاملي الهوية الإسرائيلية، أن كل الكلام عن تطلّع المقدسيين، في السنوات الأخيرة، إلى الاندماج والأسرلة، غير مستند إلى أسس متينة، إذ يتبيّن أن الإحباط ودافع الهوية الفلسطينية أكبر بكثير من إغراءات الاستراتيجيات الإسرائيلية التي تستند إلى تحييد الفلسطينيين من حَمَلة جنسيّتها ومن غير حَمَلتها، على عامل الجذب الاقتصادي والمقارنة بينهم وبين غيرهم من ساحات فلسطينية أخرى، تعاني من أزمات اقتصادية وتحدّيات معيشيّة.
- سادساً: على مستوى الوعي الجمعي لعامّة الإسرائيليين، تأتي العملية بعد أيام من الحديث عن «انتصار عسكري» على حركة «الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة. وظهّرت إسرائيل «انتصارها» كما لو أنه انتصار عسكري لقوّة عسكرية عظمى، ضدّ قوة عسكرية عظمى مقابلة لها، وحاولت أن تسحب فائدتها في أكثر من اتجاه، وبما لا يمكن مقارنته وقياسه في جبهات أخرى، وأيضاً في نفس الجبهة التي ادعت فيها «الانتصار».
في المحصلة، تُعدّ عملية القدس في تداعياتها وتأثيراتها، أكبر بكثير من مكوناتها المادية، إذ أعادت إسرائيل إلى تموضعها السابق، بعد «نشوة انتصار» موهوم على قطاع غزة، في مرحلة راهن فيها العدو على نجاحاته في منع العمليات الفردية وغير الفردية في الأراضي المحتلّة.