أثار إقدام القيادي في «عرين الأسود»، محمود البنا، على تسليم نفسه لأجهزة السلطة الفلسطينية جدلاً واضطراباً في الشارع الفلسطيني، اضطرّا المجموعة التي استُشهد للتوّ قائدها، وديع الحَوح، إلى إصدار بيان توضيحي تبرّأت فيه من خطوة البنا وأكدت أنها «بألف خير». وإذ لا تُنكر مصادر من داخل المجموعة تأثير تلك الخطوة على «الأسود»، فهي تؤكّد أن ثمّة «قيادة عميقة» للحالة الناشئة في نابلس، لم تصل إليها يد العدو أو السلطة، فيما تأتي محاولة فلسطينيَّين اثنَين تنفيذ عملية فدائية عند حاجز حوارة أمس، لتُثبت أن الرابط في ما بين «العرين» والفعل المقاوم في الضفة، أكبر، إلى الآن، من أن تتمكّن إسرائيل من اجتثاثه


تسير مجموعة «عرين الأسود» على حدّ السكّين. بعد استشهاد قائدها وديع الحَوح وأربعة من رفاقه، تلقّت المجموعة، التي تتّخذ من البلدة القديمة في نابلس معقلاً لها، ضربة معنوية، تَمثّلت في قيام أحد أكبر قادتها، محمود البنا، ومعه أربعة من المقاتلين، بتسليم أنفسهم ليل الأربعاء - الخميس، إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية، بذريعة تأمينهم من عملية اغتيال إسرائيلية متوقّعة. وقالت ليلى، شقيقة البنا، في منشور عبر صفحتها في «فيسبوك»، إن «عائلة محمود ووالدته وشقيقاته بذلوا جهوداً كبيرة لإقناعه بتسليم نفسه وترك السلاح، وخصوصاً أنه الأخ الوحيد المتبقّي لديهم، بعد مقتل شقيقه محمد في أحد سجون جهاز الاستخبارات في رام الله». وأضافت ليلى: «الحمد لله إنو رح يضلّلنا سند، نشكر ربنا إنو اقتنع، ونشكر كلّ واحد ساهم في إقناعه».
على أن خروج البنا من الصفّ القيادي لـ«العرين»، والذي عدّه مقرّبون من الجماعة «ضربة لا تقلّ ألماً عن استشهاد الحَوح»، عملت السلطة على استغلاله وتوظيفه منذ اللحظة الأولى. إذ سرّبت عبر منصّات ومواقع إلكترونية مقرّبة منها أخباراً ادّعت فيها أنها تَوافقت مع قيادة «الأسود» على تسليم البنا نفسه، لحمايته من التصفية. كما نشرت عدّة بيانات باسم مجموعات «كتائب شهداء الأقصى» في نابلس، حاولت فيها غسل يد الأجهزة الأمنية من الدور الذي تمارسه لتقويض الحالة التي تمثّلها «العرين»، حينما ذكرت أن «تسليم البنا ورفاقه أنفسهم، هو خطوة تكتيكية للمحافظة على استدامة العمل». كلّ تلك الفوضى استدعت توضيحاً من «الأسود»، التي نشرت، لاحقاً، بياناً أعلنت فيها أنها لم تخوّل أيّ طرف من الأطراف تسليم أيٍّ من مقاتليها، وأن «مَن يقوم بتسليم نفسه، هذا قراره وخياره ولا نناقشه به حتى»، داعيةً المواطنين إلى «التوقّف عن تداول الإشاعات، وعدم الإساءة إلى أيّ مقاتل سلّم نفسه». وأكدت أن «العرين بألف خير وفضل من الله، ونقول إن كان أبو صالح وعبود وإبراهيم والوديع والمبسلط وأدهم والدخيل قد مضوا، فإن المنتظرين الصادقين كثر».

