فشلت إسرائيل في ترويض الضفة الغربية المحتلّة، لا بصورة مباشرة بوصْفها هي احتلالاً عسكرياً، ولا بصورة غير مباشرة من خلال وكلائها في أجهزة السلطة الفلسطينية، والتي تُشخَّص على أنها «خارج الصورة» وغير قادرة على «تأمين البضاعة». والنتيجة مزيد من التدخُّل والقمع الإسرائيليَين المباشرَين في مدن الضفة وقراها، وهو ما سيستجلب للاحتلال احتقاناً فلسطينياً إضافياً، وبالتالي عمليات جديدة، إلى حدّ أن كبار المسؤولين العسكريين في الجيش يحذّرون من «(أننا) في مرحلة ما قبل الانفجار». ومنذ بداية العام الحالي، قتلت إسرائيل أكثر من 85 فلسطينياً من سكّان الضفة والقدس المحتلّتَين، من بينهم 17 قاصراً وستّ نساء. وفي المقابل، قَتل الفلسطينيون 20 إسرائيلياً، نتيجة المئات من العمليات ومحاولات العمليات في أرجاء الضفة، والتي كان معظم مُنفّذيها، وربّما كلّهم، أشخاصاً لا يُحرَّكون من أعلى، أي يعملون بشكل فردي. وهكذا، بدت إسرائيل أمام حلْقة مفرغة: قمعٌ يدفع إلى مزيد من الهجمات، التي تدْفع بدورها إلى القمع، ليعود الأخير ويحفّز نحو عمليات إضافية. وتمدَّدت رقعة الهجمات الفلسطينية في الشهر الأخير؛ إذ بعدما كانت منحصرة في شمال الضفة، أي جنين ومخيمها وجوراها، باتت تنتشر نحو الجنوب، وتحديداً مدينتَي بيت لحم والخليل وجوارهما. وإن اكتمل الانتشار كما تقدِّر المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية، فـ«ستكون القصّة مغايرة تماماً».

وتبدو أسباب هذه القفزة في العمليات، والتي يسمّيها الإسرائيليون «انتفاضة ثالثة من نوع جديد»، متعدّدة ومتداخلة، وعلى رأسها ضعف السلطة الفلسطينية في شمال الضفة، وتَعزّز مكانة حركتَي «الجهاد الإسلامي» و«حماس»، في مقابل ترْك «الفتحاويين» مسافة بينهم وبين السلطة، ليتحرّكوا فرادى ضدّ الاحتلال من دون ارتباط بقياداتهم. وبعدما كانت أجهزة السلطة هي التي تتولّى مقارعة المقاومين لحساب الاحتلال ربطاً بوظيفتها كمُقاوِل أمني لصالح الأخير، فإن ضعفها اليوم يدفع العدو وأجهزته، من جيش و«شاباك»، إلى التدخُّل المباشر في مراكز ثقل المقاومين والمبادرين إلى العمليات، وتحديداً في شمال الضفة، الأمر الذي يؤدّي إلى احتكاك مباشر بين الفلسطينيين والقوّات الإسرائيلية، مع سقوط إصابات من الطرفَين، وإن كان للطرف الفلسطيني النصيب الأكبر منها، في ما يؤدّي بدوره إلى مبادرة الفلسطينيين إلى مزيد من العمليات... وهكذا، يتنامى التصعيد والمواجهات. وحتى الأمس القريب، كانت إسرائيل «تَنعم» بما يُسمّى «احتلال ديلوكس»؛ أي أنها تحتلّ الأرض وتفعل بها ما تشاء من قضم واستغلال وسرقة وتشتيت وحصار وتهشيمٍ للهوية، فيما تأخذ السلطة الفلسطينية على عاتقها مواجهة تبعات تلك السياسات، وهي معادلة أمّنت للمحتلّ هدوءاً نسبياً، أبعد عن طاولة القرار لديه أيّ مبادرة للتسويات، بل حتى للمفاوضات من أجل المفاوضات نفسها، إلى أن بات الحديث عن «العملية السياسية» نوعاً من «الخيانة» للمشروع الصهيوني.
على هذا النحو، تحوَّل نجاح السلطة الفلسطينية في تنفيذ كامل مهامها الأمنية إلى مبرّر لإدامة وجودها بالنسبة إلى العدو، لكن من دون أن يرقى ذلك إلى حدّ التزام الأخير بتعزيز دورها، بل واشتغاله على توجيه الصفعات إليها، إلى أن تسبّب هو نفسه بإضعافها، وبالتالي في الوصول إلى الواقع الحالي. ومن هنا، يُطرح السؤال عن الجدوى من بقائها حالياً؟ التقارير العبرية تتحدّث عن نوع جديد من المقاومين في شمال الضفة: مبادرون، شجعان، لا يستسلمون من دون قتال، ويتحرّكون فرادى أو كجماعات صغيرة جدّاً، لا يخشون التبعات، ويستحثّون غيرهم من الفلسطينيين على المبادرة من خلال تقنيات الإعلام والتواصل التي باتت متاحة للجميع، فيما صورة البطل التي يكتسبها المنفّذ مهما كانت نتيجة محاولته، تزيد بدورها الحافزية إلى الهجمات. وفي الحديث عن أسباب ذلك، يَبرز التركيز على دور «الجهاد الإسلامي»، وتحديداً في شمال الضفة، حيث تنامي المكانة والقدرة والحضور عال جدّاً، بالتعاون مع «حماس» و«كتائب شهداء الأقصى» التابعة لـ«فتح»، وبـ«تشجيع من إيران وحزب الله»، وفي ظلّ تزايد هشاشة السلطة.

