يتزايد قلق دولة الاحتلال حيال ضعف السلطة الفلسطينية، في الوقت الذي يتنامى فيه دور المقاومة وفعلها ضدّ العدو في الضفة الغربية المحتلّة. والنتيجة، كما يَرِد في التقارير العبرية، أن «احتلالاً ديلوكس»، في مقابل «رخاء اقتصادي» للمواطنين الفلسطينيين، وهْمان غير قابلين للتحقُّق. ففي تقرير لها، أمس، تحكي صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن معطيات وحقائق تُؤرّق قادة العدو في الضفة، خاصّة أن العيّنات المقاوِمة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي، مختلفة تمام الاختلاف عمَّا اعتاده في السابق، ما ينبئ بمزيدٍ من التدحرج نحو انتفاضة من نوع آخر، لا تقتصر على مكان واحد. وعلى جرْي عادته، يحاول الاحتلال التعامل مع العوارض الناتجة من وجوده بوصفها «أعمالاً إرهابية» منفصلة عن مسبّباتها، ليندفع إلى القمع الذي يفضي بدوره إلى مزيد من المقاومة.

في المقابل، فإن الجهة التي ارتضت لنفسها أن تكون وكيلة عن الاحتلال في مقارعة المقاومين باتت منبوذة، بل إن العدو يرفض حتى الجلوس معها لِما يجلبه ذلك من «عار عليه». والمقصود هنا السلطة الفلسطينية التي ازداد ضعفها وترهّلها - بفعل من الاحتلال نفسه - على نحْو شكّل عاملاً مساعِداً على تصاعُد العمل المقاوم وتوسُّعه، بحيث لم يَعُد يقتصر على جنين ومخيمّها، بل انسحب ليشمل بقيّة مدن الضفة وقراها. ووفق تقرير «يديعوت أحرونوت»، فإن المقاومين الفلسطينيين الذين وصفهم بـ«الإرهابيين الحديديين»، هم «أكثر شجاعة وكفاحاً، فيما التصعيد الذي يقودونه الآن، ما هو إلّا تذكير بأن الأرض الفلسطينية ترفض الاستسلام».
ويُضاف إلى ما تَقدّم أن المعركة التي يخوضها الأسرى في سجون الاحتلال، تضغط هي الأخرى على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في الضفة، كونها تُحفّز الفلسطينيين على مزيد من العمليات، وقد تتسبّب بـ«صحوة حقيقيّة ستشعل الشارع». ومع هذا، يبدو أن الصداع الرئيس لدى المؤسّسة الأمنية في إسرائيل في ما يتّصل بالساحة الفلسطينية، كما تورد «يديعوت»، ليس ما يقوم به الأسرى، بل ضعف السلطة الفلسطينية نفسها، مع تحوُّل أجزاء مختلفة من الضفة وبسرعة، إلى «جيوب للميليشيات الفلسطينية المدجّجة بالسلاح، والتي لا تحتاج إلى فعل الكثير لاستهداف إسرائيل». وفي التفاصيل، تَذكر الصحيفة منطقة جنين ومخيّمها، لتأتي من بعدهما نابلس والقرى المحيطة فيها، في حين أن الأيام الماضية شهدت توتّرات في سلواد بالقرب من رام الله، ما يعني أن المسلّحين الفلسطينيين لا يتركّزون في شمال الضفة فحسب، بل توسّعوا وصولاً إلى جنوب نابلس في اتّجاه رام الله.

يضغط عامل الأسرى على إسرائيل وأجهزتها الأمنية في الضفة


وتشير الإحصاءات إلى أكثر من 60 عملية إطلاق نار جرت في أنحاء الضفة أخيراً، ومنها خلال عمليات اعتقال. وهي أرقام أعلى ممّا كانت عليه في عام 2021، ولم تعتدها إسرائيل طوال العقد الأخير. وينوّه التقرير بأن الفلسطينيين الذين يواجهون الجيش الإسرائيلي «يختلفون عمَّن واجهه الأخير في السنوات الماضية. وإلى حدٍّ كبير، هم أكثر شجاعة، ويكافحون للقتال ويرفضون الاستسلام بسهولة. والمسلّحون من نموذج 2023، هم من دون أيّ انتماء تنظيمي واضح». ومع هذا، فإن التوُّرط المتزايد لمقاتلي «الجهاد الإسلامي» في هجمات إطلاق النار، وكذلك نشطاء «فتح» الذين يتعاونون معهم الآن، «يثير الشكوك في أنّنا نشهد تطوُّراً يتجاوز العفوية. قد تكون محاولة من إيران وحزب الله، من خلال مبعوثيهما في الضفة، لإحداث تصعيد أمني هناك، فيما المؤكّد أن حماس لا تعترض على ذلك. ففي السنوات الأولى من الانتفاضة الثانية، استثمر حزب الله قدْراً كبيراً من الطاقة والأموال في محاولة حرْق الأراضي من خلال دعم نشطاء فتح والتنظيم في قطاع نابلس. وهذا السيناريو ممكن أيضاً الآن، لا سيما بالنظر إلى محاولات تهريب السلاح من الخارج».
وفوق كلّ شيء، فإن التصعيد الحالي يوضح، للمرّة الألف، أنه على رغم محاولة إسرائيل، منذ عام 2009 وحتى اليوم، وضْع رأسها في الرمال في ما يتعلّق بالساحة الفلسطينية، فإن الأرض ترفض بشدّة القيام بذلك. لذا، فإن حلم «احتلال فاخر» مع فوائد اقتصادية للضفة الغربية من شأنها أن تجعل الفلسطينيين يعيشون في سلام مع الواقع الحالي، يبدو الآن كأنه أضغاث أحلام.