لا يقلّل مصدر مقرّب من المجموعة من تأثير ما أقدم عليه القيادي محمود البنا


من جهته، قال البنا، في منشور عبر صفحته في «فيسبوك»، إنه سلّم نفسه لـ«إخواننا» في الأجهزة الأمنية، «بعد مشاورتي لإخواني في النضال أنا ورفاق دربي»، حتى «يحمونا من هذا المحتلّ الغاشم الذي حاول تنفيذ إبادة جماعية لنا في آخر عملية اغتيال»، مضيفاً: «نحن لم نُسلّم لننتهي، إنما للحق جولات». إلّا أن الصدمة التي أحدثتْها خطوة البنا ورفاقه، استدعت تصريحات من العديد من الشخصيات ذات الحضور الرمزي، في محاولة لرفع المعنويات وجبْر الكسر، ولا سيما أن الصحافة الإسرائيلية أطلقت موجة احتفاء بما سمّته «القضاء على ظاهرة العرين». إذ قال موقع «إنتلي نيوز» العبري: «عرين الأسود على وشْك الزوال من الوجود. هذه ضربة معنوية شديدة للجمهور الفلسطيني الذي علّق آماله على التنظيم»، فيما ردّت والدة الشهيد إبراهيم النابلسي على ذلك بالقول: «أُطمئِنكم أن العرين حيّ وقوي وثابت، وأُسوده أبطال كما تعرفونهم على الدوام، ولا يتراجعون للحظة، فقطار الحرية انطلق ولن يتوقّف». وفي ما بدا كمكافأة لمحافظ نابلس، بوصْفه «عرّاب الإنجاز»، أعلن الاحتلال، أوّل من أمس، فكّ الحصار بشكل جزئي عن المدينة.
لا يقلّل مصدر مقرّب من «عرين الأسود» من تأثير ما أقدم عليه القيادي البنا، ولا سيما أن الأخير كان المرشّح الأبرز لملء الفراغ التي تركه الشهيد الحَوح، غير أنه ينبّه إلى أن «الصورة لم تتّضح بعد، هناك تفاصيل ليس من الجيّد الحديث فيها على الصعيد الأمني». ويؤكد عامر محمد (اسم مستعار)، وهو أحد مقاتلي «العرين»، بدوره، في حديثه إلى «الأخبار»، أنه على رغم الضربات التي تلقّتها المجموعة خلال الأيام الأخيرة، إلّا أن «ثمّة قيادة عميقة للحالة، لم تصل إليها يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ولم تستطع إسرائيل ضربها»، مضيفاً إن «تلك القيادة هي مَن تتولّى حالياً تسيير شؤون الأسود». ويبيّن أن «قيادة الظلّ كانت تعمل مِن خارج دائرة الميدان، لذا فهي التي تنظّم اليوم عمل المقاتلين، وإذا كانت روح المقاومة لدينا حاضرة، وهناك قيادة تدير الموقف، فلن يضرّنا شيء».
وفي الاتّجاه نفسه، يرى الباحث السياسي مجد ضرغام أن «الضربات التي تلقّتها العرين ستؤثّر بلا شكّ على اندفاع هذه الجماعة وديناميكيتها»، غير أنها «ستُكسبها مزيداً من الهدوء، وضبط الخطاب الإعلامي، والتعاطي مع الأزمات (...)»، بحسبه. ويرى ضرغام، في حديث إلى «الأخبار»، أن «السلطة وإسرائيل لم تُحسنا فهم الحضور الوجداني للعرين ومقاتليها في الشارع، لذا، فإن خطواتهما الميدانية قاصرة عن القضاء على الظاهرة جذرياً»، لافتاً إلى أن «هناك جنديَّين في جهاز الدفاع المدني حاولا تنفيذ عملية عند حاجز حوارة القريب من نابلس يوم أمس، ما أدّى إلى استشهادهما. بالتأكيد، هما ليسا من العناصر المنضوية في تشكيل العرين، لكن الرابط بين قرارهما القيام بالفعل المقاوم، والعرين، هو الذي لا تستطيع إسرائيل ولا السلطة تقويضه».