تحوّلت الضفة، في الأسابيع الأخيرة، إلى ما يشبه ساحة مواجهة دائمة


قد تكون كلّ هذه الأسباب صحيحة، وهي كذلك بالفعل، لكنّها ليست بالنتيجة إلّا عوارض للسبب الأصلي المتمثّل في الاحتلال، والذي تصرّ إسرائيل على إنكاره، على رغم ارتفاع بعض الأصوات الداعية إلى إيلاء هذا العامل أهمّية، مع كلّ عملية يبادر إليها الفلسطينيون. حتى الآن، وبحسب رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي، اعتقلت إسرائيل أكثر من 1500 فلسطيني، ضمن عملية «كاسر الأمواج» التي تهدف إلى الحدّ من الهجمات الفلسطينية. ويتفاخر كوخافي بأن الاعتقالات هي السلاح الأمْضى في مواجهة المقاومين، وهو يرى في ذلك نجاحاً له ولجيشه. لكن ضمن معادلة الفعل وردّ الفعل، فإن هذه الاعتقالات ستكون بمثابة 1500 حافز إضافي لشنّ عمليات. وفي الواقع، عندما يتحدّث رأس الهرم العسكري في دولة الاحتلال عن مئات المعتقَلين خلال أشهر، فهو يقرّ بشكل غير مباشر بأن الوضع خرج عن السيطرة، وبأن السياسة الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين لم تؤتِ أكُلها.
وتحوّلت الضفة، في الأسابيع الأخيرة، إلى ما يشبه ساحة مواجهة دائمة، في ظلّ اكتسابها سمة جديدة ظنّت إسرائيل أنها تجاوزتها، وهي استخدام السلاح الناري في العمليات التي تستهدف الجنود والمستوطنين. ووفقاً لتعبيرات مصادر عسكرية إسرائيلية (جيروزاليم بوست)، يشبّه الجيش الإسرائيلي ما يقوم به في الضفة حالياً بعملية «السور الواقي» للعام 2002 (على رغم الفارق في الحجم) والتي هدفت إلى إخماد الانتفاضة الثانية، حيث اجتاح المدن الفلسطينية التي كانت تحت السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية في حينه. كما يشبّه الظروف السائدة حالياً بتلك التي سبقت الانتفاضة الثانية، لناحية تكاثُر المعارك والمواجهات بالأسلحة النارية بين القوّات الإسرائيلية والفلسطينيين، الذي لا يستحصلون اليوم على أسلحتهم من السلطة، بل من خلال عمليات تمرير وسائل قتالية بما يشمل المسدّسات والبنادق الهجومية من سوريا والعراق عبر الأردن، وذلك على رغم كلّ «النجاحات» التي يعلنها الجيش الإسرائيلي في مصادرة ومنع إدخال هذه الأسلحة إلى الضفة.
بالنتيجة، تُواجه سياسة «جزّ العشب» في الضفة، وفقاً لخبراء إسرائيليين، تحدّيات قد يتعذّر على الجيش الإسرائيلي استيعاب تبعاتها، إذ من شأنها أن تؤدّي إلى اندلاع مواجهات أكثر عنفاً، في ظلّ ظروف أكثر إشكالية بالنسبة لتل أبيب، وهو ما يمثّل واحداً من تجلّيات حالة الدائرة المفرغة نفسها.

