غزّة | بات أكيداً، بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، أن خلية منظَّمة هي التي خطّطت للعملية التفجيرية المزدوَجة في القدس ونفّذتها، لكنّ التثبّت من هُويّة هذه الخلية والوصول إليها لا يزالان متعذّريْن. وإذ تشتبه سلطات العدو في أن مجموعة فلسطينية من سكّان شرقيّ القدس تقف خلْف الهجوم، فهي تعتقد أن عناصر تلك المجموعة عملوا تحت إشراف «مهندس» تبدو بصمته واضحة في نجاح العملية والاحترافية التي وسمتْها، وهو ما يقود، بحسب التحليلات الإسرائيلية، إلى توجيه أصابع الاتّهام إلى فصائل المقاومة في قطاع غزة بالضلوع في الضربة التي أعادت إحياء كوابيس الانتفاضة الثانية. وعلى خلفية ذلك، أوصلت دولة الاحتلال إلى حركة «حماس»، عبر الوسيط المصري، رسائل تهديد بأن «ردّاً إسرائيلياً قاسياً» ينتظر القطاع في حال ثبوت اشتراك الحركة في الهجوم، الأمر الذي ردّت عليه الأخيرة بأن المقاومة اليوم هي غير المقاومة عام 2002، وأن أيّ مغامرة إسرائيلية ستجعل «مدن الاحتلال كلّها تحت مرمى النيران الفلسطينية»


بَعد ساعات على العملية التفجيرية المزدوَجة في مدينة القدس المحتلة، وارتفاع حدّة التهديدات من قِبَل العدو لقطاع غزة على خلفيّتها، تبادَلت المقاومة ودولة الاحتلال، عبر الوسطاء، تحذيرات متبادلة من «اتّخاذ خطوات غير مدروسة». وبحسب ما علمته «الأخبار» من مصادر في «حماس»، فقد أجرى الوسطاء المصريون، أمس، اتّصالات مع الحركة لتباحث الأوضاع في أعقاب العملية، وسْط اتّهامات إسرائيلية لـ«حماس» بالمسؤولية عنها، وتلويح بعودة سياسة الاغتيالات ضدّ قيادة الحركة في غزة. وأشارت المصادر إلى أن «حماس» ردّت على تلك الاتّهامات، بوصْفها إيّاها بأنها «محاولة لتفريغ الضغط الداخلي الإسرائيلي، عبر نقْل المعركة إلى القطاع»، مُهدِّدةً بأن «الرجوع إلى الاغتيالات سيكون لعنة على الاحتلال، وسيمثّل شرارة لانطلاق موجات كبيرة من العمليات الاستشهادية، إضافة إلى تَفجّر مواجهات كبيرة مع المقاومة في غزة». كما حذّرت الحركة، العدو، من «مغبّة القيام بخطوات عسكرية أو أمنية تجاه القطاع، لأن ردّة فعلها اليوم لن تكون كما كانت في عام 2002، بل إن مدن الاحتلال كلّها تحت مرمى نيران المقاومة». وكان المصريون نقلوا إلى «حماس»، بحسب المصادر، رسالة إسرائيلية بأنه إذا ثبت وقوف الحركة وراء هجوم القدس، فإن «ردّاً إسرائيلياً قاسياً سيُوجَّه إلى غزة».

وصفت «حماس» الاتّهامات المُوجَّهة إليها بأنها «محاولة لتفريغ الضغط الداخلي الإسرائيلي»


في الإطار نفسه، ذكرت صحيفة «معاريف» العبرية أنه «في هذه المرحلة، لا توجد معلومات تربط حماس بالعملية، لكن في موجات سابقة، ومن خلال محاولات أحبطها جهاز الشاباك في مرحلة مبكرة، تَبيّن أن بعضها جاء بأوامر من القطاع، أو بطريقة غير مباشرة عبر مقرّ قيادة الحركة في تركيا». ووفقاً لتقرير المراسل والمحلّل العسكري للصحيفة، تال ليف رام، فإن «نجاح الهجوم والبصمة المتروكة عليه سوف يشيران بوضوح إلى غزة، وهذا على الأرجح سيؤدّي إلى توصية من المؤسّسة الأمنية للمستوى السياسي بالردّ على حماس». وأشارت «معاريف» إلى أن دولة الاحتلال «قد تُغيّر سياستها المتّبَعة سابقاً، وتُوصل رسالة إلى الحركة بأنها لن تكتفي بالردّ على إطلاق الصواريخ من غزة فقط، بل إن الإرهاب المُوجَّه من قيادتها في القطاع سيكون له ثمن باهظ أيضاً».
وجاء ذلك في وقت أعلنت فيه سلطات العدو اعتقال عامل فلسطيني من غزة، كان يخطّط لتنفيذ عملية تفجيرية في حافلة جنوب فلسطين المحتلّة. وأفاد بيان لـ«الشاباك» بأنه في 30 تشرين الأوّل 2022، اعتُقل العامل فتحي زياد زقوت (31 عاماً) من سكّان رفح جنوب قطاع غزة ولديه تصريح عمل، مضيفاً أن زقوت «تمّ تجنيده من قِبَل حركة الجهاد الإسلامي لتنفيذ الهجوم على خطّ الحافلات في المنطقة الجنوبية، وتَبيّن أنه تعلّم تصنيع العبوات من قِبَل خبير متفجّرات في غزة»، وأنه «عند دخوله إسرائيل بدأ بجمع موادّ العبوة الناسفة، والتي ضُبطت لديه عند اعتقاله». وزعم البيان أن المحاولة «تمّت بإيعاز من جهاد غنام، أحد كبار قادة سرايا القدس، الجناح العسكري للجهاد، وأن زقوت كان على اتّصال بمحمد وكريم تمراز ونشطاء آخرين من الحركة في رفح مِمَّن جنّدوه لتنفيذ الهجوم»، لافتاً إلى أن «الادّعاء العام الإسرائيلي قدّم لائحة اتّهام ضدّ زقوت، منها العضوية في منظّمة إرهابية، وتلقّي تدريبات لأغراض إرهابية، والتحريض على هجوم قاتل مُميت، وحيازة مواد محظورة». ولوّح مصدر كبير في «الشاباك»، من جهته، بأن «دولة الاحتلال لن تسمح بمحاولات استغلال التسهيلات المدنية، من قِبَل الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة للترويج لهجمات فدائية، وستتعامل مع هذه المحاولات بصرامة، مع اعتبار حماس الجهة المسؤولة عنها».
ميدانياً، عزّزت المقاومة استعداداتها لإمكانية تَفجّر الأوضاع، ورفعت درجة الاستنفار لدى أجهزتها الأمنية وأجنحتها العسكرية، تحسّباً لمعركة جديدة قد تُفرض عليها.