بعد صدور التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي أشار إلى وجود بُعد عسكري للمشروع النووي الإيراني، بقي الاهتمام الإسرائيلي منصبّاً على السبل الآيلة إلى وقف هذا المشروع، في ضوء خيبة الأمل التي أُصيبت بها المستويات السياسية والأمنية في الدولة العبرية جرّاء ردود الفعل «المعتدلة» للمجتمع الدولي. وبناءً عليه، عاد الحديث عن السيناريوات المحتملة والمُتاحة أمام إسرائيل لمواجهة المشروع النووي الإيراني. في هذا السياق، تطرقت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إلى سيناريوات الرد المحتملة، فتحدثت عن خمسة منها، وتوقفت عند مزايا كل واحد منها وعيوبه، وعند معقولية تحققه. ويظهر من عرض هذه السيناريوات عمق المعضلة التي تواجهها إسرائيل عند محاولتها التصدي للمشروع النووي الإيراني، بسبب كثرة التعقيدات التي تنطوي عليها، وتدنّي معقولية تحققها.


السيناريو الأول يتمثل في فرض «عقوبات شالّة» على إيران. تهدف هذه العقوبات إلى أن تخسر إيران، بعد أن تتحول إلى دولة منبوذة، مصدر دخلها الرئيس، أي النفط، بحيث لا يعود في مقدورها التجارة مع العالم الخارجي، ولا يكون أمامها من خيار سوى الخضوع. لكن المشكلة في هذا السيناريو تكمن في ارتفاع أسعار النفط، وتضرّر الاقتصاد العالمي الهش، بينما سيدفع الشعب الإيراني ثمناً باهظاً لن يفضي إلى سقوط النظام، بل إلى التكتل حوله.
وبناءً على ذلك، فإن معقولية تحقق هذا السيناريو معدومة، لأن الصين وروسيا تعارضانه بشدة، ولأن الغرب يخشى دفع ثمن العقوبات على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية. كذلك فإن الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة وفرنسا تخفضان أكثر فرص هذا السيناريو.
السيناريو الثاني يدعو إلى تشديد العقوبات على إيران من قبل مجلس الأمن. وينطلق طرح هذا السيناريو من حقيقة أن العقوبات الإضافية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أوجعت النظام الإيراني. ولذلك فإن تبنّيها وتوسيعها من قبل مجلس الأمن من شأنهما أن يُثنيا الإيرانيين عن مواصلة نشاطهم النووي. لكن مشكلة هذا السيناريو تتمثل في أن العقوبات الإضافية لن تُفضي أساساً إلى شلّ المشروع النووي أو إسقاط النظام، مثلما لم تنجح في فعل ذلك حتى اليوم. كذلك فإن الإيرانيين سيواصلون الاستخفاف بالعالم، وبالتالي ستتآكل أكثر قدرة الردع لدى مجلس الأمن.
من هنا، فإن فرص تحقق هذا السيناريو متدنية في هذه المرحلة، لأن روسيا والصين، ولكل أسبابها، سبق لهما أن أعلنتا معارضتهما تشديد الإجراءات ضد إيران في مجلس الأمن، لكن يُحتمل استعدادهما لإجراءات رمزية.
السيناريو الثالث يتعلق بهجوم إسرائيلي منفرد على المنشآت النووية الإيرانية. من مزايا هذا السيناريو أنه رغم التوقعات التي تشير إلى أن الهجوم لن ينجح في شل المشروع النووي الإيراني، لكنه سيؤخّره على نحو جوهري، وسيرفع من قدرة الردع الإسرائيلية، كذلك فإنه في ضوء التقرير الشديد للوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إيران، ستتفّهم عواصم كثيرة في العالم هذا الهجوم.
لكن مشكلته تكمن في أن لإسرائيل قدرة محدودة على الوصول إلى المنشآت النووية المنتشرة في مواقع كثيرة في أرجاء إيران. كذلك فإن إيران ستشنّ حرباً على إسرائيل بمشاركة حلفائها. علاوة على ذلك، كل هجوم من دون تصديق أميركي سيُرغم الولايات المتحدة على الانجرار إلى الحرب، لكن من شأنه على المدى الطويل أن يمس بالتحالف بين الدولتين. وعليه، فإن معقولية تحقق هذا السيناريو متدنية في هذه المرحلة.
السيناريو الرابع انضمام الولايات المتحدة وبريطانيا إلى الهجوم الإسرائيلي. هذا قد يحصل لأن الهجوم المشترك سينجح في شل المشروع النووي الإيراني، وسيجد الاقتصاد الإيراني صعوبة في امتصاص حرب طويلة. لكن الخطورة في هذا السيناريو تكمن في أن إيران ستعود بسرعة إلى محاولة تطوير المشروع النووي، وستتحول إلى «بطل» الشارع العربي وإلى ضحية إسرائيل والغرب، كذلك فإنه سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وإلى تعرض المخزون النفطي السعودي للهجوم الإيراني، وإلى تضرر الاقتصاد العالمي الهش. علاوة على ذلك، ثمة خشية من تحرك خلايا إيرانية في أفريقيا وأميركا الجنوبية وآسيا، ومهاجمتها أهدافاً أميركية وبريطانية. ومن شأن هذا السيناريو أن يقود إلى حرب طويلة ومكلفة جداً، قد تتطلب أيضاً إدخال قوات برية إلى المعركة.
بناءً عليه، معقولية اللجوء إلى هذا السيناريو متدنية جداً، لأن الأميركيين سيمتنعون عن فتح جبهة إضافية وأصعب بكثير من الجبهات المفتوحة.
السيناريو الخامس، العودة إلى المفاوضات مع إيران. هذا السيناريو مطروح في ضوء حقيقة فشل كل جولات العقوبات حتى الآن، ولأن أي عقوبات إضافية لا تبدو واقعية في هذه المرحلة. كذلك فإنه إذا استجاب الغرب لطلبات الصين وروسيا باستئناف المفاوضات، وأتاح لهما قيادتها، فسيكون ممكناً اتخاذ خطوات متشددة مع فشلها.
المشكلة في هذا السيناريو هي أن المفاوضات محكومة بالفشل، لأن إيران عقدت العزم على دخول «نادي الذرة»، ولأن المفاوضات ستتيح للنظام الإيراني كسب الوقت وابتزاز الغرب، كما فعلت كوريا الشمالية. كذلك فإن الاعتراف بفشل السياسة الهجومية سيؤدي إلى تآكل الردع أكثر فأكثر.
أما معقولية هذا السيناريو فمتوسطة، ولا سيما أن روسيا والصين تضغطان مجدداً لإجراء مباحثات مع إيران، رغم أن ثمة تصوراً في واشنطن يفيد بأنه لا معنى لهذه المفاوضات.