الاعتقال الإداري ليس قدَراً
قيل الكثير عن معركة «وحدة الساحات» التي خاضتها حركة «الجهاد الإسلامي» قبل أسابيع، بهدف معلَن هو منْع الاحتلال من تنفيذ اعتقالات إدارية ضدّ الفلسطينيين. وقد وُجّهت إلى الحركة اتّهامات بالتسرّع، وبأنها تطْلب ما لا يمكنها الحصول عليه، بالنظر إلى أن سياسة الاعتقالات ثابتة ومتقادمة، ولن تتخلّى إسرائيل عنها مهما كانت التبعات. إلّا أن التطوّرات أظهرت ما يخالف كلّ التوقّعات السابقة، حيث تَبيّن أنه إن لم يكن بالإمكان إلغاء الاعتقالات الإدارية، فبمستطاع الفلسطينيين الحدّ منها. وإن كانت «الجهاد» استطاعت بمفردها تحصيل هذا المكسب، فكيف لو آزرتها بقيّة فصائل المقاومة؟ لا يدور الحديث هنا عن قرار إسرائيلي بإنهاء سياسة الاعتقال الإداري، بل عن نقاشات في ذلك الاتّجاه تدور في أورقة القرار في تل أبيب، مدفوعةً بـ«نصائح» وردت في الإعلام العبري من خبراء أمنيين، في أعقاب إذعان تل أبيب المتأخّر لمطلب الامتناع عن تمديد فترة الاعتقال الإداري للأسير خليل العواودة، والذي مثّل واحداً من شروط «الجهاد» لإنهاء الجولة الأخيرة.
وهكذا، تُقرّ إسرائيل، بشكل غير مباشر، بتمكّن «الجهاد» من انتزاع أحد المكاسب التي سعت إليها، وهو ما يمكن قراءته في محاولة مصادر إسرائيلية مطّلعة (المركز اليروشالمي للشؤون العامة والدولة) تبرير قرار الإفراج عن العواودة بـ«عدّة أسباب من بينها النكث بوعود تلقّاها الجانب المصري لإنهاء القتال الأخير في غزة، وحقيقة أن استمرار سجنه الإداري من شأنه أن يزيد الاضطرابات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث هناك براعم انتفاضة شعبية جديدة، والمنظّمات الإرهابية تعمل لتصعيد الوضع الأمني قبل الأعياد اليهودية».



غانتس يطلق حملته الانتخابية: الحرب الأهلية تترصّدنا!
أعاد وزير الأمن الإسرائيلي، بني غانتس، تذكير الإسرائيليين بـ«الحرب الأهلية» التي تتكاثر أسبابها يوماً بعد يوم. وتعهّد غانتس، في كلمة خلال إطلاق الحملة الانتخابية لحزبه «معسكر الدولة»، بأنه سيسعى إلى «إنهاء أقسى أزمة سياسية عرفتها إسرائيل في تاريخها». وحضّ الإسرائيليين على التمسّك بالأمل بتشكيل حكومة مستقرّة، واعداً بالعمل لـ«حلّ أزمة إسرائيل، وهي أزمة اجتماعية عميقة وأساسية، كي نمنع خطر اندلاع الحرب الأهلية الإسرائيلية الأولى، والتي بدأت تتفجر بالفعل على الأرض». وهاجم غانتس خصومه السياسيين، وتحديداً رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، متّهماً إيّاه بـ«تفرقة الإسرائيليين والسعي إلى مصالحه الشخصية على حساب الدولة». وقال: «أولئك الذين يريدون تقسيم إسرائيل للمرّة الأولى والثانية والثالثة، أولئك الذين يسعون إلى تأجيج الأزمة وخنْق الأمل، أولئك الذين يتنفّسون الكراهية وينشرون السمّ بسبب دوافع شخصية، سوف يتسبّبون بالحرب الأهلية الإسرائيلية الأولى»، مضيفاً أن نتنياهو «لن يكون قادراً على التصحيح ولن يكون قادراً على أن يكون جزءاً من التصحيح». وأشار إلى أن «الواقع السياسي معقّد، وهناك ثلاثة خيارات: إمّا أن يشكّل بيبي (نتنياهو) حكومة متطرّفة ستدمّر الديموقراطية الإسرائيلية كما نعرفها؛ أو سنذهب إلى انتخابات أخرى لنستمرّ في التمزّق؛ أو سأشكّل أنا حكومة وحدة وطنية مستقرّة، تعرف كيف تتعامل مع التحدّيات الأمنية، في جميع الساحات القريبة والبعيدة».