يفرض الحدث المصري نفسه على اهتمامات المستويين السياسي والإعلامي في تل أبيب، التي تراقب بحذر واقع ومآل التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها الساحة المصرية، وخاصة في ظل المكانة المتقدمة التي تحتلها مصر في منظومة الأمن القومي الإسرائيلي، فضلاً عن تأثيرها على الساحات الأخرى المحيطة بالدولة العبرية.


ورغم حالة عدم اليقين، من منظور إسرائيلي، إزاء مآل التطورات الإقليمية عامة، والمصرية خاصة، رأى رئيس مجلس الأمن القومي السابق، اللواء احتياط غيورا آيلاند، أن «الأحداث الأخيرة في مصر، وتلك المتواصلة منذ زمن طويل في سوريا، تسبب قلقاً في إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا القلق يعود إلى خشيتها من انتقال العنف إلى حدودها مع مصر، وبمستوى أعلى من خطر مواجهة عسكرية».
أما لجهة منبع هذا القلق، فيؤكد آيلاند أنه ينطلق من فرضية أن «عدم اليقين شيء سيّئ، وعدم الاستقرار حولنا شيء خطر».
وفي ما يتعلق بالساحة المصرية تحديداً، لفت آيلاند إلى أنه بالرغم من الدوامة السياسية الشديدة التي تدخل فيها مصر للمرة الثانية، لكن «تأثيرها على إسرائيل قليل وليس سلبياً بالضرورة».
وبرر ذلك بأن «الأحداث تجري في المدن الكبيرة على بعد 300 كيلومتر من الحدود. كذلك إن الجيش المصري سيكون في فترة مرسي، وفي أي سيناريو آخر، هو المسؤول عن العلاقة مع إسرائيل وعن حفظ الهدوء على الحدود»، مشيراً إلى أن «العلاقة المتينة التي تربط هذا الجيش بالدعم الأميركي، وبالتالي من المنطق أن يستمر في محاولة منع انتقال أحداث عنيفة إلى أراضينا».
إلى ذلك، رأى آيلاند أن «مصر، كما هي حال سوريا، ستعاني لفترة طويلة من عدم استقرار سياسي ومن أزمة اقتصادية شديدة، ونتيجة ذلك سيبقى كل من يحكم القصر الرئاسي مشغولاً بالتحديات الداخلية، لذلك إن احتمال تحول القدرة العسكرية المصرية نحو إسرائيل متدنٍّ جداً». وأضاف أنه «قد تتولى في مصر سلطة أكثر علمانية وديموقراطية قد توافق مع مرور الوقت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل».
وقال آيلاند إنه «قبل سنة كنا نبكي لتولي الإخوان المسلمين الحكم، وخشينا من دعمهم لحركة «حماس»، وها هو حكمهم يتقوض ويمكن أن نبدأ بسحب تعبيرات القلق من العام الماضي».
من جهته، قارن المعلق الأمني في صحيفة «إسرائيل اليوم»، يوآف ليمور، بين خروج الجماهير المصرية في عام 2011 ضد الرئيس حسني مبارك، وخروجهم اليوم ضد محمد مرسي، بالقول إن خروجهم الأول كان «ثورة أمل»، فيما يحركهم اليوم «اليأس» انطلاقاً من أن مصر في ظل رئاسة مرسي «أكثر فقراً وأكثر بطالة وأكثر خيبة».
ورأى أن «المعارضة الحالية انطلقت من تقدير مفاده أنها إن لم تتحرك اليوم، فلن تتمكن لاحقاً من صدّ «الطوفان الإسلامي»، مؤكداً أن «هذا هو دافع تدخل الجيش الحاد والسريع، الذي تربى عليه جيل جنرالاته الحاليين في الغرب وهم يتحدثون الإنكليزية ويريدون التقدم، وهم ليسوا معنيين بالعودة أربعين سنة إلى الوراء.
كذلك فإنهم لا يريدون أن تقلد مصر تركيا لجهة تنحية قادة الأجهزة الأمنية بالجملة ورميهم في السجون». وأضاف أن «الجنرالات أدركوا أيضاً، مثل الجماهير، أن الأمر قد يكون متأخراً جداً في الغد، ومن هنا كان قرارهم بالعمل الآن».
وأكد ليمور أن «الولايات المتحدة تحاول يائسة إعادة بناء مكانتها في المنطقة بعد السياسة المترددة التي أدارتها في السنتين الأخيرتين، لافتاً إلى أن واشنطن تخشى من فترة فوضى أخرى في مصر تؤثر في الشرق الأوسط وتُنبت جهات أكثر تطرفاً توجه أذرعاً عنيفة إلى كل صوب، والأمر نفسه ينسحب على إسرائيل».
وأضاف أن «مرسي كان في الحقيقة معادياً لإسرائيل، لكن رغم ذلك تميزت ولايته بالحزم مع حماس والمنظمات الإرهابية، الأمر الذي خدم المصلحة الإسرائيلية أكثر من مرة»، موضحاً أنه «كان هناك، بعيداً عن الأنظار، علاقات عمل وثيقة وتعاون استراتيجي مدهش».
ومن المنطقي أنه في حال بقاء الجيش المصري مشاركاً في الأمور، سيُحافظ على هذه العلاقات، غير أنه رأى أن ضمان هذا الأمر محدود، ودعا إلى التواضع وعدم محاولة تقدير ما الذي سينشأ عن غضب الجماهير. وفي ضوء ذلك، رأى ليمور أن «علينا، كما هي الحال في سوريا، الحرص على البقاء خارج اللعبة».
من جهته، رأى بوعز بسموت في صحيفة «إسرائيل اليوم»، أنّ «علينا ألّا ننسى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، موجود في المعادلة المصرية»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تربح في الشأن المصري، وأن السفيرة الأميركية آن باترسون أوصت المعارضة المصرية باحترام نتائج الانتخابات.
رغم ذلك، رأى بسموت أن إدارة أوباما تعيش، عموماً، في كوكب آخر، ونقل عن صحيفة «نيويورك تايمز» تساؤلها عما إن كان هو الوقت الملائم لجولات مكوكية يقوم بها وزير الخارجية جون كيري، بين إسرائيل ومصر، وكأنّ سوريا ومصر غير موجودتين، مشدّداً على أن الشرق الأوسط قد تغير وتغير أيضاً سلم أولوياته، غير أن واشنطن تختار أن تشغل نفسها خاصة بـ«تل أبيب الوادعة».