كم هي جديرة باسمها وهويتها وأهلها، طرابلس الشام، مدينتي بالتبني. مثلما جاء لها القمح من بيادر قريبة فوجد له في المدينة اسما، أنا الفلسطيني الذي يأبى الا ان يقحم نفسه عرفانا بالجميل لها، لتأذن لي وحدي بالاعتراف، أن بيني وبينها قصة شغف و ماء وخبز وملح وحبر وجرعة هواء نظيف.

فيها، في المدينة الفيحاء، تفتحت براعمنا على أوائل الاشياء. عرفنا فيها ذواتنا واكتشفنا اختلافنا وتلمسنا معنى حياتنا ولو بالمقارنة، فكانت بحق هي التي علمتنا ابجدية المدن. بعدها بكثير، أتت المدن الاخرى. تغيظنا المدينة بالصدمة الاولى وبواكير التجربة، تقهرنا بمتعة عشوائية ملونة بالخربشات الاولى فوق نتوءات جدار الغربة. لم يسبق ان سمعنا دقات ساعة التل، تصمت لكن لا وجعا ولا خشوعا، تنتصب بكبرياء في برجها الرابض في قلب المدينة، في ساحة تعج بالمارة، أرادت أن تبهرنا في كل شيء، لتختبر فينا الحواس المكبوتة، فتنفجر في الحلق مرارة الدهشة بالجديد وغير المعتاد في ازقتنا وحاراتنا، نكتشف فيها المدى الواسع المفتوح في شارع عزمي ومحلات راقية تتوزع في شارع المئتين وارصفة تنتهي الى كورنيش بحري من شارع بورسعيد. وهناك في زوايا المدينة تحتضن الكلمة والقافية والفكرة في «مكتبة فرح» و«السائح» وتنهل معرفة على مقاعد مدرسة الحدادين وملحم وكلية التربية وقاعات الرابطة الثقافية، ومجسّات الطبيب حين استفحل الوجع في مشفى النيني والمظلوم والاسلامي، قلب كبير يتفرع من ساحة عبد الحميد كرامي ويتوغل عميقا في عروقها وحاراتها القديمة من باب الرمل الى السويقة والنجمة والتربيعة والخنّاق وابو سمرا والزاهرية والتبّانة والبعل، في كل حارة يكمن ذاك الصخب اليومي على رصيفها يلهث فرحا وقمحا ونخيلا.
عقاربها تدور مع الزمن، ساعة لا يليق بها الا الذاكرة الخضراء الوارفة في «منشيتها» وتاريخها الشاهد بخشوع في دقات ساعة التل، وعلى تخوم نهرها تعبر المساءات خائفة هاربة من رصاصة تجرح السكون الذي يغازل خرير الماء. كل شيء يسيل روعة في شرايين الفيحاء، كانت معنا عند مقتبل العمر ودردشات شيوخها تختلط بدخان أراجيل مقهى «فهيم». دائما ظلت معنا عند مقتبل السفر، تسقط في بحر جرحنا وتغمس أقدامنا بملحها وحبات من رملها العالقة على رؤوس الاصابع. مدينة القمح تأبى في هزال المواسم أن يصادر القاتل المتسلسل لون حصادها الذهبي ويمرغ بعرق الفقراء وجه خبزها الاسمر. ساعة التل هي العنوان الثابت ان ضاعت الطريق او اضعناها، نلتقى فيها عند مفترق أو ميناء رحيل وتظل رئة المخيم ان اختنق وملجأ ان نزح ثانية. وهي البيت بدل الضائع الى حين الرجوع الى البيت المشتهى، تماما هي للنفس نافذة الى البلاد والممر القسري وطيف من مأوى اليمام. تترك ذاكرة الامكنة فينا، من عبق التوابل في سوق «بازركانها»، ونقش على نحاسها الاصفر ومنمنمة كزخرفات على مفروشاتها الخشبية، بصماتها الماهرة كفنون صاغتها الغافية في عتمة أسواقها العتيقة. ومطاحن القمح تدور في رحاها سنابل القمح فتسيل طحينا. هكذا تنطق بلغتها الفصيحة، لا يليق بها الا اسمها، كم تغيظنا أسماء المحاور المغمسة بدمها وقباحة الحرب. كم تقتلنا اللغة التي تحفظ عن ظهر قلب طقوس الفتنة، الاسماء المستعارة من قاموس القتل.
لو نطقت عقارب الساعة يوما، لباحت بحسرتها: كيف تكظم غيظك من ضحية تفتي بذبح نفسها؟ لا حياد في الوطن حين تنزف المدن منك. لا يمكن الا ان تنحاز لشوارعها الفارغة، كلما تدخل عابرا مسالما من بابها الشمالي، تدرك أن هناك طلقات عمياء، ترمى الى الجهة التى يتمناها العدو، مهمتها ان ينتشر العمى وأن تسرق من عيون الحقيقة صورتها. تمزقنا الحيرة من مدينة تعلمت فن الوداعة كي تأسرك بهويتها فتغتال فيك الأحساس بالغربة، والى هذا الحد تبرع فتكاً في تشويه وجهها. وهي أول من كانت تخشى ان تدفع ثمن الظلامية وكلفة جهل الملوك وأشباه الامراء الذين ان دخلوا قرية أفسدوها.
تدق ساعة الخوف كلما وجدت مدينتها تسير عكس الزمن وربما تستقيل عقاربها من الوقت. تريد لدقات قلبها ان ترفع أذان الفجر وتقرع اجراس القيامة. لك يا مدينة القمح تسجد أسراب العصافير، وهي تحب فيك طعم الصبر مثل عشب يابس في محطة انتظار، تحب المآقي التي ما برحت ترنو الى فلسطين دمعا ودما وعشقا، تقاوم بلا ادعاء وفي المكان المناسب والزمان الصحيح، تظفر بأحلامها حين تخرج من دائرة النار، لم أذكر يوما انها أخمدت، ثمة من ينفخ على بصيص جمرها ولغاية في نفس زعيم ، ولكن ليس في نفسها أو في نفس اهلها. رغبة سوداء أن تخلع روحها وهويتها، وهي تقبض على ألوان الحياة بكل ما أوتيت من فرح، قالت لا يرميها بحجر من شرب من بئرها قطرة ماء، تظل طرابلس عند سيرتها الأولى التي تشرئب كأشواك الزمن الصعب لتصل باب الأفق، هي مدينة الأشرعة تتقاذفها الانواء ونحن معاً في مركب واحد، نبحر سوية ولكن على صهوة الحذر.
* عضو مكتب سياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين